الجزائرية كوثر عظيمي تقرأ أزمة وطنها... بعيون أطفاله المحتجين

"همس الملائكة" روايتها الجديدة بالفرنسية تلقي ضوءا على الحراك الشعبي

الروائية الجزائرية الفرنكوفوية كوثر عظيمي (دار سوي)

منذ روايتها الأولى، "همس الملائكة" (2010)، ما برحت الكاتبة الجزائرية ــ الفرنسية كوثر عظيمي تنقّب في الجانب المستور من ذاكرة الجزائر المعاصرة، متوقّفةً مراراً عند العشرية السوداء التي أدمت وطن طفولتها. روايتها الأخيرة، "صغار ديسمبر"، التي صدرت حديثاً عن دار "سوي" الباريسية، لا تشذّ عن هذه القاعدة، فمن خلال قصتها الطريفة والمؤثِّرة، تصوّر عظيمي الإذلال الذي يخضع له يومياً الجزائريون على يد السلطة الحاكمة، إذلال لا يلبث أن يقود إلى ثورة يقودها أطفال.

أحداث الرواية تدور في العام 2016 داخل بلدة دالي إبراهيم الصغيرة التي تقع غرب العاصمة الجزائرية، وتحديداً في حيّ "11 ديسمبر 1960" المخصَّص لعائلات الضباط والمجاهدين السابقين، والذي يستحضر باسمه تاريخ التظاهرات الشعبية الكبرى التي شهدتها المدن الجزائرية ضد الاستعمار. الحياة في هذا الحيّ هنيئة، على رغم الأيام الممطرة التي تحوّل أرضاً بوراً في وسطه إلى بركة موحلة، أرضاً كانت مرصودة أصلاً كي تكون حديقة عامّة، ولا تلبث على مرّ السنين أن تتحوّل إلى ملعبٍ يتنافس أطفال الحيّ في أرجائه على رفس الكرة برؤوس مليئة بالأحلام. لكن في أحد الصباحات، يحضر جنرالان إلى هذا المكان وفي يد كلّ منهما تصميمٌ هندسي من أجل تشييد فيلا فخمة له، ووثيقة "رسمية" تثبت بأن هذه الأرض باتت ملكهما المشترك.

ببراءة قناعاتهم ويقين حقّهم، لا يتردّد أطفال الحيّ المتواجدين على أرض ملعبهم في مواجهتهما. وبسرعة تتطوّر المواجهة إلى عراك بالأيدي، خصوصاً حين يسحب أحد الجنرالين مسدّسه لتهديدهم. عراك يكسبه الأطفال وتشارك فيه بعكّازها العجوز عديلة، وهي مجاهدة سابقة يحترمها الجميع وترفض أن يصبح جنرالان فاسدان جارَين لها، بعدما نهبا مع أمثالهما ثروات وطنها.

هزيمة هذين الجنرالين تجبرهما على مغادرة المكان بطريقة مذِلَّة، ما يدفعهما إلى تقديم شكوى في حقّ يوسف، وهو مراهق شارك في العراك وابن كولونيل متقاعد أسَّس حزباً معارضاً. لكن حين تحضر عناصر الشرطة وتوقف هذا الفتى تحت عيون أطفال الحيّ، ينطلق هؤلاء بالسرّ في تنظيم مقاومة هدفها ثني الجنرالين عن إنجاز مشروعهما المشبوه. مقاومة يقودها الثلاثي جميل ومهدي وإيناس الذين لا يتجاوز عمرهم العشر السنوات وينجحون بسرعة في إقناع رفاقهم في المدرسة وأطفال حيّهم والأحياء المجاورة بالانضمام إليهم لاحتلال أرض ملعبهم ليلاً ونهاراً. وبخلاف أهاليهم الخانعين الذين سيمارسون عليهم شتّى الضغوطات لإنهاء هذا الاعتصام، مخافةً من ردّ فعل الجنرالين والسلطات السياسية خلفهما، يتشبّث الأطفال بحقّهم ويرفضون مغادرة المكان، ما يرفع من وتيرة التوتر ويوقع النظام الحاكم في ورطة نظراً إلى استحالة إخلائهم بالقوة...

بين الواقع والتخييل

باختصار، قصة خرافية طريفة، لكن مبنية على حادثة واقعية، تمنح عظيمي ركيزة مثالية لاستكشاف المجتمع الجزائري اليوم، بالآفات التي تنخره وبالآمال التي يحملها. وفي هذا السياق، تصوِّر لنا ثورة الأطفال بعيونهم وأيضاً بعيون مَن يراقبهم: مجاهدون سابقون مشمئزّون من الفساد المتفشّي في مختلف دوائر الدولة، ضباط متقاعدون شاركوا في الحرب ضد الجماعات الإسلامية المسلحة خلال العشرية السوداء وينتظرون بفارغ الصبر ساعة التغيير السياسي، والجيل الشاب الذي سيدعم ثورة الأطفال بترويجه لها ولأهدافها المحقّة على وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن خلال العجوز عديلة، لا تنسى الكاتبة توجيه تحية لتلك النسوة الجزائريات اللواتي ناضلن بشجاعة من أجل تحرير وطنهنّ من الاستعمار الفرنسي، من دون أن يحسّن ذلك موقعهنّ الاجتماعي ويمنحهنّ أبسط حقوقهنّ. لا تنسى أيضاً ذلك الجيل الوسط في بلدها الذي "تعلّم أن يغلق عينيه على الصفقات المشبوهة وتخلّى عن مُثُله" وبات مجرّد "حلقة بسيطة بين جيلَين". وبفضل جميع هذه العناصر، توفّر الكاتبة ما يلزم لفهم الرهانات السياسية للتحرّكات الشعبية الأخيرة في الجزائر، ولتفهّم رفضِ الجزائريين الأوليغارشية المسلَّطة على أقدارهم منذ زمن طويل، والتي تسخر عظيمي منها في روايتها عبر تقويض سلطتها على يد فتيان وفتيات يريدون تقرير مستقبلهم بأنفسهم في بلدٍ يحتاج كل شيء فيه إلى إعادة ترميم.

وعلى المستوى السردي، لا يمنعها اختيار راوٍ عليم من الاستعانة بجوقة من الأصوات تؤمِّن عدة قراءات لثورة الصغار، إضافة إلى القراءة الإعلامية لها. وكما لو أن ذلك لا يكفي، تثري الكاتبة قصّتها بمجموعة قصص جانبية قصيرة ومعبِّرة تتراوح بين طُرَف ونكات وأساطير، وبمذكّرات تواظب العجوز عديلة على كتابتها في دفتر أسوَد. سردية متعددة إذاً تحييها أيضاً حوارات مثيرة وتنقّلٌ ثابت بين الماضي والحاضر والمستقبل من أجل محاصرة أزمة الجزائر الراهنة وتعرية أسبابها.

الملاحظة السلبية الوحيدة التي يمكن تسجيلها على هذه الرواية هي استسلام الراوي فيها إلى استطرادات غزيرة تنير مسارات شخصياتها وأفراد عائلاتها، لكنها تأتي أحياناً على حساب سلاسة سرديتها واندفاعها. ومع ذلك، تبقى "صغار كانون" نصّاً أدبياً ممتعاً للقراءة ومهمّاً لفهم ما يحدث في الجزائر اليوم. نصٌّ يتحلّى أيضاً بجانب رؤيوي نظراً إلى أن عظيمي كتبته مباشرةً قبل الحراك الشعبي الذي انطلق في شباط الماضي، وكانت بالتالي محِقَّة في وضع كل أملها داخله بذلك الجيل الفتي في وطنها المحرَّر من الخوف، وبقدرته على الثورة والتغيير.

المزيد من ثقافة