Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

آثار الجزائر الغارقة "مجبرة" على النسيان

لا يزال ذلك التراث الغني مهمشاً بسبب ضعف إمكانات البحث ونقص عدد المتخصصين وكلفة الترميم الباهظة

لم يعد ينظر إلى قاع البحر باعتباره فضاء يخفي بقايا السفن والأشياء التي ابتلعها الزمن، بل أصبح مجالاً للبحث الأثري (مواقع التواصل)

ملخص

يشمل التراث الثقافي المغمور بالمياه كل آثار الوجود الإنساني التي تحمل طابعاً ثقافياً أو تاريخياً وتوجد تحت المسطحات المائية، مما يجعله عنصراً بالغ الأهمية من عناصر التراث الوطني، على اعتبار أنه يقدم شهادة عن فترات وجوانب مختلفة من تاريخ البشرية المشترك، من قساوة تجارة الرقيق وفظاعة الحرب، إلى تأثير الكوارث الطبيعية، والرحلات بين المناطق المختلفة في العالم.

على مدار التاريخ، ابتلعت المياه مدناً بأكملها وأغرقت آلاف السفن وكانت مقبرة لأعداد كبيرة من البشر، وبحكم الموقع الجغرافي للجزائر الذي يلامس البحر الأبيض المتوسط على امتداد 1600 كيلومتر، فإنها عرفت مرور حضارات عدة، ووقوع حروب بحرية ومعارك قرصنة، وفي ظل المد والجزر والتغيرات المناخية، يوجد تراث كبير مغمور في المياه ينتظر التفاتة تنقذه من النسيان.

ويشمل التراث الثقافي المغمور بالمياه كل آثار الوجود الإنساني التي تحمل طابعاً ثقافياً أو تاريخياً وتوجد تحت المسطحات المائية، مما يجعله عنصراً بالغ الأهمية من عناصر التراث الوطني، على اعتبار أنه يقدم شهادة عن فترات وجوانب مختلفة من تاريخ البشرية المشترك، من قساوة تجارة الرقيق وفظاعة الحرب، إلى تأثير الكوارث الطبيعية، والرحلات بين المناطق المختلفة في العالم.

أرقام من تاريخ البشرية

بحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونيسكو"، تم إحصاء نحو 3 ملايين حطام سفينة، من بينها "تيتانيك" و"بيليتونج"، وكذا 4000 حطام سفينة من أسطول "كوبلاي خان"، قائد إمبراطورية المغول وإمبراطور الصين، فضلاً عن أطلال ومدن غارقة مثل آثار المدينة الفرعونية في الإسكندرية التي تعد واحدة من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم، إلى جانب آثار وموانئ مغمورة تحت الماء في سواحل مدينتي قوراية وشرشال في الجزائر، وهي المنطقة التي كانت تمثل عاصمة موريتانيا القيصرية القديمة.

وتضيف الـ"يونيسكو" أن أنقاضاً اكتُشفت في مواقع أثرية تحت الماء تضاهي مساحتها حجم مدينة مومباي الهندية، مشيرة إلى أن عدد المدن الغارقة يقدر بـ150 مدينة، إلى جانب هياكل الموانئ على شواطئ البحر الأبيض المتوسط وحدها. وتوضح أن بعضها حدث نتيجة الزلازل والفيضانات والانهيارات الأرضية أو تآكل التربة، وأن هناك مباني أُقيمت أصلاً تحت الماء مثل "كامبونجز" في ماليزيا.

ومن آثار القرن الـ20، هناك نحو 10 آلاف حطام من الحرب العالمية الأولى في قيعان البحار بجميع أنحاء العالم، ويشمل السفن الحربية والمدنية التي غرقت لعوامل طبيعية أو بسبب الحصار البحري.

ماذا عن الجزائر؟

ويتفق أهل الاختصاص في الجزائر على أن هذا الصنف من التراث الوطني لا يزال بعيداً من الاهتمام والتصنيف اللذين يحظى بهما نظيره الموجود على اليابسة، على رغم أن البلاد كانت سباقة في تناول التراث المغمور بالمياه من خلال اتفاق 98- 04، إضافة إلى مصادقتها على اتفاق الـ"يونيسكو" عام 2001 حول هذا النوع من التراث.

وأُجريت أبحاث على مستوى مدينة "شرشال" عام 1961، وأخرى عام 2005، حول بقايا أسطول "شارل كان"، ملك إسبانيا وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي قيل إن الشمس لا تغيب عنها، والذي تحطمت قوته إثر الهزيمة في معركة "بروزة" خلال الـ27 من سبتمبر (أيلول) 1537 على يد قائد البحرية الجزائرية خير الدين برباروس، إلى جانب جرد وتوثيق موقع الهياكل الحجرية العشرة المكتشفة عام 2005، فضلاً عن مشروع دراسة 23 مدفعاً عثمانياً تقع قبالة شاطئ "شنوة" قرب العاصمة الجزائر.

في السياق، يذكر رئيس مصلحة الحفظ والترميم بالمتحف البحري مصطفى علالي أن هناك جهوداً في الجزائر تتجاوز مجرد العثور على القطع الأثرية، لتشمل حمايتها ودراسة سياقها وتوظيفها في قراءة التاريخ، على اعتبار أن حطام السفن والمدافع والهياكل الحجرية المغمورة تمثل شواهد مادية على حركة الملاحة والتبادل والصراعات التي عرفها البحر المتوسط، وتمنح الباحثين معطيات إضافية لفهم مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال علالي "بين ما استقر في قاع البحر وما استعيد وحُفظ في المتاحف تتشكل ذاكرة أخرى للتاريخ المدون، إذ تحاول المؤسسات المتخصصة اليوم إخراجها من دائرة المجهول، وهذا أمر مهم، ليس بالضرورة عبر انتشالها، وإنما من خلال توثيقها وحمايتها ودراستها في مواقعها الأصلية".

وشدد على أن حماية التراث الثقافي تحت الماء تقوم أساساً على احترام موقع القطعة وسياقها الأثري، وعدم نقلها أو انتشالها إلا وفق الضرورة والمعايير العلمية المعتمدة، مشيراً إلى أن حملات التحسيس والتعاون مع المواطنين والمؤسسات المحلية أسهمت في استرجاع عدد من القطع الأثرية المقبلة من مواقع بحرية مختلفة، لا سيما "تيبازة" و"بومرداس" وخليج الجزائر و"سيدي فرج". وأوضح أن رصيد المتحف يضم قرابة 200 قطعة خضعت لعمليات معالجة وحفظ، من بينها إزالة الأملاح بهدف تثبيتها والحد من تدهورها بعد خروجها من البيئة البحرية.

أسباب التهميش

ولم يعد ينظر إلى قاع البحر باعتباره فضاء يخفي بقايا السفن والأشياء التي ابتلعها الزمن، بل أصبح مجالاً للبحث الأثري وقراءة صفحات من التاريخ، لذا وجب توفير الحماية القانونية والمؤسساتية له، وبخاصة أمام تعرض كثير من مواقعه للنهب والتخريب. وتسعى الجزائر إلى حماية تراثها الثقافي المغمور بالمياه من خلال التشريع الوطني المتعلق بحماية التراث الثقافي، وصادقت على اتفاق منظمة الـ"يونيسكو" لعام 2001 التي تحدد المبادئ الدولية المتعلقة بحمايته.

ويبقى التراث المغمور بالمياه مهمشاً في الجزائر لأسباب عدة، أهمها أنه يوجد في أعماق البحار والمحيطات وبذلك فهو بعيد من الأعين، كما أن استكشافه أو الاطلاع عليه يتطلب معدات غوص متطورة وتدريبات عالية، مما يجعله حكراً على فئة محدودة جداً من المهتمين، إلى جانب ضعف الإمكانات التي تحتاج إليها عمليات البحث الأثري تحت الماء من سفن متخصصة، وروبوتات غواصة وتقنيات مسح ثلاثي الأبعاد، وغيرها من التقنيات.

ووفق المتخصصين، يبقى الترميم والحفظ الباهظ من بين العراقيل التي تمنع التقدم في ما يتعلق بجرد وحماية التراث المغمور بالمياه، إذ إنه بمجرد إخراج الأثر من الماء، تبدأ عملية تدهور سريع جداً بسبب الأملاح والأوكسجين، مما يتطلب عمليات معالجة تستدعي أعواماً من العمل المخبري والموازنات الضخمة التي تفوق قدرات عدد من الدول، إضافة إلى قلة عدد علماء آثار البحار المتخصصين. ويبقى غياب التوعية وضعف حملات التحسيس من أهم الأسباب التي جعلت التراث المغمور بالمياه مهمشاً، إذ إنه لا يحظى بالتغطية الإعلامية الكافية، ولا يدرج بصورة موسعة في المناهج التعليمية وقطاع السياحة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات