ملخص
العراق وأوروبا... ما كلفة الغياب الدبلوماسي عن سباق الاستثمارات والشراكات الدولية؟
لا تقتصر خسائر العراق من ضعف حضوره الدبلوماسي في أوروبا على محدودية العلاقات السياسية أو تراجع مستوى التمثيل في المحافل الدولية، بل تمتد إلى فرص اقتصادية واستثمارية وتجارية يمكن أن تشكل رافعة مهمة لتنويع الاقتصاد الوطني وتقليل اعتماده على الإيرادات النفطية، في وقت تتجه البلدان إلى توسيع شراكاتها الدولية وبناء تحالفات اقتصادية قائمة على المصالح طويلة الأمد.
وتكشف التحركات الأخيرة باتجاه العواصم الأوروبية عن إدراك متزايد لأهمية استعادة الحضور في هذه المنطقة، سواء عبر الزيارات الحكومية أو اللقاءات البرلمانية أو محاولات استقطاب الشركات الأوروبية إلى السوق العراقية، غير أن هذه التحركات تطرح في الوقت ذاته تحدياً يتعلق بقدرة بغداد على تحويل الاتصالات الدبلوماسية إلى اتفاقات نافذة واستثمارات فعلية وشراكات مستدامة.
ويبرز الجانب الاقتصادي بوصفه أحد أكثر الملفات تأثراً بمستوى العلاقات العراقية- الأوروبية، خصوصاً أن أوروبا تمتلك إمكانات متقدمة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والنقل والخدمات المصرفية، وهي قطاعات يحتاج العراق إلى تطويرها ضمن مسار الإصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
وفي هذا السياق، بحث رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي خلال استقباله سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق كليمنس سمنتر، توقيع اتفاق مشترك في مجال الاستثمار بهدف جذب مزيد من رؤوس الأموال الأوروبية، إضافة إلى مناقشة مشاركة الشركات الأوروبية في دورة "معرض بغداد الدولي" لهذا العام.
وشدد الزيدي على أهمية تطوير العلاقات الاقتصادية والمصرفية والتجارية، داعياً الشركات الأوروبية إلى الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة في العراق، في ظل ما توفره الحكومة من تسهيلات، فضلاً عن توافر الأيدي العاملة والمواد الأولية، ومشيراً إلى أهمية مشروع طريق التنمية في تعزيز الروابط الاقتصادية بين الشرق والغرب.
وتعكس هذه التحركات توجهاً نحو توسيع الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، لكن أهمية العلاقات لا تتوقف عند الاتفاقات والتصريحات، إذ ترتبط بقدرة المؤسسات العراقية على بناء قنوات اتصال دائمة مع الحكومات الأوروبية ومؤسسات التمويل والشركات والاتحادات الاقتصادية، بما يضمن استمرار التواصل وتحويله إلى نتائج ملموسة.
فرص اقتصادية خارج الحسابات النفطية
ويرى الباحث في الشؤون الاقتصادية منذر رشيد أن محدودية الحضور الدبلوماسي العراقي في أوروبا يمكن أن تنعكس بصورة مباشرة على قدرة البلاد في الوصول إلى الأسواق والاستثمارات والتكنولوجيا الأوروبية، مبيناً أن العلاقات الدبلوماسية لم تعُد تقتصر على التمثيل السياسي، وإنما أصبحت جزءاً من أدوات التنافس الاقتصادي بين الدول.
وأضاف أن العراق يمتلك مقومات اقتصادية يمكن أن تجذب الشركات الأوروبية، خصوصاً في مجالات الطاقة والصناعات التحويلية والبنية التحتية والنقل والزراعة والاتصالات، إلا أن الاستفادة من هذه المقومات تحتاج إلى جهد دبلوماسي مؤسسي يتجاوز اللقاءات الموسمية والزيارات الرسمية، مشيراً إلى أن ضعف التواصل المستمر مع المؤسسات الاقتصادية الأوروبية قد يؤدي إلى تراجع حضور العراق ضمن أولويات الشركات والمستثمرين، ولا سيما في ظل وجود أسواق إقليمية ودولية تنافس على استقطاب رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا.
وأوضح أن الشركات الأوروبية تعتمد في قراراتها الاستثمارية على مجموعة من المعايير، من بينها الاستقرار القانوني والمالي وضمانات تحويل الأرباح وسهولة الإجراءات ووضوح السياسات الحكومية، فضلاً عن وجود قنوات اتصال رسمية قادرة على معالجة المشكلات التي تواجه المستثمرين.
ولفت إلى أن الدور الدبلوماسي يمكن أن يسهم في تقليل الفجوة بين المستثمرين والجهات العراقية، من خلال توفير المعلومات الاقتصادية الدقيقة وتنظيم اللقاءات القطاعية ومتابعة الاتفاقات ومعالجة العقبات التي قد تعترض تنفيذ المشاريع.
وأكد رشيد أن العراق لا يحتاج إلى زيادة أعداد الوفود التجارية وحسب، بل إلى بناء علاقات اقتصادية طويلة الأمد تضمن انتقال الشركات الأوروبية من مرحلة التعرف إلى السوق العراقية لمرحلة تأسيس المشاريع والإنتاج وتطوير الشراكات مع القطاع الخاص المحلي.
الحضور الأوروبي بين الأرقام والاستثمارات الفعلية
وفي مؤشر على تنامي الاهتمام الأوروبي بالسوق العراقية، أعلنت وزارة التجارة دخول نحو 50 شركة أوروبية إلى العراق للاستثمار، ورأت أن البلاد تمثل بيئة واعدة أمام الشركات الأجنبية، في ظل الفرص المتاحة والتسهيلات الحكومية والانفتاح على الأسواق العالمية.
لكن هذا الحضور لا يعني بالضرورة تحقق تحول نوعي في خريطة الاستثمار الأجنبي، إذ إن الفارق كبير بين تسجيل اهتمام الشركات بالسوق العراقية وضخ رؤوس الأموال والدخول في مشاريع إنتاجية طويلة الأجل.
وكان الخبير الاقتصادي منار العبيدي أشار إلى أن دخول الشركات الأوروبية يمثل فرصة لتنويع مصادر الاستثمار، وليس تحولاً مؤكداً في اتجاهاته، موضحاً أن الشركات الإقليمية ودول الجوار لا تزالان تمتلكان مزايا مرتبطة بالقرب الجغرافي والمعرفة بالسوق المحلية.
وتبرز هنا أهمية الدبلوماسية الاقتصادية في تحويل الاهتمام الأوروبي إلى التزامات استثمارية واضحة، من خلال متابعة الشركات التي أبدت رغبتها في دخول السوق، وتحديد طبيعة مشاريعها وقيمتها ومراحل تنفيذها، فضلاً عن تشجيع إقامة شراكات مباشرة مع الشركات العراقية.
كذلك فإن غياب التنسيق المستمر بين البعثات الدبلوماسية والوزارات الاقتصادية والقطاع الخاص قد يؤدي إلى ضياع فرص تجارية، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى مفاوضات فنية وقانونية طويلة قبل الوصول إلى اتفاقات نهائية.
الدبلوماسية البرلمانية وفتح مسارات جديدة
ولا يقتصر الحضور الخارجي على التحركات الحكومية، إذ تمثل الدبلوماسية البرلمانية مساراً مكملاً في تعزيز العلاقات الثنائية، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالتشريعات والاستثمار والتجارة والتعاون الثقافي.
وفي هذا الإطار، بحث النائب الأول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان خلال زيارته إلى البرتغال ولقائه نائب رئيس الجمعية العامة للجمهورية البرتغالية ديوغو باتشيكو دي أموريم، إعادة تفعيل لجنة الصداقة العراقية - البرتغالية وتعزيز التنسيق بين اللجان النيابية المتناظرة، ولا سيما المعنية بالعلاقات الخارجية والاقتصاد والاستثمار.
وشملت المحادثات أهمية توظيف الدبلوماسية النيابية في دعم التقارب الاقتصادي والاستثماري والثقافي، وتبادل الخبرات في مجالَي الصياغة التشريعية والرقابة البرلمانية، إضافة إلى دعم مبادرة الشراكة العراقية مع دول جنوب أوروبا.
ويعكس هذا المسار أهمية توسيع العلاقات العراقية لتشمل دولاً أوروبية لا تحظى بالضرورة بالحضور نفسه الذي تحظى به العواصم الكبرى، إذ يمكن أن تشكل البرتغال وغيرها من دول جنوب أوروبا بوابات إضافية للتعاون في مجالات النقل والطاقة والسياحة والصناعات والخدمات.
الغياب الدبلوماسي وكلفة فقدان النفوذ
من جانبه يرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية محمد الساعدي أن ضعف الحضور الدبلوماسي لا يؤدي إلى خسارة الفرص الاقتصادية فقط، بل يمكن أن يحد من قدرة العراق على التأثير في المواقف الأوروبية تجاه الملفات الإقليمية والدولية المرتبطة بمصالحه.
وذكر أن العلاقات مع الدول الأوروبية تمثل مساحة مهمة لتوسيع خيارات العراق الخارجية، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة والتنافس الدولي على المصالح الاقتصادية والأمنية، مبيناً أن تنويع العلاقات يمنح بغداد قدرة أكبر على بناء مواقف متوازنة وعدم حصر شراكاتها ضمن اتجاه دولي واحد، ومضيفاً أن الحضور الدبلوماسي الفاعل يساعد في إيصال وجهة النظر العراقية إلى المؤسسات الأوروبية وصناع القرار، ويتيح متابعة الملفات المتعلقة بالتجارة والطاقة والأمن والهجرة والتعاون القضائي، فضلاً عن تعزيز التنسيق في القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
وشرح الساعدي أن العلاقات الدولية لا تُقاس بعدد الزيارات والاجتماعات، وإنما بمدى استمرارية التواصل والقدرة على بناء مصالح متبادلة، موضحاً أن غياب المتابعة المؤسسية قد يجعل الاتفاقات الموقعة محدودة النتائج، حتى عندما تتوافر إرادة سياسية لدى الطرفين.
ولفت إلى أهمية تطوير أداء البعثات العراقية في العواصم الأوروبية، وتعزيز دورها في تقديم المعلومات الاقتصادية والترويج للفرص الاستثمارية ومتابعة حاجات الجاليات العراقية، فضلاً ععن بناء علاقات مع مراكز الدراسات والجامعات والمؤسسات البحثية والإعلامية الأوروبية، مشدداً على أن الدبلوماسية الاقتصادية تحتاج إلى تنسيق بين وزارات الخارجية والتجارة والمالية والجهات الاستثمارية والقطاع المصرفي، فتتحول السفارات إلى منصات فاعلة للتواصل مع المستثمرين والمؤسسات الاقتصادية، وليس مجرد قنوات للتمثيل الرسمي.
طريق التنمية والقطاع المصرفي في صلب الشراكة
ويشكل مشروع طريق التنمية أحد الملفات التي يمكن أن تمنح العلاقات العراقية - الأوروبية بعداً إستراتيجياً، بالنظر إلى ارتباطه بمستقبل النقل والتجارة والربط بين الأسواق الآسيوية والأوروبية عبر الأراضي العراقية.
ويمكن للعراق الاستفادة من الخبرات الأوروبية في تطوير السكك الحديد والموانئ والأنظمة اللوجستية وإدارة المراكز التجارية، فضلاً عن التكنولوجيا المرتبطة بالبنية التحتية، لكن ذلك يتطلب تقديم المشروع بصورة واضحة إلى المؤسسات الاستثمارية والتمويلية الأوروبية، مع تحديد فرص المشاركة وآليات التمويل والضمانات القانونية.
كذلك يمثل القطاع المصرفي محوراً أساساً في تعزيز هذه الشراكة، إذ إن دخول الشركات الأوروبية يحتاج إلى نظام مالي قادر على تسهيل التحويلات وتمويل التجارة وتوفير أدوات مصرفية تتوافق مع المعايير الدولية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويؤدي ضعف التعاون المصرفي إلى زيادة كلفة التعاملات وتعقيد الإجراءات أمام الشركات الأجنبية، مما قد يدفع بعضها إلى اختيار أسواق أخرى تتمتع ببيئة مالية أكثر وضوحاً واستقراراً.
ومن هنا تبرز أهمية استثمار العلاقات مع المؤسسات المالية الأوروبية في تطوير المصارف العراقية وتوسيع استخدام الأنظمة الرقمية وتعزيز الامتثال والحوكمة والشفافية، بما يرفع ثقة المستثمرين ويمنح الشركات الأجنبية قدرة أكبر على العمل داخل البلاد.
من العلاقات السياسية إلى الشراكات المستدامة
وتتطلب معالجة محدودية الحضور العراقي في أوروبا الانتقال من الدبلوماسية القائمة على ردود الفعل إلى سياسة خارجية اقتصادية تمتلك أهدافاً محددة وبرامج عمل قابلة للقياس، مع وضع أولويات واضحة للعلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الاقتصادية والمالية.
كذلك تبرز الحاجة إلى تطوير آليات متابعة الاتفاقات ومذكرات التفاهم، وإعداد قواعد بيانات عن الشركات الأوروبية والقطاعات التي تستهدفها، وتنظيم زيارات متبادلة متخصصة، فضلاً عن إشراك القطاع الخاص العراقي في صياغة أولويات التعاون الخارجي.
ولا تنفصل هذه الجهود عن ضرورة تحسين البيئة الاستثمارية داخلياً، لأن النشاط الدبلوماسي مهما كان فاعلاً لن يكون كافياً إذا استمرت المشكلات المرتبطة بالبيروقراطية والفساد وتعدد الإجراءات وضعف الضمانات واستقرار التشريعات.
وتبقى قدرة العراق على الاستفادة من الاهتمام الأوروبي مرتبطة بمدى نجاحه في بناء الثقة وتحويل الانفتاح السياسي إلى مشاريع إنتاجية وفرص عمل ونقل للمعرفة والتكنولوجيا.
وبذلك، فإن الخسارة المحتملة من ضعف الحضور الدبلوماسي الأوروبي لا تتمثل في تراجع العلاقات الرسمية وحدها، بل في الفرص التي قد تنتقل إلى أسواق منافسة، والاستثمارات التي لا تصل، والخبرات التي لا تنتقل، والمصالح التي لا تجد من يتابعها ويدافع عنها. أما استعادة الحضور العراقي الفاعل، فتحتاج إلى دبلوماسية مستمرة تربط السياسة بالاقتصاد وتجعل من العلاقات الدولية أداة مباشرة لدعم التنمية وتنويع الاقتصاد وتعزيز موقع العراق في محيطه الأوروبي والدولي.