المرحلة الانتقالية في اليمن (2)

لم يتوقف الرئيس هادي عن العمل في إبعاد كل قيادات منظومة الرئيس الراحل

الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح (أ.ف.ب)

منح قرار مجلس الأمن رقم 2051 ضمناً الحصانة الكاملة للرئيس هادي في اتخاذ القرارات التي تلت عزل محمد صالح الأحمر وطارق صالح، فاستغل في 21 مايو (أيار) 2012 تفجيراً انتحارياً وقع خلال تدريبات لقوات كان من المفترض أن تشارك في العرض العسكري المقرر في اليوم التالي بمناسبة اليوم الوطني 22 مايو احتفالاً بالوحدة اليمنية، فبعد ساعات قليلة تمت إقالة ابن أخ صالح وكيل الأمن القومي العميد عمار صالح ومعه قائد قوات الأمن المركزي اللواء عبد الملك الطيب، لكنه استبقى العميد يحي صالح رئيس أركان حرب الأمن المركزي، وأتصور أنه فعل ذلك حتى لا يبدو الأمر استهدافاً لأسرة صالح... في عصر ذلك اليوم، دعاني اللواء علي محسن الأحمر قائد المنطقة الشمالية الغربية لزيارته في مقر الفرقة الأولى مدرع، وأثناء اللقاء أجرى اتصالاً مع الرئيس هادي ليهنئه بالقرارات وبعد دقائق اعتذر بالخروج لمقابلته.

كعادتي، كل مساء، أزور الدكتور الأرياني في منزله إن لم يكن مسافراً، وفي تلك الليلة، أخبرني أن هذه التغييرات طبيعية بعد ما صار يُعرف بحادثة "المنصة" لأنه وقع أمام "منصة العروض" في "ميدان السبعين"، لكنه أبدى قلقه من رد فعل الرئيس الراحل الذي اتصل به فور سماع الأخبار، وأبلغه بأن هذه القرارات تستهدفه شخصياً وأبناءه على الرغم من أنهم، بحسب قول صالح، ملتزمون بالعمل المؤسسي مع الرئيس هادي. وحاول الأرياني أن يهدئ الموقف وشرح له أن عليه تقبلها في إطار حق الرئيس، أي رئيس، بإحداث تغييرات يقدرها ضرورية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستمر الرئيس هادي في عملية تفكيك شبكة صالح العسكرية، فاستغل بنود المبادرة الخليجية لإعلان البدء بإعادة هيكلة القوات المسلحة بمساعدة فنية من خبراء عسكريين أردنيين، وتم الإعلان عن تشكيل ألوية الحماية الرئاسية في أغسطس (آب) 2012 وأصبحت تحت القيادة المباشرة له، ثم في ديسمبر (كانون الأول) أصدر هادي قراراً بتعيين اللواء علي الأحمدي رئيساً لجهاز الأمن القومي وهو شخصية معروفة بالنزاهة والولاء الوطني والقدرات الإدارية، وكذلك الإعلامي المعروف، ورئيس وكالة سبأ للأنباء الذي استقال من موقعه بعد أحداث جمعة الكرامة الأستاذ نصر طه مصطفى بديلين للواء علي الأنسي الذي أقدره واحداً من أكثر الشخصيات جدلاً خلال فترة حكم صالح، وأكثرها انضباطاً في إدارة أهم مؤسسة استعان بها صالح لمراقبة ومتابعة والإشراف على سير أعمال الدولة، الذي كان مديراً لمكتب رئاسة الجمهورية معظم فترة حكم الرئيس صالح ثم ضم إلى مهامه رئاسة جهاز الأمن القومي، وتقبل الأنسي القرار بهدوء ورأى فيه حقاً أصيلاً من حقوق الرئيس، أي رئيس.

لم يتوقف الرئيس هادي عن العمل في إبعاد كل قيادات منظومة الرئيس الراحل، فعزل نجل صالح العميد أحمد من قيادة الحرس الجمهوري في 19 ديسمبر 2012، وفي اليوم نفسه، قرر إلغاء الفرقة الأولى مدرع التي كانت تحت قيادة اللواء علي محسن الأحمر حتى لا يبدو استهدافاً لصالح، ثم عزل العميد يحي صالح من موقعه كرئيس لأركان قوات الأمن المركزي، وكانت لهذه القرارات ردود فعل غاضبة عند البعض، على الرغم من أن معظم المبعدين تقبلها على مضض، لكنها زادت، مرة أخرى، من قلق صالح إزاء نوايا هادي تجاهه، وفسرها كثير من العارفين بتفاصيل الأمور بأنها ستقود حتماً إلى مرحلة فراق نهائي بين الرجلين وأنصارهما.

وكان الجو بين صالح وهادي يزداد توتراً، ولابد أن العلاقة الإنسانية بين أبناء الرجلين لعبت دوراً سلبياً مؤثراً، وهو أمر إنساني طبيعي، إذ رأى أبناء الرئيس الجديد أنهم أصحاب الحق في أن يصبحوا مركز الاهتمام والاستقطاب الجديدين، بحكم موقع والدهم بعد فترة طويلة من العزلة الاجتماعية والسياسية، وفي الوقت ذاته، لم يكن أبناء صالح مقتنعين بأن مشهداً سياسياً جديداً قد نشأ يوجب عليهم العودة مواطنين عاديين بلا حماية من مركز والدهم، وفي الحالتين القديمة واللاحقة، فإن النفوذ لم يكن مكتسباً من جهد شخصي ولكنه نتيجة القرب من الرئيس وما ينتج منه من تسليط الأضواء واستغلال النفوذ العائلي، وكان مؤهلهم الأهم هو أنهم من عائلة الرئيسين.

وكان من المفترض انعقاد مؤتمر الحوار الوطني قبل نهاية 2012 بموجب "المبادرة" و"الآلية"، لكن التفاوض مع الحوثيين والتكوينات الجنوبية استنزف وقتاً طويلاً، وصار واضحاً أن هذا سينعكس على مدة المرحلة الانتقالية التي كان لزاماً انتهاؤها في 20 فبراير (شباط) 2014 حيث كان الجميع يتمنى أن تدخل البلاد مرحلة جديدة من الانتقال السلمي للسلطة، كما تزايدت الفجوة بين هادي وصالح وانعكس ذلك على أداء الحكومة وعدم قدرة الأستاذ باسندوة السيطرة على نشاطات الوزراء، وظهرت الوزارات جزراً منفصلة عن بعضها، وصارت المناكفات السياسية هي السائدة، والاستقطاب الداخلي يزداد حضوراً.

وبدأت أعمال مؤتمر الحوار الوطني في 18 مارس (آذار) 2012 بخليط من المشاركين بلغ عددهم 565 يمثلون الأحزاب والمناطق والفئات الاجتماعية، لكن الموضوعين اللذين أخذا الحيّز الأكبر من الاهتمام كانا ما صار معروفاً بقضية صعدة والقضية الجنوبية، وبدا أن الرئيس هادي قد اقتنع بأن تصبح جماعة أنصار الله (الحوثيين) هي الممثل الوحيد لقضية صعدة، وأضحى ذلك أول اعتراف رسمي بالجماعة كقوة سياسية حصلت على تثبيت وجودها بقوة السلاح.

وأما القضية الجنوبية، فقد تم العبث في التكوينات التي تمثلها فبدأت باختيار الراحل الشيخ أحمد فريد الصريمة نائباً لرئيس المؤتمر، وما هي إلا فترة قصيرة حتى انسحب احتجاجاً على أسلوب إدارة المؤتمر وعدم وفاء الرئيس هادي تنفيذ النقاط الـ 11 المتعلقة بترتيب معالجات القضية الجنوبية، وكان المتفق تنفيذها قبل بدء أعمال مؤتمر الحوار، فتم استبداله بالأستاذ محمد علي أحمد الذي انسحب هو الآخر ثم جاء الأستاذ ياسين مكاوي الذي لا يمثل ثقلاً جنوبياً معروفاً، ولا يجرؤ على إبداء أو اتخاذ أية مواقف لا يرضى عنها الرئيس.

وكان مشهداً يثبت عبثية إدارة المشهد السياسي، وضاعف من تعقيداته، وصار الرئيس يتصرف كما لو كان قادراً على التحكم منفرداً بمسارات البلاد من دون مقاومة، واستسلم الجميع، ولم يقاوم أحد بحجة عدم عرقلة مسار الانتقال السلمي الكامل للسلطة، وسأعود الى هاتين القضيتين بالتفصيل في مقام آخر.

وكان هادي متأكداً من أن مجلس الأمن الدولي سيواصل دعمه كل الإجراءات التي يتخذها ضد من يصنفهم معرقلين أو معترضين، ففي مكالمة بين الرئيس هادي وأحمد بن مبارك، نشر الحوثيون تسجيلاً لها بعد استيلائهم على مؤسسات الدولة، اتضح من الحوار كيفية تفكير هادي في إدارة البلد الذي صار يدار بأسلوب مزاجي لا يحترم المؤسسات القائمة ولا يراعي القوانين ويعبر عن عدم إدراك لمقام الرئاسة ومسؤوليات الرئيس الوطنية والأخلاقية، ومنحه المبعوث الدولي جمال بنعمر والسفير الأميركي الغطاء اللازم الذي يحتاجه.

المزيد من آراء