ملخص
تعد الجمارك الإيرانية إحدى نقاط الاختناق الرئيسة التي تتيح تفشي الفساد، إذ يمكن للقرارات المتعلقة بتحديد القيمة الجمركية للسلع وتصنيفها ضمن البنود التعريفية والسماح بتخليصها جمركياً، أن تحول الامتيازات المكتسبة خلال مراحل تسجيل طلبات الاستيراد، أو تخصيص النقد الأجنبي، أو إصدار البطاقات التجارية، إلى أرباح تجارية، إضافة إلى أن ضعف الرقابة على هذه القرارات وتشتت المعلومات بين المؤسسات الحكومية يتيحان تكرار المخالفات.
تكشف ملفات الفساد التجاري في إيران أن المخالفات في قطاعي الاستيراد والتصدير والجمارك وغرف التجارة ترتكب بصورة منظمة وباستخدام التراخيص الرسمية، نتيجة ضعف الرقابة والقصور في القوانين وعدم فاعليتها.
وتعد الجمارك الإيرانية إحدى نقاط الاختناق الرئيسة التي تتيح تفشي الفساد، إذ يمكن للقرارات المتعلقة بتحديد القيمة الجمركية للسلع وتصنيفها ضمن البنود التعريفية والسماح بتخليصها جمركياً، أن تحول الامتيازات المكتسبة خلال مراحل تسجيل طلبات الاستيراد، أو تخصيص النقد الأجنبي، أو إصدار البطاقات التجارية، إلى أرباح تجارية، إضافة إلى أن ضعف الرقابة على هذه القرارات وتشتت المعلومات بين المؤسسات الحكومية يتيحان تكرار المخالفات.
وتكشف الممارسات، بدءاً من استيراد الشاي باستخدام تراخيص تسجيل طلبات استيراد تتضمن بيانات مخالفة للواقع، وصولاً إلى التصدير باستخدام بطاقات تجارية مستأجرة، كيف تمر دورة الفساد عبر مؤسسات متعددة وأحياناً متوازية، أنشئت ظاهرياً للرقابة عليه، قبل أن تتحول هذه الممارسات إلى ملفات فساد تنطوي على مبالغ فلكية.
وتتولى وزارة الصناعة والمناجم والتجارة الموافقة على تسجيل طلبات الاستيراد، فيما يقرر البنك توفير النقد الأجنبي أو إصدار خطابات الضمان، وتضطلع غرفة التجارة بدور في إصدار البطاقات التجارية، بينما تمنح الجمارك الإذن بخروج البضائع، وتمتلك كل مؤسسة جزءاً من المعلومات المتعلقة بالمعاملة التجارية.
وعندما لا تجري مطابقة هذه المعلومات قبل التخليص الجمركي، ولا تكون الأسس التي تستند إليها القرارات المتعلقة بالتراخيص والتعريفات الجمركية والتخليص قابلة للمراجعة، فقد تبقى هوية المالك الحقيقي للمعاملة التجارية مخفية، أو تحصل مجموعة من التجار على امتيازات لا تتاح لغيرهم.
وقد تكرر هذا النمط في عديد من ملفات الفساد المرتبطة بقطاعي التجارة والأعمال، وشمل سلعاً تراوح ما بين الهواتف المحمولة والرز ومدخلات الإنتاج الحيواني والسيارات.
وتكشف أبعاد المخالفات المكتشفة عن تكرار أساليب إساءة الاستغلال، ففي أغسطس (آب) الماضي، أعلن المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية تحديد هوية نحو 300 شخص على صلة بالبطاقات التجارية المستأجرة وبصادرات تتجاوز قيمتها ملياري يورو (2.23 مليار دولار) لم تعد عائداتها من النقد الأجنبي إلى البلاد.
وأحال البرلمان الإيراني في يونيو (حزيران) عام 2024، تقرير لجنة التحقيق والتقصي في شأن أداء غرفة التجارة الإيرانية وغرف التجارة في المحافظات والمدن خلال السنوات الـ10 السابقة إلى السلطة القضائية.
وإضافة إلى هذه الحالات، سلطت ملفات مثل قضية شاي التي عرفت في بـ"شاي دبش"، والاتهامات التي طرحت خلال محاكمة شركة "كروز" لصناعة قطع غيار السيارات، الضوء على دور القرارات الإدارية واحتمال تورط مديرين وموظفين في سلسلة الفساد، لتصبح هذه المسائل موضع تحقيق قضائي.
وتتمثل المسألة الأساسية في تحديد المرحلة التي تستطيع فيها الأجهزة الرقابية اكتشاف المخالفات، والجهة التي تقع على عاتقها مسؤولية التدخل لمنع تكرارها.
تحول الامتيازات الإدارية إلى أرباح تجارية
تعد الجمارك إحدى أبرز نقاط الفساد الاقتصادي في إيران، إذ تتحدد في هذه المرحلة القيمة المالية للامتيازات التي منحت قبل دخول البضائع إلى البلاد، فالقيمة المصرح بها للسلع والبند الجمركي الذي تصنف ضمنه ونوع الترخيص وشروط التخليص الجمركي، جميعها عوامل تحدد المبالغ التي يتعين على صاحب البضاعة دفعها للدولة، والموعد الذي يستطيع فيه طرح بضاعته في الأسواق، ويمكن أن يؤدي التصريح بقيمة أقل من القيمة الحقيقية للسلع، أو تسجيلها ضمن بند جمركي يخضع لتعريفة أقل، إلى خفض كلف المستورد في حال قبول البيانات المقدمة.
أما في الواردات التي تستفيد من العملة الأجنبية بالسعر التفضيلي، فإن التصريح بقيمة أعلى من القيمة الفعلية للبضائع يؤدي إلى طلب مبالغ من النقد الأجنبي تتجاوز الكلفة الحقيقية لشرائها.
ويتطلب اكتشاف هذه المخالفات مقارنة مستندات الشراء وبيانات تسجيل طلبات الاستيراد والمبالغ المخصصة من النقد الأجنبي ومواصفات البضائع المستلمة، فقد يؤدي فحص كل مستند على حدة إلى إخفاء تناقضات لا تظهر إلا عند مقارنتها بعضها ببعض، وفي هذه المرحلة تحديداً، تجعل شبكة المتورطين في الفساد، الممتدة من غرف التجارة إلى وزارة الصناعة والمناجم والتجارة والسلطة القضائية والأجهزة الرقابية، اكتشاف الفساد أمراً مستحيلاً.
ويمكن أن يتحول توقيت التخليص الجمركي بدوره إلى امتياز مالي، فتأخير الإفراج عن البضائع قد يؤدي إلى نقص المواد الأولية وتوقف الإنتاج في أحد المصانع، بينما قد يتسبب التأخير بالنسبة إلى مصدر المنتجات الزراعية في ارتفاع كلف التخزين أو تلف الشحنة وفقدانها.
وبذلك، يصبح دفع الرشى لتسريع إجراءات التخليص الجمركي الخيار الوحيد المتاح أمام الفاعلين الاقتصاديين وأصحاب الصناعات الخاصة، وقد أصبحت الرشوة أكثر المخالفات الجمركية شيوعاً، وطالت موظفين عاديين وصولاً إلى كبار المديرين.
وفي قضية شركة "كروز"، تحدث ممثل الادعاء العام، خلال إحدى جلسات المحاكمة، عن وثائق تشير إلى دفع رشى لعدد من مديري الجمارك وموظفيها، ووفقاً لما طرح أمام المحكمة، تلقى 21 مسؤولاً في جمارك مطار الإمام الخميني رشى مباشرة من الشركة، فيما بلغت حصة نائب مدير جمارك المطار آنذاك 30 مسكوكة ذهبية من نوع "بهار آزادي".
وتظهر هذه الأرقام بوضوح أن المسألة لا تقتصر على مخالفات يرتكبها عدد من الموظفين والمديرين من المستوى المتوسط، بل إن الفساد وصل إلى قمة الهرم الإداري للجمارك، أي إلى المديرين أنفسهم الذين كان يفترض بهم الإشراف على سلامة تطبيق القوانين.
وكشفت قضية شاي "دبش" عن أبعاد أخرى للمشكلة ذاتها، فقد تحدث ممثل الادعاء العام عن 96 بياناً جمركياً مرتبطاً بالشاي الأسود، وعن استخدام تراخيص لتسجيل طلبات استيراد تتضمن بيانات مخالفة للواقع، أو جرى الحصول عليها عبر التواطؤ والاحتيال.
وشملت القضية وزراء ومديرين في وزارة الصناعة والمناجم والتجارة والجمارك، بل وحتى خبراء مسؤولين عن المصادقة على مطابقة السلع المستوردة للمواصفات القياسية، مما جعلها نموذجاً واضحاً للطابع المنظم للفساد في قطاعي التجارة والأعمال في النظام الإيراني.
من إصدار البطاقات التجارية إلى إخفاء المالك الحقيقي
وفقاً للمادة الثالثة من قانون تنظيم الصادرات والواردات، تضطلع غرف التجارة بدور في إصدار البطاقات التجارية، فيما ترتبط صلاحية هذه البطاقات بموافقة وزارة الصناعة والمناجم والتجارة. وقد ربطت اللوائح التنفيذية إجراءات تقديم الطلبات وإصدار البطاقات بالمنظومة التجارية الشاملة.
وتتيح هذه الإجراءات تحديد هوية مقدم الطلب، غير أن الرقابة على الأنشطة التجارية تتطلب معرفة الجهة التي وفرت رأس مال المعاملة، ومن اشترى البضائع أو باعها، ومن حصل على عائداتها.
وتقوم آلية استخدام البطاقات التجارية المستأجرة على استغلال الفجوة بين هوية حامل الترخيص والمالك الحقيقي للمعاملة التجارية، إذ تسجل عمليات التصدير والبيانات الجمركية والتعهدات المتعلقة بإعادة عائدات النقد الأجنبي باسم شخص، بينما يتولى شخص آخر إدارة النشاط التجاري.
وتكشف الأرباح المتحققة باستخدام بطاقات تجارية مسجلة بأسماء أشخاص وهميين، أو مواطنين يؤجرون هوياتهم فيتحولون، من دون قصد، إلى المتهمين الرئيسين في ملفات الفساد، عن اتساع نطاق هذا النوع من المخالفات داخل غرف التجارة.
وتبرز هذه الظاهرة بصورة أكبر في غرف التجارة بالمحافظات، حيث تتمتع مجالس إداراتها بفرص أوسع للتواطؤ مع الشبكات الإدارية المرتبطة بالتجارة والأعمال، بدءاً من وزارة الصناعة والمناجم والتجارة والجمارك المحلية، وصولاً إلى أعضاء البرلمان والمؤسسات القضائية والأمنية المحلية.
وبحسب وكالة "تسنيم"، أعلن المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية، في أغسطس (آب) الماضي، تحديد هوية أكثر من 100 مصدر فعلي يقفون وراء معاملات مرتبطة بالبطاقات التجارية المستأجرة، وأعلن نائب محافظ البنك المركزي للشؤون القانونية والبرلمانية أن البطاقات التجارية المستأجرة والبطاقات المستخدمة لمرة واحدة تمثل نحو 35 في المئة من التعهدات المتعلقة بإعادة عائدات النقد الأجنبي التي لم يوف بها.
وتتعلق هذه النسبة برصيد التعهدات غير المنفذة، ولا تعكس حجم استخدام البطاقات التجارية المستأجرة في إجمال الصادرات، ومع ذلك، فإنها تكشف للبنك المركزي ومصلحة الضرائب حجم المشكلة، فعندما يسجل التعهد باسم شخص لا يملك عائدات المعاملة التجارية، فإن ملاحقة حامل البطاقة قد لا تؤدي إلى تحديد هوية الشخص الذي حصل فعلياً على النقد الأجنبي أو أرباح الصادرات.
وفي عام 2025 اشترطت منظمة تنمية التجارة الإيرانية تقديم ضمانات مصرفية للتصدير باستخدام البطاقات التجارية التي لا يمكن إخضاعها للتصنيف الائتماني، غير أن التعليمات نفسها أتاحت للمصدر تصدير بضائع تصل قيمتها إلى 100 ألف دولار من دون تقديم ضمان مصرفي، شريطة حصوله على شهادة أهلية خطية من رئيس غرفة التجارة في المدينة المعنية.
ومن شأن هذه التعليمات أن تخفض كلف دخول المصدرين الجدد إلى السوق، لكنها ترفع في الوقت ذاته القيمة المالية لشهادة الأهلية، وهو ما يمنح مجالس إدارات غرف التجارة في مختلف المحافظات صلاحيات واسعة للغاية، وأسهم خلال الفترة نفسها في زيادة الفساد والتواطؤ بصورة ملاحظة في بعض هذه المحافظات.
وفي ملفات تتعلق بغرف التجارة في بوشهر والأحواز وبعض المحافظات الأخرى، تكررت خلال هذه الفترة تقارير عن إصدار أعداد أكبر من البطاقات التجارية لشركات تابعة لأعضاء مجالس الإدارة أو لأقاربهم والمرتبطين بهم، واستخدام بطاقات الهوية الوطنية لأشخاص لا يستوفون شروط الأهلية المطلوبة، مع اصطناع أهلية ائتمانية وهمية لهم.
كانت الشفافية المالية لغرف التجارة نفسها موضع خلاف، فقد انتقد أحمد إيمان دوست، أحد أعضاء غرفة التجارة الإيرانية، مستوى الشفافية المالية في الغرفة.
وأكد الأمين العام لغرفة التجارة الإيرانية، خلال تقديم تقرير الحساب الختامي للموازنة، أهمية دور هذا التقرير في الرقابة، معلناً أن الموارد المالية المحققة بلغت نحو 7.3 تريليون تومان (28.08 مليون دولار).
وفي عام 2022، كشف فحص وثائق المدفوعات التي قدمتها 40 شركة إلى غرفة التجارة الإيرانية خلال أربع سنوات فقط عن وجود تفاوت في حسابات الغرفة بلغ 1.5 تريليون تومان (5.77 مليون دولار).
وأظهر إدراج شركات مرتبطة باثنين من أعضاء مجلس إدارة غرفة التجارة آنذاك ضمن قائمة كبار المدينين وأصحاب الديون المتعثرة المشكوك في تحصيلها، حجم الفساد والمخالفات والتواطؤ المرتبط باستغلال الصفة القانونية والمناصب داخل غرف التجارة.
الريع الناجم عن التعريفات الجمركية
لا يقتصر دور غرف التجارة على إصدار البطاقات التجارية، إذ تلزم المادة الثانية من قانون التحسين المستمر لبيئة الأعمال الحكومة بطلب الآراء الخطية لغرف التجارة والاتحادات المعنية ودراستها عند إعداد اللوائح ذات الصلة أو تعديلها.
ومن شأن هذه المشاورات أن تساعد الحكومة على استيضاح تداعيات القرارات قبل إقرارها، غير أن تضارب المصالح ينشأ عندما يطلع شخص أو مؤسسة تجارية تنشط في سوق سلعة معينة على مقترح من شأنه تغيير كلف شراء تلك السلعة أو استيرادها أو تخليصها جمركياً.
وحتى إن لم تكن التعريفة النهائية قد أقرت بعد، فإن معرفة اتجاه التغيير والموعد المحتمل لتطبيقه قد تمنح هذا الشخص أو المؤسسة فرصة إضافية لشراء البضائع أو نقلها أو طرحها في الأسواق.
وفي أبريل (نيسان) عام 2026، أقرت الحكومة الإيرانية تعديلات شملت 268 بنداً من بنود السلع، تضمنت رفع الرسوم التجارية وخفضها، واستحداث بنود وإلغاء أخرى، وتعديل الأوصاف الجمركية للسلع.
وفي تعميم آخر، أضيفت بعض رموز التعريفات الجمركية إلى قائمة السلع الأساسية المشمولة بنظام التخليص الجمركي الجزئي.
وبذلك، لا تقتصر قيمة الحصول الباكر على المعلومات على معرفة معدل التعريفة الجمركية، بل تشمل أيضاً تعريف البند الجمركي وتاريخ بدء تطبيق القرار وشروط التخليص، وهي عوامل قد تحدد الشركات القادرة على طرح بضائعها في الأسواق قبل غيرها، والكلف التي ستتحملها.
وإذا استغل المشاركون في إعداد المقترحات أو دراستها هذه المعلومات في معاملاتهم التجارية، فقد تتحول الصلاحيات الاستشارية لغرف التجارة إلى امتياز تجاري تستفيد منه دائرة محدودة من الأشخاص والشركات.
وتعد السيارات المستوردة إلى المناطق الحرة مثالاً على القيمة الاقتصادية للفترة الفاصلة بين اتخاذ القرار والإعلان عنه، فوفقاً لنص قرار المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي بين رؤساء السلطات الثلاث، الذي أعيد نشره، حدد الحد الأدنى للرسوم الجمركية على السيارات المشمولة بالقرار والمستوردة إلى المناطق الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة بنسبة 60 في المئة، فيما حددت الرسوم على السيارات المنقولة من المناطق الحرة إلى البر الرئيس بنسبة 100 في المئة، وتضمنت لوائح عام 2025 تعريفة بنسبة 15 في المئة لبعض فئات السيارات، ومنها السيارات الهجينة القابلة للشحن الخارجي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتضح آلية تحقيق الريع المحتمل في هذه السوق عندما يتمكن مستورد، قبل الإعلان الرسمي عن رفع التعريفة، من استكمال الإجراءات اللازمة وفق المعدل السابق، مما يتيح له استيراد سيارات بكلفة أقل، ثم بيعها في سوق أصبحت فيها كلفة استيراد الشحنات البديلة أعلى.
ويمكن للضمان المصرفي أن يوفر ميزة إضافية تتعلق بالسيولة المالية في مثل هذه المعاملات، إذ تتيح المادة السادسة من قانون الشؤون الجمركية للجمارك الإفراج النهائي عن البضائع مقابل الحصول على ضمان مصرفي وتحديد مهلة لسداد الرسوم المستحقة، وفي هذه الحالة، قد يتمكن المستورد من طرح البضائع في الأسواق قبل سداد الرسوم الجمركية نقداً.
وتعد قضية استيراد سيارات أجنبية بتعريفة جمركية تبلغ 15 في المئة، وتخزينها في الجمارك مع العلم المسبق بأن التعريفة سترتفع إلى 60 في المئة، مثالاً واضحاً على هذا النوع من الفساد، وتكشف عن شبكة من المديرين المرتبطين بغرف التجارة في بوشهر.
ويمثل تحقيق ربح بنسبة 45 في المئة اعتماداً على الريع المعلوماتي وحده نموذجاً واضحاً لاستغلال المناصب والعلاقات التي تربط غرف التجارة بوزارة الصناعة والمناجم والتجارة، وهو ما أتاح لمستوردي السيارات المحظيين تحقيق أرباح بنسبة 45 في المئة خلال أقل من بضعة أسابيع.
وقد يكون عدم نشر قائمة المستوردين الذين أدخلوا سيارات خلال الفترة الفاصلة بين تطبيق التعريفتين، محاولة لإخفاء دور أعضاء رئيسين في غرف التجارة بالمدن وعلاقاتهم بهذه القضية.
الثغرات الرقابية
يحظر قانون مكافحة تهريب السلع والعملات الأجنبية تأجير البطاقات التجارية أو التنازل عنها، وكذلك الانتفاع بالامتيازات المترتبة على استخدام بطاقات تجارية مملوكة للغير، وينص قانون الشؤون الجمركية على تحصيل فروق الرسوم وفرض غرامات على بعض المخالفات المتعلقة بالبيانات الجمركية، ويحدد بصورة منفصلة الحالات التي تعد تهريباً جمركياً.
غير أن المشكلة العملية تبدأ عندما تكون الأدلة اللازمة لإثبات المخالفات موزعة بين مؤسسات عدة، فالجمارك تحتفظ بملفات التصريحات الجمركية، ووزارة الصناعة والمناجم والتجارة بسجلات طلبات الاستيراد والبطاقات التجارية، بينما تمتلك المصارف بيانات المدفوعات والضمانات، وتستطيع مصلحة الضرائب مراجعة حركة الأموال والمعاملات المالية.
وإذا لم تجمع هذه البيانات وتطابق قبل التخليص الجمركي أو تكرار عمليات التصدير، فإن اكتشاف المخالفات يتأخر إلى مرحلة تكون فيها البضائع قد بيعت، وأصبح تحصيل المستحقات المالية أكثر صعوبة.
وتكشف ملفات الفساد المكتشفة، والمبالغ المصادرة، وأعداد البطاقات التجارية الملغاة، جانباً من حصيلة جهود مكافحة الفساد، أما الجانب الآخر، فينبغي تقييمه من خلال القرارات والإجراءات اليومية.
ويظهر النمط المشترك في عديد من ملفات الفساد بقطاعي التجارة والأعمال أن الجمارك ووزارة الصناعة والمناجم والتجارة والبنك المركزي وغرف التجارة كانت تمتلك، في مراحل مختلفة، القدرة على منع الفساد والمخالفات وإساءة الاستغلال، غير أن مشاركة القيادات الإدارية في هذه المؤسسات مع المتورطين في الفساد دفعتها إلى التغاضي بصورة واضحة عن تطبيق القوانين والضوابط الرقابية.
وقد أدى ذلك إلى اتساع نطاق المخالفات، لتتجاوز الموظفين من المستويات الإدارية المتوسطة وتصل إلى كبار المسؤولين الاقتصاديين في هذا القطاع، إضافة إلى أن اعتقال بعض رؤساء الجمارك وفتح ملفات قضائية بحقهم يظهر أن البنية الاقتصادية الإيرانية باتت تقر بهذه الحقيقة.
وتكشف اعتقالات مديري الجمارك في سومار التابعة لمنطقة غيلان غرب، وغناوة وبوشهر، وعدد من المنافذ الجمركية الأخرى، عن اتساع نطاق الفساد في هذا القطاع، ومع ذلك، فإن هذه القضايا الفردية، في مقابل التوسع المستمر للفساد، تظهر أنه عندما تتحول المخالفات والتواطؤ والريع إلى ممارسات اعتيادية، فإن الملاحقة الانتقائية لبعض المديرين المتورطين لا تعني مكافحة الفساد.
بل إن التنافس بين الشبكات الاقتصادية والسياسية على تحقيق مزيد من المصالح يؤدي أحياناً إلى إقصاء بعض الأذرع المنفذة للفساد داخل الأجهزة الرقابية والتنفيذية التابعة لقطاعي التجارة والأعمال في مؤسسات الحكم.