هل تعيد الانتخابات الثقة في الاقتصاد البريطاني؟

وسط مخاوف من عدم اليقين لاقتصاديات دول كبرى

جسر وستمنستر في لندن ومبنى البرلمان البريطاني (رويترز)

يتوقع أن تشهد الأسواق والاقتصاد البريطاني عموما شهرا من التقلب متأثرا باستطلاعات الرأي ونتائج المناظرات الانتخابية حتى موعد الانتخابات يوم 12 ديسمبر (كانون الأول). ويجمع المحللون على أن فترة "عدم اليقين" منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) في 2016 كانت وراء التراجع الاقتصادي في السنوات الثلاث الأخيرة.

وزاد احتساب الأعمال لتأرجح تلك الحالة منذ الإعلان عن موعد انتخابات مبكرة قبل أسبوع، على أمل أن تنهي نتيجة الانتخابات حالة عدم اليقين بشأن بريكست. ومعروف أن الاقتصاد البريطاني هو الأكثر تأثرا بين الاقتصاديات الرأسمالية الكبرى لحالة "عدم اليقين" التي تؤدي إلى تراجع الإنفاق الاستثماري ومن ثم تراجع النمو.

وحسب المؤشر الأشهر لعدم اليقين، الذي يرصده اقتصاديون من جامعات شيكاغو ونورثويسترن وستانفورد، كان معدل عدم اليقين في بريطانيا بعد استفتاء بريكست أعلى بكثير منه وقت الأزمة المالية العالمية وحتى مما كان عليه في وقت حرب الخليج.

صحيح أن العملة البريطانية، الجنيه الإسترليني، لم تتفاعل إيجابا مع قرار إعلان موعد الانتخابات المبكرة لكن الأسابيع المقبلة ستكون أكثر وضوحا في حركة سعر صرف الإسترليني باعتباره مؤشرا رئيساً على ثقة الأعمال في الاقتصاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العملة

يتوقع المراقبون والمحللون أن تكون الأسابيع المقبلة، حتى موعد الانتخابات، فترة تذبذب لسعر صرف الجنيه الإسترليني مقابل العملات الرئيسة. ومع عدم وضوح خطوط تصويت الناخبين البريطانيين على أسس حزبية وشبه الانقسام حول البريكست الذي تعمق في السنوات الأخيرة ستكون أسعار صرف العملة عرضة لتقلبات مع تباين التوقعات لنتائج الانتخابات.

وحسب مسار الحملات الانتخابية ونتائج استطلاعات الرأي يتأرجح سعر صرف الإسترليني صعودا وهبوطا كلما كان الاتجاه نحو مزيد من اليقين. وحسب الأرقام الحالية لتوقعات التصويت يبدو حزب المحافظين بزعامة رئيس الوزراء برويس جونسون الأوفر حظا للفوز بأغلبية. في هذه الحالة تتوقع مؤسسات مالية رئيسة ومحللون في سوق العملات أن يظل سعر الجنيه الإسترليني في نطاق 1.26 – 1.32 دولار للجنيه حتى نهاية العام.

أما مؤشر توقعات حي السيتي لسعر العملة فيتوقع تجاوز سعر صرف الإسترليني حاجز 1.35 دولار في 2021. طبعا كل ها التفاؤل مرهون بنتيجة حاسمة في الانتخابات، أما إذا أسفرت الانتخابات عن برلمان بدون أغلبية واضحة لأي حزب فسيعني ذلك العودة لحالة عدم اليقين واستمرار التراجع الذي سبق الاتفاق على الانتخابات المبكرة.

السوق

سيكون مؤشر الفينانشيال تايمز ببورصة لندن مثل البندول مع اتجاهات الحملة الانتخابية خلال الأسابيع المقبل، فيميل نحو الصعود كلما تحسنت فرص المحافظين ونحو الهبوط كلما بدا أن حزب العمال بزعامة جريمي كوربن يمكن أن يفوز بأغلبية تمكنه من تشكيل حكومة.

وهناك نمط تاريخي في تحرك أسواق الأسهم مع حكومات المحافظين والعمال؛ أخضر (ارتفاع) مع الأزرق (المحافظين) وأحمر (هبوط) مع الأحمر (العمال). وفي حال اتجاه الحملة وتصويت الناخبين نحو فوز المحافظين يتوقع المحللون ارتفاعا في مؤشرات الأسهم بنسبة تقارب 1.5% في الشهر السابق على الانتخابات وبنسبة 2% في الشهر التالي للنتيجة.

بينما في حال اتجاه الحملة نحو فوز العمال وتحقيقهم أغلبية في الانتخابات فيتوقع أن يكون هبوط المؤشرات بأكثر من 1.5% في الشهر السابق على الانتخابات وبأكثر من 2% في الشهر التالي للنتيجة.

وفي حالة نتيجة انتخابات غير حاسمة يتوقع المحللون أن يكون أداء السوق المالية أقرب لنموذج أدائها في الفترة الأخيرة التي اتسمت بعدم اليقين، وإن كان ذلك يعني في الأغلب الميل نحو ارتفاع المؤشرات.

الاستثمار

ربما كانت مؤشرات الاستثمار هي الأهم، بعد سعر صرف العملة، والأكثر تأثرا سلبا بحالة عدم اليقين في بريطانيا منذ استفتاء 2016. وحسب تقديرات سيتي بنك فإن الاستثمار في بريطاني الآن أقل بنسبة 20% مما كان متوقعا لو صوّت البريطانيون لصالح البقاء في الاستفتاء.

هذا التراجع في نمو الاستثمارات يعني تقلص الأعمال وبالتالي معدلات النمو الاقتصادي. وبالطبع تميل الأعمال عامة نحو تفضيل فوز المحافظين على العمال، فمن شأن تشكيل بوريس جونسون حكومة أن يقود إلى بريكست سريع ومن ثم عودة الثقة في الاقتصاد.

ومع زيادة الإنفاق الحكومي المتوقع بعد الانتخابات يتوقع أن ينمو الاستثمار بأكثر من 3% سنويا ليستعيد معدلاته قبل استفتتاء البريكست في مدة الحكومة القادمة.

العقار

يظل سوق العقار الأكثر تحفظا مع الانتخابات المبكرة الآن، في فصل الشتاء الذي يتسم بقلة النشاط في السوق. وبالنسبة للقطاع العقاري فإن الانتخابات المبكرة تعني زيادة في عدم اليقين والحيرة لدى البائعين والمشترين على السواء.

فإذا فاز المحافظون سيخفضون ضريبة الدمغة العقارية أو يلغونها لبعض الشرائح، ومن ثم ينتظر الكثيرون البيع أو الشراء لما بعد الانتخابات. أما إذا فاز العمال، فقد يفرضون ضرائب جديدة ما يعني ضغطا على أسعار البيوت نزولا. وعلى الرغم أن ذلك قد يبدو مفيدا للمشترين، فإن اتجاه الاقتصاد بشكل عام مع العمال سيعني ضعف القدرة الشرائية لدى من يريدون دخول نادي ملكية منزلهم.

ثقة المستهلكين

على الرغم من عدم اليقين الذي ساد في السنوات الأخيرة فإن الإنفاق الاستهلاكي يظل قويا، ما جعل الاقتصاد البريطاني يتفادى الركود الشديد حتى الآن. ويشكل الانفاق الاستهلاكي نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي.

وإن كان من غير المتوقع أي تحسن في ثقة المستهلكين حتى نتائج الانتخابات، وميل السر إلى التحفظ في الإنفاق حتى يتبين لهم شكل الحكومة المقبلة، فإن اليقين الذي ستاتي به الانتخابات ـ أيا كان الحزب الفائز ـ ستشجع المستهليكن على الإنفاق، إذ ستتمكن الأسر من التخطيط على ضوء سياسات الحكومة الجديدة دون مخاوف من أي تقلبات سريعة كما هو الحال في السنوات الأخيرة.