"زواج هجين" يضع الغنوشي على رأس البرلمان التونسي

"حركة النهضة" قدمت المصلحة على المبادئ في تحالفها مع "قلب تونس"

الغنوشي خلال حضوره جلسة البرلمان يوم الأربعاء 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي (رويترز)

انتُخب رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي (78 سنة) رئيساً للبرلمان التونسي في افتتاح الجلسة البرلمانية التي عُقدت الأربعاء 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، بـ123 صوتاً يشكلون غالبية الأصوات.
فهل كان ذلك منتظراً في وقت تواجه الحركة صعوبات بالجملة في تكوين ائتلاف سياسي مع بقية الأحزاب لدعم الحكومة العتيدة؟ ولماذا تقرّب حزب "قلب تونس" من "حركة النهضة"؟ وماذا كسب من هذا التحالف؟


انقلاب في المواقف

وتردّدت قبل ساعات قليلة على انعقاد الجلسة الافتتاحية للبرلمان، أنباء عن تحالف إستراتيجي بين حركة النهضة الإسلامية وحزب قلب تونس، ما هزّ أغلب متابعي الشأن السياسي التونسي من دون أن يستغربوه، فالحركة اعتادت على صفقات آخر لحظة من أجل تحقيق ما ترسمه لنفسها لا من أجل ما تسوقه للنّاخبين، وتملك من الدّهاء السياسي ما يؤهلها لتوقيع صفقة جديدة بعد صفقة عام 2014 مع حزب "نداء تونس"، الذي قال فيه الغنّوشي إنه أخطر من السّلفيين ويشكل خطراً على تونس، وهو والنهضة خطّان متوازيان لا يلتقيان أبداً.
وكان وقتها، نبيل القروي رئيس حزب "قلب تونس" اليوم، هو مهندس لقاء باريس الذي وُصِف بلقاء الشيخين (جمع بين راشد الغنّوشي والرئيس الرّاحل الباجي قائد السبسي) والذي أفرز ما سُمِّي التوافق الذي حكم تونس طيلة السنوات الماضية قبل أن ينفرط عقد "نداء تونس" ويتفكك إلى شقوق وأحزاب.
وقبل أيام قليلة من جلسة الأربعاء في البرلمان، كانت قيادات حركة النهضة تردّد بوضوح تصاريح حول استحالة التفاوض أو التحالف مع حزب "قلب تونس" بسبب ما يحوم حوله ورئيسه نبيل القروي من شبهات فساد. وصرّح راشد الغنّوشي بنفسه في لقاء تلفزيوني "لن نتحالف مع حزب تحوم  حوله شبهات فساد مثل قلب تونس سنتحالف مع الناس النّظاف". كما صرح القيادي في الحركة رفيق عبد السلام "ملتزمون بعدم التحالف مع قلب تونس بسبب شبهات الفساد".
وأكد القيادي عماد الحمّامي أن "حركة النهضة ستفتح المجال للجميع باستثناء حزب قلب تونس والحزب الدستوري الحرّ" .
تلك عينة محدودة من تصريحات قيادات الحركة تنم عن ثقة والتزام بما نادت به في برنامجها الانتخابي الذي يقوم على مقاومة الفساد والفاسدين.
وفي الدّور الثاني من الانتخابات الرئاسية في تونس التي جرت في 13 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، دعت الحركة في بيان، قواعدها إلى انتخاب قيس سعيد المرشّح المنافس لنبيل القروي. وقال القيادي نور الدين البحيري إن "التصويت لقيس سعيد هو الانحياز للثورة ومبادئها وضمان لتحقيق أهدافها وهذه فرصة لتحقيق طموحات شعبنا وطموحات الشباب".
 

زيف الوعود الانتخابيّة

لم يستغرب التونسيون تراجع "النهضة" عن وعودها الانتخابية تجاه ناخبيها وقواعدها، ولم تتّعظ الحركة التي خسرت حوالى ثلثي قواعدها منذ عام 2011، من تجربة التوافق مع "نداء تونس"، إلا أن متابعي الشأن السياسي التونسي يؤكدون أن "النهضة" ذهبت مكـرهةً إلى حزب "قلب تونس" باعتباره القشة التي ستنقذ الحركة من المأزق الذي سقطت فيه إثر فشلها في التوصل إلى اتفاق مع حزبَي "التيار الديمقراطي" و"حركة الشعب". فالتيار وضع شروطاً مجحفة على الحركة مثل الحصول على حقائب الداخلية والعدل والإصلاح الإداري، بينما اشترطت حركة الشعب أن يكون رئيس الحكومة من خارج حركة النهضة.

في المقابل، أبدى حزب "قلب تونس" ليونةً وبقي ينتظر مغازلة حركة النهضة، باحثاً عن التموقع السياسي الإستراتيجي من أجل تخفيف الضغط على رئيسه نبيل القروي المتهم بتبييض الأموال وشبهات فساد.
سياق يشوبه تبادل المصالح بين الحزبين، قَـلَب المعادلة داخل البرلمان كي لا تخسر حركة النهضة البرلمان والحكومة معاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


مكاسب "قلب تونس"

أما السؤال الذي يطرحه التونسيون اليوم، قبل ساعات من تقديم "النهضة" مرشحها لمنصب رئاسة الحكومة، هو عمّا سيكسبه "قلب تونس" من خلال هذا "الزواج الهجين" مع الحركة الإسلامية؟
كسب حزب "قلب تونس" منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب عبر سميرة الشواشي، وقد سينال عدداً من الحقائب الوزارية التي من المؤكد أن التفاوض بشأنها تمّ مع تطمينات بتخفيف الضغط عن القروي المتهم بالفساد.
كل هذا يُحاك أمام أعين التونسيين في ممارسات مشبوهة جلية تعكس إلى حد بعيد مدى تغلغل المصلحية الحزبية الضيقة على حساب المصلح العليا للبلاد وعلى حساب الوعود التي قدِمت إلى الناخب الذي لم يعد إلا رقماً في حسابات الأحزاب.
 

"الأغبياء فقط لا يتغيرون"

يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط إن "الكذب هو أكبر انتهاك يرتكبه الإنسان بحقّ نفسه" فما بالك بالكذب بحقّ شعب وناخبين ائتمنوا السياسيين على مستقبل البلاد وصدّقوا وعودهم في مكافحة الفساد ومقاومة الفقر وتطوير التعليم والصّحة وإصلاح المؤسسات العامة والسياسات القطاعية.
وستنتقي في الأيام المقبلة كل من "حركة النهضة" و"قلب تونس" كلمات حمّالة للمعنى ونقيضه من أجل مراوغة ناخبيهم ومحاولة إقناع التونسيين بأن ما قاموا به يندرج في إطار المصلحة الوطنية وتجنيب البلاد الانزلاق في الفوضى، لكن غالبية الناس تعي أنّ ما يفعله السياسيون ليس إلا فنّ الممكن وفق المصلحة الضيقة والمنفعة والمراوغة من دون نكران للذات أو إعلاءً لمصلحة البلاد، لذلك ردّ الغنّوشي عن سبب تغيّر موقف "النهضة" من "قلب تونس" بأن "الأغبياء هم فقط الذين لا يتغيرون".

المزيد من تحلیل