قصة السعوديين مع "الفلسفة المحرمة" تحت التشدد الديني سابقاً

مبادرات فردية أطلقها سعوديون لإشباع شغفهم بالفلسفة، وحكاية تمرد طالبات يستهوين إثارة التساؤلات الوجودية

الفلسفة في السعودية من داخل أسوار الجامعات إلى فضاء الانتاج المعرفي (غيتي)

على مدى عقود ظلت الفلسفة تتربع على هرم المحظورات في السعودية، فلم تكن العقلانية أو التساؤلات الوجودية مفردتين محبّبتين لدى الوجدان السعودي، لما تحملهما من رفض ضمني أو اعتراض سلمي على البدهيات التي يُروَّج لها، ورغم ذلك فإن بعض الجامعات ومدارس المرحلة الثانوية شهدت تمرد طلاب وطالبات على المنظور الاجتماعي والديني الذي ينبذ الفلسفة بصفتها خروجا عن المبادئ والقيم الدينية، قبل أن تقرر وزارة التعليم إدراجها في المناهج، في اعتراف قطعي بالقيمة الفكرية التي يحظى بها العقل القارئ للفلسفة.
ولم يقف الحراك الثقافي داخل الملتقيات الفلسفية المتخصصة، وفي أسوار الجامعات، وأروقة المدارس الثانوية في السعودية عند إطار التلقي الضيق، بل تجاوزه إلى فضاءات الإنتاج المعرفي، إذ قاد شغف المطالعة واقتناء الكتب ومشاركة العلوم هؤلاء القراء والقارئات إلى تكوين مجموعات صغيرة تحتضن همومهم الوجودية الكبرى، وتلبي عطشهم الفكري في مساحات حرة، وتحت وطأة قيود أخف، حتى أنهم صقلوا تجاربهم في المرحلة الجامعية فاتجهوا إلى النشر والتأليف، وحققوا نجاحات مبهرة على المستوى المحلي والعربي.

عبدالله الغذامي: المفهوم الجوهري للفلسفة هو التفكير النقدي وعماده ثقافة الأسئلة التي تعد أخطر معانيه


"الفاست فود" ووهم المعرفة

يعتقد الدكتور عبدالله الغذامي أحد أعمدة حركة الحداثة الفكرية في السعودية بأن المفهوم الجوهري للفلسفة هو التفكير النقدي، وعماده ثقافة الأسئلة التي تعد أخطر معانيه، مضيفا بأن إغفال حال السؤال، والتساهل مع الأسئلة يصنع عوائق تبعدنا عن التفكير النقدي، وتوقعنا بوهم المعرفة فنشرع بالقول الذي سيبدو لنا معرفيا وفكريا ولكنه أقرب للثرثرة، وهذا أمر يشيع كثيرا في عموم الممارسة الكتابية، خاصة الكتابة الظرفية التي لا تعطي فرصة للذهن لكي يتبصر بمنطلقاته وحيثياته ويدقق في فرضياته، ويشير إلى أنه أمر منتشر في الثقافات كلها، ويسبب عيوبا في التفكير يترهل معها الذهن، مشبّها ذلك بترهل الجسد مع الطعام الذي يسمى بالفاست فود، وفي الثقافة أيضا طعامها المتسرع والجاهز كقوالب لتلبية الطلب السريع.


ماهي الفلسفة؟

ويذهب الغذامي إلى الاعتقاد بأن التسليم بوجود هذه العلة الثقافية في صناعة الخطاب سيجعلنا مهيئين لتحرير مفاهيمنا حول المعنى الفلسفي، فالفلسفة كما يرى ليست في تحويل نصوص الفلاسفة الكبار من بطون الكتب إلى بطون المحفوظات، وليست بأن نقرأ الفلسفة أو ندرسها، لكي نقول إننا عرفناها صما ويقينا، لكن الفلسفة بما إنها التفكير النقدي وثقافة السؤال هي ما كان يقال قديما إنها آخر ساعة من النهار، أي أنها آخر المطاف المعرفي وذروته، ومن الواجب أن نقول أيضا إنها أول المطاف لأن السؤال هو البداية، ويقول: "ما كان سقراط ليكون لولا أنه مارس السؤال، وسؤال السؤال وهذا ما حوله من رجل عادي كأي رجل حكيم في أثينا ذلك الوقت، ولكنه تحول من الحكيم إلى الفيلسوف لأنه مارس السؤال على نفسه وعلى تلاميذه الذين قبلوا دخول حلبة صداع العقول مع الأسئلة، ولكن المدينة بعلية أهلها وعوامهم ضاقت بأسئلة سقراط فقررت تجريعه السم لكي تقتل الأسئلة في مهدها قبل أن تسمم أذهانهم التي تريد السكون بسلام".


قلق الأسئلة

الأسئلة والتفكير النقدي حسب الغذامي يتطلبان منهجية إجرائية أولا، فلا معرفة بحثية دون منهجية تضبط جريان الفكر حسب نظام ممنهج يحول دون تسربات الثرثرة اللفظية ثم يتبع ذلك الممارسة الحية والمباشرة حيث يتحول المعلوم إلى سؤال مشاغب وإلى مختبر تجريبي، مستشهدا بقول سارتر: "أظنني أعرف، فإذا سألت نفسي وجدتني لا أعرف".
ويشدد على ضرورة تأكيد هذا الدور للسؤال المعرفي، وتطوير الأسئلة من سؤال بسيط وساذج إلى سؤال قلق يقلق صاحبه ويدفعه للكشف والاستكشاف، تماما كما حدث لنيوتن مع سؤال التفاحة الذي تحول من ساذج إلى كشف علمي عظيم، ونقيس عليه كل سؤال يتحول إلى تفكير نقدي وينتج عنه قلق معرفي قد ينتهي لجواب، وقد يتولد عنه مزيد أسئلة وقد يظل قلقا يشاغب الذهن ويحرك سكونه، وربما تمر حياة كاملة دون الوصول لجواب، ولكن هذا القلق حتما سيكشف عن مخبوءات ذهنية ما كان لها أن تتكشف لولا حرقة السؤال.

حكاية الفلسفة في السعودية 

رغم التوجس الديني في الثمانينيات إلا أن السعودية شهدت اهتماما بالفلسفة وعلم الكلام لدى بعض الكتّاب والمثقفين ممن كتبوا عنها في فضاء الثقافة السعودية، على رأس هؤلاء أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري الذي نشر عدة مقالات فلسفية أثناء التسعينيات في الصحف والمجلات السعودية، وكذلك كتب أحمد الشيباني الذي استقر بالمملكة مقالات عديدة، وترجم كتبا مهمة مثل: كتاب "نقد العقل المجرد" لمانويل كانط، وكتاب "تدهور الحضارة الغربية" لأوزوالد اشبنغلر.
ويشير سليمان السلطان أحد الباحثين في الفلسفة، بأنه رغم افتقار الساحة الثقافية السعودية إلى الطرح الفلسفي من حيث التنظير والبحث إلا أن هناك بعض البوادر التي يمكن أن توصف بأنها فلسفية، مستشهدا بمحاولة حمزة شحاتة وهو رائد من رواد النهضة الثقافية السعودية في مؤلفه الشذرات الفلسفية التي أودعها في كتابه "رفات عقل" عام 1980، ولا شك أن كتابات عبدالله القصيمي تنطوي على أطروحات فلسفية معمقة، رغم أنها لم تنتظم في نسق مركز، لتشظي الأسلوب الكتابي لديه.

من التحريم الديني إلى الإقرار الحكومي

أسهمت التغييرات النوعية التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة في تضييق نطاق المحظورات لدى المجتمع السعودي، واستحالت بعض الخطوط الحمراء في الماضي إلى أفعال طبيعية، فمن تجريم قارئ الفلسفة إلى إقرار مفاهيمها في المنظومة التربوية بعد استحداث وزارة التعليم العام الماضي مادة "مبادئ الفلسفة" لطلاب المرحلة الثانوية.
وترى عضو مجلس الشورى السعودي كوثر الأربش بأنه حان الوقت لإعادة النظر في الفلسفة، وتبرئتها من تهويل بعض المتشددين، فهي تعني حرفيًا في اللغة اليونانية: حب الحكمة، وهو علم يعنى بالتفكير، ويعمل على تنظيم الأفكار حسب منطقيتها، ويقارن بين المتناقضات، ويحمي العقول من الكثير من المغالطات المنطقية، كما أنه يدرس الأسئلة التي يطرحها كل منا في مرحلة النمو واستكشاف الذات والكون من حولنا، تلك الأسئلة التي تدور حول اللغة والوجود، والعقل، والاستدلالات، والأخلاق.

الفلسفة لمجابهة التطرف

اعتماد التنظيمات المتطرفة على المغالطات المنطقية، واجتزاء الحقائق، وربط ما لا يمكن ربطه عقلاً، دعا الأربش إلى التأكيد على أهمية تعليم الطرق المنطقية للتفكير، والتي تتضمنها دروس الفلسفة، إذ تعتقد بأن سهولة استقطاب الشباب من قبل جماعات وأحزاب متطرفة أو إرهابية يعود إلى الافتقار إلى القيمة الفكرية التي تضفيها الفلسفة لمواجهة الآليات المنحرفة التي تستخدمها تلك التنظيمات لتضليل العقول، وتنويمها، ومن ثم غسلها كليا واستقطابها.
وتعليقا على قرار وزارة التعليم بإدراج الفلسفة في المناهح أشارت إلى إنجاز مشروع تدريب 200 معلم من قبل إحدى المؤسسات الوطنية الرائدة في تعليم مهارات الحوار ومبادئ الفلسفة، مبديةً انتظارها بفارغ الصبر لإنهاء العمل على المقرر، وإتمام تجهيز المعلمين وبدء تعليمه بأقرب ما يمكن، وتضيف الأربش: العقول التي تُبنى على نقض وتفنيد المتناقضات، هي العقول التي تبنى على أسس فلسفية تكون أكثر تنظيمًا وحصانة من استقطاب أي فكر ضال، مهما كان مرجعه أو أجندته، علينا أن لا نقلق من العقل الناقد والمتسائل، بل العكس تمامًا. إنني أحث الشباب دائمًا على النقد وطرح السؤال.

لم ننجو من الانكسارات

الشاعر السعودي إبراهيم زولي يعتقد بأن الطرح الديني المتشدد الذي لا يرى في الفلسفة إلا خروجا على الملة، شكّل حجر عثرة أمام نهوض مشروع فلسفي حقيقي في بلاده، سواء على مستوى الأفراد، أو على صعيد مؤسسات التعليم، وإن برز كتّاب يطرحون نظريات فلسفية بين الحين والآخر.
ويرد زولي هذا الغياب إلى توجس التيار المتشدّد الذي يصم كل جديد بالتكفير والليبرالية، وما سواها من التهم الجاهزة التي لا تستند إلى حوار عميق وحضاري، فقد تنفّذ على مدى عقود خلت في كثير من مفاصل المؤسسات التربوية، وظلّ هو السبب الرئيس في التخلف عن الركب المعرفي، سواء الثقافي منه أو العلمي فكيف بالفلسفة التي يعاديها بنيوياً ويرى فيها خروجا على التعاليم الدينية، لافتا النظر إلى أن الدين الإسلامي في وجهه الحضاري والتنويري قدّم نماذج فلسفية مضيئة حينما نشأ علم الكلام على يد المعتزلة، وظهور جماعة إخوان الصفا في القرن الثالث الهجري، وتألقت أسماء مضيئة، أمثال ابن رشد والفارابي وابن سيناء، وسواهم ممن احتفى الغرب بمشاريعهم وكتبهم الطليعية.

ويستغرب أطروحات البعض ممن يرى في هؤلاء الأعلام، ومدارسهم الفكرية التي نشأتْ خلال القرون الإسلامية الأولى، زندقة وخروجا عن الملّة، فيما يعلم الكثير أن أغلب المدارس الفنية والأدبية، كالرومنسية والرمزية والسريالية، التي تحتفي بها المناهج، لم تكن إبداعية فحسب، بل كانت لها حمولاتها الفلسفية والفكرية، مشددا على أهمية اضطلاع المؤسسات التربوية والتعليمية بدورها لمواكبة العصر ومتغيراته والا فإن التاريخ سيلقي بالأجيال القادمة خارج نافذة قطاره السريع.

 


الخطاب النهضوي في السعودية لم يغب عن التاريخ الثقافي، إذ كانت هناك إشراقات لا يمكن لمتابع أن يغفلها، مثل محاضرة حمزة شحاتة "الرجولة عماد الخلق الفاضل" بمقرّ جمعية الإسعاف الخيرية بمكة عام 1940، وكتاب "التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية" لعبدالله عبد الجبار طبع عام 1959 في القاهرة، وكتاب محمد حسن عواد "خواطر مصرحة" في عام 1926، ذلك العمل الذي ألقى حجراُ في البحيرات الراكدة آنذاك، وأشرع الشاعر السعودي إبراهيم زولي بوابات ذاكرته مستعرضا عددا من النماذج والرموز الثقافية التي قالت كلمتها، فواجهها التيار الراديكالي المتشدد، بما يسمى، الخروج على التقاليد والأعراف، ولا يزال المسلسل مستمراً وإن خفت وتيرته، وهدأ إيقاعه، كما حدث مع الشاعرة ثريا قابل عندما أصدرت في بيروت أول ديوان شعري نسائي في الأدب المحلي عام 1963، وتم منعه من دخول المملكة، ومن إعادة طباعته، لولا تدخل الملك فيصل آنذاك الذي أمر بدخوله وطباعته مرة أخرى، والشاعر ناصر أبوحيمد الذي كان من أوائل الشعراء الذين كتبوا قصيدة النثر بالسعودية، أصدر ديوانه "قلق" عام 1960، ومحمد الرميح الشاعر الرمزي كما قدمته دار الأديب اللبنانية في ديوانه "جدران الصمت"  الصادر عنها 1974. ويقول: "كان طريق التنوير ممهّدا للأجيال اللاحقة لولا بعض الانكسارات في تاريخنا الثقافي الجميل، انكسارات لا نزال نتكبّد نتائجها إلى يومنا هذا"

الجامعات بلا حراك


من جانبه، أشار أستاذ الأصول الفلسفية في جامعة الملك سعود الدكتور عبدالله المطيري إلى أن الساحة الثقافية السعودية شهدت مؤخرا اهتماما وحراكا فلسفيا متزايدا، ويمكن ملاحظة ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الأنشطة التي تقيمها عدد من المؤسسات الثقافية، مضيفا بأنه في عام 2008 تأسست حلقة الرياض الفلسفية التي صدر عنها كتابان في الفلسفة، وقريبا سيصدر كتاب ثالث، وفي الثلاث سنوات الأخيرة تأسست أنشطة موازية في جدة ونجران والأحساء، وكذلك أقامت وزارة الثقافة نشاطات متنوعة هذا الأسبوع في المنطقة الشرقية بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة.
واستنكر عدم تفاعل الجامعات مع هذا النشاط رغم استحداث وزارة التعليم مناهج التفكير الناقد والفلسفي العام الدراسي الماضي، بينما الجامعات السعودية لا تزال بعيدة وغير متفاعلة، فهي لم تستحدث أقسام الفلسفة، ولا تقيم أنشطة تتعلق بهذا المجال، مشيرا إلى أنها بذلك تتخلف عن الركب والسياق الفكري الذي يفترض أن تقوده بما تمتلكه من إمكانات وخبرات كبيرة مقارنة بالمؤسسات الأخرى.
ويضع المطيري خارطة طريق الجامعات السعودية للالتفات للفلسفة حيث يعتقد بأن عليها الانفتاح على النشاط الفلسفي من خلال إقامة ندوات وورش عمل ودورات تدريبية وصولا إلى استحداث مقررات فلسفية ضمن السلة الاختيارية للطلاب والطالبات على أن تستحدث بعد ذلك أقسام فلسفية تتولى توفير البيئة الأكاديمية للنشاط الفكري السعودي.



نمارس إنسانيتنا بوعي

لطالما شكلت الفلسفة مسألة خلافية لدى علماء الشريعة الإسلامية، فمنهم من حرمها، وكثير منهم يرى أنها علم لا يخالف تعاليم الشرع الحنيف لقيمتها الفكرية، ويذهب الشيخ أحمد قاسم الغامدي إلى الاعتقاد بأن الفلسفة كغيرها من العلوم التي لا توصف بإيمان ولا بإلحاد في ذاتها، ولا تنسب لدين، بل هي منهج للتّفكير العقلي في الذّات وفي الوجود عامّة، يقصد به معرفة الوجود.
ويضيف بأنها ليست نظريّة، ولا دينا، وإنما تساؤلات عامّة حرّة، منظّمة متشعّبة تتطلب الفهم، وتتناول ثنائيات متعددة مثل الأنا والغير، والوجود والعدم، والخير والشّر، والإيمان والإلحاد، والحياة والموت، والعنف والسّلام، والظّلم والعدل، وغيرها، فهي ابداع السؤال لمعرفة ماهية الوجود، مستنكرا بشدة تحريم تعليمها لأنه بني على جهل بها أو مغالطة، فهو يرى بأنها منهج يحمل الإنسان على معرفة نفسه بنفسه، ولا يسمح لغيره بالتفكير عنه، وتدعو لممارسة النقد كي لا نصبح عبيدا لغير البرهان، وتدعو لعقلنة الأفكار، والعواطف، والسلوك، وبناء المعتقد على الحجّج، لا العادة والموروث، وتحرر دارسها من الجهل وسلطة المألوف والخوف، وتجعلنا نمارس إنسانيتنا بوعي.

قارئات بلا حدود

الاعتراف الحكومي المتأخر بأهمية الفلسفة لم يمنع مجموعة من الطالبات في إحدى مدارس المرحلة الثانوية بمنطقة تبوك من إشباع شغفهن بالقراءة، حيث شهدت تلك المدرسة القابعة في شمال المملكة في العام 2014، حراكا فريدا من نوعه، عندما عكفت الفتيات على القراءة الجماعية لكتب الفلسفة، وتبادل الآراء والنقاشات حولها في المكتبة المدرسية بشكل خاص، وبغض النظر عن الهلع الذي قد يصيب المؤسسة التعليمية عند سماع كلمة "فلسفة" آنذاك، فإن هذا الحراك انتقل بشكل ملفت إلى العلانية، وأصبح يوم الاثنين خاصا لاستعراض سيرة فلاسفة منهم سقراط وأفلاطون وأرسطو وجان جاك روسو.
شروق الزهراني إحدى الخريجات روت قصة مدرسة الثانوية الأولى بتبوك التي بدأ فيها الحراك الثقافي قبل ستة أعوام، وكيف احتضنت أروقة وفصول المدرسة نقاشات الكتب والروايات الزاخرة بفلسفات الخير، والشر، والفضيلة، وتطور الإنسان البشري، وتضيف: "كانت التساؤلات وحدها هي ما تنقلنا إلى نقاشات عميقة، تلك الأسئلة التي تحفزها فكرة أو كتاب، وربما يصادف أن ينبثق سؤال من العدم تثيره معلومة داخل الحصة الدراسية".
وتنسب الزهراني الفضل إلى تلك النقاشات في تطور طريقة التفكير بالأشياء إذ تحثهنَّ الفلسفة على البحث بدافع المعرفة، وتساعدهنَّ على تذوق الأدب بطريقة مختلفة، وكانت الممرات والمكتبة تضج بقصائد درويش على إيقاع: "لاشيء يعجبني"، وتشير بأن الطالبات كنَّ يستمتعن باستكشاف الرمزية الفلسفية عند قراءة الشعر، وقراءة كافكا، وكيف يمكن أن يتحول إنسان إلى حشرة، ورواية العطر التي كان نقاشها مختلفا، وكتاب عزاءات الفلسفة، وكيف تكون الفلسفة عزاء عند العجز والمصاعب، وغيرها من الكتب التي جرّت نقاشات جدلية طويلة


تهريب الكتب

وشكّلت عملية إدخال الكتب والروايات التي بنيت على أطروحات فلسفية بحتة مغامرة كبيرة أمام الطالبات، لما يتعرضنَ إليه من مضايقات، أو سحب للكتب، ولكنهن في أحيان كثيرة يحاولن إدخالها بالخفاء، كونها كتب ذات قيمة معرفية كبيرة، وليس فيها أيّة شوائب عقدية أو دينية.
وتمخص عن الحراك حصد النسبة العليا في أعداد الفتيات المشاركات في مسابقة القراءة الوطنية التي ينظمها مركز إثراء العالمي بالظهران، حيث فاق العدد 200 طالبة، الأمر الذي دعا رئيس شركة أرامكو السعودية المهندس أمين الناصر إلى تبنّي إنشاء مكتبة نموذجية في طرزها ومعمارها، وتزويدها بأهم وأحدث الكتب في مختلف المجالات، نظير العناء والإصرار الذي بذلته الطالبات.

حلقة العاصمة الفلسفية

يرجّح سليمان السلطان بأن الانطلاقة الفعلية للحراك الفلسفي في السعودية كانت بتأسيس حلقة الرياض الفلسفية التي انضوت تحت لواء نادي الرياض الأدبي عام 2008م، بإشراف مجموعة من الكتاب السعوديين، وسرعان ما أصبحت فعالة في الثقافة السعودية، وظلت هذه الحلقة تقدم نشاطات منبرية وتعليمية، ويشير إلى أن الحلقات الفكرية أسهمت في زيادة الوعي بالطرح الفلسفي، وكسر "تابو" يعتقده الكثير، وذلك راجع إلى محاصرة التفكير النقدي في بعد تراثي ديني معين، وأشاع فكرة مغلوطة عنها بأنها توازي الإلحاد أو الانحراف.

فن العيش العملي 

مع تطور الطرح الفلسفي، لم تعد الفلسفة مذهبا أو طائفة كما كان الحال في القرن الرابع الهجري إبّان اشتداد رفضها من قبل الفقهاء التقليديين، بل أصبحت أساسا للتفكير والمعرفة، وموطنها الأهم، وهي الثقافة الأوروبية قامت على حداثة فلسفية منذ القرن السابع عشر، ولم يعد يمكن فهم الحداثة بالمعنى العام لها دون الاطلاع والانشغال بالفلسفة، ويعتقد السلطان بأن التوجس الذي يكنّه بعض التقليديين حيالها بسبب الصراع الأيديولوجي القديم في تراثنا، لم يعد مبررا، هذا إن كان حقا مبررا آنذاك.
وتشهد السعودية ورشة عمل لا تهدأ لتنفيذ ركائز الاستراتيجية الوطنية 2030، إذ يأمل الباحث السعودي في الفلسفة بأن يسهم الالتفات إلى هذا النشاط المعرفي في ملامسة مفاصل المجتمع، والجوانب الثقافية الأخرى في بلاده، معتبرا إيّاها فن العيش العملي، منوّها بأن المنشط الفلسفي ينبغي أن ينعكس على مجالات الثقافة الأخرى من معارف وفنون، وهذا أساسي لتطوير الجانب الثقافي في أي فضاء معين.

مناظرات محتدمة في جدة

تحتضن مدينة جدة غرب السعودية إيوانا معرفيا يعمل على خلق فضاء للتلقي الفلسفي، واستقطاب ودعم كل المهتمين بالنشاط من خلال الورش وحلقات النقاش والمحاضرات المنبرية، ويقول الكاتب السعودي عبدالرحمن مرشود بأن تزايد الاهتمام بالفلسفة ومفاهيمها، والتفات الكثير من المؤسسات الثقافية في المملكة، من العوامل التي تبشّر بأن هذا الفضاء في اتساع مستمرّ، ولو كان الطريق طويلا، خصوصاً مع إقبال الشباب من الجنسين على هذا النشاط، حسب نسب حضور اللقاءات في المؤسسات الثقافية، ويمكن رصده كذلك بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي، وهو إلى جانب ذلك يكشف في كثير منه عن تناول راق وإدراك ممتاز.



تحديات المناهج


ويعتقد مرشود بأن معيقات البحث الفلسفي في بلاده قد زالت، ولم يعد هناك التوجس السابق، ولكن التحدي الذي قد تواجهه الفلسفة اليوم هو مدى قدرتها على بلورة معاييرها بحيث تستطيع التخلص من كل تزوير معرفي قد يتنكر برداء هذا العلم استغلالا لحداثة ظهوره في المشهد.
ويستنكر استباق إدراج مقررات الفلسفة في التعليم العام قبل إنشاء هيئات وأقسام تعنى بها في الجامعات، واصفا ذلك بوضع العربة أمام الحصان، بيد أنه يتفهم قرار إدراج أنشطة التفكير الناقد الذي يعدّه شرطاً ضرورياً لكل تعامل معرفيّ، ويعتقد أن إغفاله كان أحد أوجه القصور في العملية التعليمية.
ويلقي الضوء على برنامج فلق للحجاج والمناظرة الذي يمارس أنشطته في نادي جدة الأدبي حيث أُسّس استجابةً للشعور بهذا الاحتياج فهو برنامج يعنى محورياً بالتفكير الناقد عن طريق الممارسة العملية من خلال المناظرات الدوريّة المستندة على الصياغة المنطقية التي لا يستغني عن استيعابها أي نشاط معرفي حقيقي.

فلسفات بالخفاء

ورغم عدم التفات الجامعات للفلسفة إلا أن النقاشات الفكرية الشجاعة اكتسحت أنديتها الطلابية، كما هو الحال مع نادي القراءة بجامعة جازان جنوب غربي السعودية الذي شكل نافذة حرة للطلاب والطالبات للاطلاع على الجديد في العلوم والمعارف المتنوعة خارج الأطر الدراسية النمطية، واستضاف عددا من النقاد والمفكرين السعوديين والعرب على رأسهم الدكتور عبدالله الغذامي، والدكتور سعد البازعي لمناقشة أطروحاتهم النقدية والفلسفية، وحسب القاص حمزة الكاملي فإن النادي تأسس قبل ثمانية أعوام مع مجموعة من الطلاب الذين لم يضعوا حدودا أمام تطلعهم المعرفي الملفت، إذ صقلت قراءاتهم المتنوعة في الفلسفة والأدب قدراتهم الإبداعية، وشكلت رافدا مهما للنقاشات والأطروحات التي يتبناها النادي، وبرزوا لاحقا على المستوى الإقليمي، منهم الشاعر إياد الحكمي الفائز بلقب أمير الشعراء أكبر مسابقة شعرية بالعالم العربي، والشاعر عبدالله عبيد الذي حصد مؤخرا المركز الثاني بمسابقة شاعر عكاظ، وصانع المحتوى عبدالرحمن إدريس.

غياب المنطق أزمة كبرى

ويقول الشاعر عبدالله عبيد بأن قراءة الفلسفة بالنسبة له كانت المكون الأساس لضبط طريقة التفكير، والحكم على ما يتلقاه من معارف، مشيرا إلى استمراره في قراءة الفلسفة إلى هذه اللحظة، ويبيّن حرص أعضاء نادي القراءة في تلك الفترة على عدم الاصطدام مع المجتمع وإثارته؛ إذ كانت الأفكار الشغف الأول، والآن حان جني ثمار تلك اللحظة الفارقة.
ويذكر بأن استيعاب نادي القراءة آنذاك لعدد من الأسماء التي أصبحت على قائمة المثقفين والفاعلين الآن في المشهد الثقافي المحلي والعربي جعل الرغبة في طرق أبواب الأسئلة مضاعفًا، كما أن مؤسس النادي كان يمنحهم الثقة الكاملة في اختبار معارفهم وصقلها بشكل جماعي.
ويعترف عبيد بأنه كان محظوظا عندما انضم إلى النادي إبان دراسته الجامعية، وأضاف: "على الجامعات أن تُملّك طلابها أساليب التفكير المنطقي بالتوازي مع باقي العلوم، فأكبر أزمة نواجهها دائما في أي جدل هو غياب المنطق تماما". 

ملتقيات الفلسفة في السعودية شهدت تناميا ملحوظا مع الانفتاح الذي تعيشه البلاد، وانطلقت حلقات فكرية في مناطق عديدة منها الشرقية، والقصيم، ونجران


الفلسفة لا تعترف بالجغرافيا

وتحتضن الأخيرة ملتقى السلام الذي يهدف إلى نشر الوعي من خلال تناول الأطروحات الفلسفية، وإيجاد مساحة للإلتقاء والتواصل مع المجتمع الفكري المحلي، رغم العمر القصير للملتقى فقد ناقش خلال ثمانية أشهر ما يفوق العشرين كتابا.
وحسب مؤسس المشروع محمد الزبيدي فإن الملتقى يضم أربعين عضوا رسميا إضافة إلى جمهور من المهتمين بالفلسفة، مشيرا إلى أن هذا النشاط المعرفي ما زال جديدا على المجتمع السعودي، وقوبل بنوع من الحذر والاستفهام، لذلك كان حجم الإقبال المبدئي على النشاط واقعيا بالنظر على انطلاقة الأنشطة الأخرى في المناطق المجاورة، بيد أن الاستجابة فيما بعد فاقت التوقعات.

توجس التيارات الدينية

ورغم الخطوات الرسمية بالاعتراف بالفلسفة إلا أن مخاوف المهتمين بها تنبع من وجود جملة من علماء الدين مازالت تأخذ بتحريمها، ويميل الشيخ أحمد الغامدي إلى القول بأن التيارات الدينية يسيطر عليها الكثير من الجهل في هذا الباب بالذات، فهم يتمسكون برأي من قال بتحريمها، والأهم في نظره أنها تتبع خطوات محسوبة تتفق مع أجندتها وأهدافها، وتعليم الفلسفة ليس من مصلحتها لأنهم يحرصون على احتكار النطق بالحق.
وانعكس تحريم الفلسفة على المجتمع السعودي الذي يتأثر بشكل طبيعي بما ينقل من أقوال بعض العلماء في التحذير من أن يتولد عنها الانحراف والإلحاد والزندقة، وأن في ذلك اتباع لمناهج غربية غير إسلامية، ويشير الباحث الشرعي السعودي بأنه من الطبيعي أن هذه الأطروحات ستؤثر بشكل سلبي في القناعة بها وخصوصا أن أكثر الناس ليس لديهم الاطلاع الكافي لصدها، وهناك من يروج لصعوبة تعلم الفلسفة وأنها معقدة فينتشر لدى الطلاب الخوف منها وعدم الرغبة في التجربة.

المزيد من ثقافة