ملخص
فازت رواية "مجهولة رصيف جافيل" (دار فلاماريون) للروائي فيليب جانادا بجائزة غونكور للرواية الفرنسية، بعد منافسة بينها وبين رواية "عزلة الأساتذة لا نهائية" (دار غاليمار) للروائي يانيك هاينل، فهما من الاكثر مبيعاً منذ بداية الموسم الأدبي، بين روايات اللائحة القصيرة.
كان بعض النقاد والصحافيين يتوقعون فوز رواية "عزلة الأساتذة لا نهائية" التي حظيت بترحاب نقدي كبير، خصوصاً انها تستجيب لأحوال الأساتذة والطلاب الذين يعانون اليوم ظروفاً صعبة.
أما الروايتان اللتان كانتا بلغتا القائمة القصيرة فهما: "على الجانب الآخر من البحيرة" (دار مينوي)، لسيلفان برودوم، و"أشياء ظننت أنني فقدتها" (دار لارباليت-غاليمار) لكليمنتين ميلوا.
وفي واقعة نادرة، كانت لجنة تحكيم غونكور سحبت في سبتمبر (أيلول) الماضي من القائمة الأولى رواية الكاتب الكندي من أصل هايتي تيليسون أوريليان " هذا أو الموت" بسبب الاتهامات الموجهة إلى الكاتب بالانتحال واستخدام الذكاء الاصطناعي، علماً أن الرواية هذه حازت إعجاب النقاد والصحافة وكتب عنها الكثير.
أما رواية "مجهولة رصيف جافيل" التي كرستها لجنة "غونكور" هذا العام، فهي رواية ذات مناخ بوليسي وخلفية تاريخية تتمثل في مرحلة نهاية الحرب العالمية الثانية.
تنطلق الرواية من حدث العثور على جسد امرأة على ضفاف نهر السين، فتحدد هويتها سريعاً، ولا يلبث التحقيق أن يصل إلى نتيجة معقدة: كان يمكن لهذه القضية أن تبقى واحدة من جرائم ما بعد الحرب التي طواها النسيان.
عارضة رسامي مونبارناس
في الرواية يعود فيليب جانادا إلى مقتل لويز كانسو، عارضة رسامي مونبارناس، التي عثر عليها ميتة في سبتمبر عام 1949. وانطلاقاً من هذا المصير المبتور، يبني تحقيقاً أدبياً يسعى إلى فهم اختفائها بقدر ما يسعى إلى استعادة حياتها.
تنتمي لويز كانسو إلى عالم لا يحمي فيه القرب من الفنانين من الفقر أو الوحدة. جاءت من منطقة بريتاني إلى باريس، وأصبحت عارضة مطلوبة لدى الرسامين، قبل أن تعرف ظروفاً معيشية قاسية. ويكشف مسارها عن الوجه الآخر لمونبارناس الفنية. فخلف اللوحات والمراسم، ثمة نساء تراقب أجسادهن، وترسم، وتحاط بالإعجاب، بينما تظل حكاياتهن الشخصية مجهولة إلى حد بعيد. وهذه المسافة بين الظهور والمحو هي إحدى المسائل التي يدعونا موضوع الرواية إلى التأمل فيها.
لكن لويز لم تبقَ مجهولة بالمعنى البوليسي، إذ جرى التعرف إلى هويتها، ومعرفة الاسم لا تكفي لمعرفة الإنسان. فقد تحددت هوية الضحية، ومع ذلك تظل حبيسة بضعة قيود إدارية، وشهادات متناثرة، وظروف موت غامضة. وتتمثل المهمة الأدبية هنا في فك هذا الأسر، وإظهار حياة حيث لم يعد موجوداً سوى ملف.
ولتحقيق ذلك، يعود جانادا إلى الأرشيف، ويقارن الوثائق، ويزور الأماكن. ويقوده تحقيقه، خصوصاً، إلى مدينة تريغييه، حيث عاشت لويز طفولتها، وإلى المواقع الباريسية التي ارتادتها. ويصبح البحث الوثائقي، بهذا المعنى، وسيلة لاختبار المسافة الزمنية. فالآثار ما زالت موجودة، لكنها تحتاج إلى من يجمع بينها، ويستنطقها، ويعيد وضعها في عالم اختفى كثير من معالمه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وترافق هذه الرحلة شخصية المفوض ميغريه. هنا يعيد جانادا قراءة تحقيقات بطل الروائي البوليسي الكبير جورج سيمنون، ويهتم بمنهج يمنح العادات والأوساط الاجتماعية والعلاقات الإنسانية مكانة أساسية. ففهم الجريمة يقتضي فهم الأشخاص المحيطين بها. وقد يكشف عن تفصيل يبدو تافهاً، أو عن حديث عابر، أو أسلوب في العيش، ما تغفله الاستنتاجات المتسرعة. وتمنح الإحالة إلى ميغريه الكتاب بعداً إضافياً، إذ تتحول شخصية متخيلة إلى رفيق بحث في قضية حقيقية.
ويطرح هذا التقاطع سؤالاً خصباً: ماذا يستطيع الأدب أن يفعل إزاء جريمة قديمة؟ يستطيع أن يرتب الآثار، ويفحص التناقضات، ويقترح تفسيراً، ويتيح الاقتراب من الأشخاص خارج التصنيفات التي قد يختزلهم التحقيق فيها، لكن الحل الذي يقدمه عمل أدبي لا يتمتع بصفة الحكم القضائي. يقترح جانادا هوية محتملة للقاتل، ومن الضروري الحفاظ على هذا التمييز بين قوة الاستدلال وثبوت الإدانة قانونياً.
يطرح الكتاب أيضاً تساؤلاً حول النظرة الموجهة إلى النساء. فقد وصفته ناتالي كروم، في مجلة "تيليراما"، بأنه مرافعة نسوية. وتدعونا هذه القراءة إلى تأمل الطريقة التي توصف بها الضحية ويحكم عليها من خلال علاقاتها وحياتها الجنسية ووضعها الاجتماعي. ويتيح الاهتمام بلويز مساءلة الأحكام المسبقة التي ترافق أحياناً سرد جريمة قتل: متى تنتهي التعليقات على حياة امرأة إلى صرف الأنظار عن العنف الذي تعرضت له؟
تكمن أهمية "مجهولة رصيف جافيل" في طموحها المزدوج: التحقيق في جريمة، وتبيين ما يتجاوز اللغز الجنائي وحده. فتحديد قاتل محتمل يجيب عن سؤال أساس، لكنه يترك سؤال الحياة المفقودة مفتوحاً. يستطيع التحقيق إعادة بناء الوقائع، لكنه لا يستعيد حضور الإنسان كاملاً.