ملخص
يرى سام كيلي أن استمرار الغرب في الاكتفاء بتسليح أوكرانيا وتركها تواجه الهجمات الروسية وحدها لم يعد خياراً مستداماً، داعياً إلى تدخل دفاعي من قبل حلف "الناتو" لحماية المجال الجوي الأوكراني، كما حصل مع أكراد العراق وفي كوسوفو، وحذر من أن أي وقف لإطلاق النار قد يمنح موسكو فرصة لإعادة بناء قدراتها، فيما تظل أوروبا مكشوفة أمام تهديداتها.
تواجه أوروبا والمملكة المتحدة خياراً صعباً ومكلفاً. فإما مواجهة روسيا في أوكرانيا الآن، أو انتظار انتقال المعركة إلى عقر دارنا. أما الاستعداد لنهاية العالم عبر تخزين علب الرز بالحليب والمياه وأجهزة الراديو التي تعمل بالتدوير اليدوي، فلن يجدي نفعاً ما لم تنقل المواجهة إلى الطرف المعتدي.
لقد أثبتت أوكرانيا ذلك. فالمعاناة التي يعيشها سكان البلاد، في ظل تقويض إدارة ترمب أنظمة التسليح الأوكرانية، تكشف إلى أي مدى يمكن أن يذهب فلاديمير بوتين لتحقيق أهدافه، مدفوعاً بنزعة عدمية لا ترى في الفوضى التي تصيب خصومه سوى في غاية حد ذاتها.
وكما قال وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ أخيراً: "إن مصطلحات مثل الحرب الهجينة والتهديدات التي تقع في المنطقة الرمادية لا تعكس بدقة طبيعة ما يحدث، ولا تنقل إلى الرأي العام حقيقة ما أفضل وصفه بالإرهاب الذي ترعاه الدول".
أضاف "في مواجهة هذه التهديدات، التي ليست افتراضية بل حقيقية، ولم تعد تحدث في أماكن بعيدة منا، بل تقترب منا بصورة متزايدة، يتعين علينا مضاعفة جهودنا والتعامل بجدية مع قدرتنا على الصمود الوطني، إضافة إلى دفاعنا الوطني".
لكن إذا أخذ مفهوم "الدفاع الوطني" بمعناه العملي المباشر وعلى المدى القصير، فينبغي أن يتضمن دراسة إمكان نشر قوات لحلف شمال الأطلسي داخل أوكرانيا لحماية المدنيين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فقد استنفد معظم مخزون أنظمة اعتراض الصواريخ الموجودة. وأصبحت البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، وسكانها المدنيون، وشبكات القطارات، والصناعات الثقيلة، ومراكز البيانات، جميعها أهدافاً للهجمات الروسية، في مسعى لكسر إرادة البلاد وإجبارها على الرضوخ للمطالب الروسية وطلب السلام بشروط موسكو.
وقد يبدو التوصل إلى وقف لإطلاق النار، أو حتى اتفاق سلام يجمد خطوط المواجهة عند مواقعها الحالية، مكسباً لأوكرانيا، لكنه سيكون كارثياً بالنسبة إلى الغرب.
فروسيا ستستغل فترة الهدوء لإعادة تسليح قواتها وتدريبها وتجهيزها. وهذه القوات باتت اليوم الثانية عالمياً من حيث الكفاءة والتمرس في استخدام الأسلحة الحديثة، وستواصل موسكو تدخلاتها وعملياتها الإرهابية التي ترعاها الدولة في الخارج.
وفي المقابل لن تكون الديمقراطيات الغربية، التي تحاول أصلاً التعامل مع التداعيات الاقتصادية المتفاقمة للسياسات النيوليبرالية، ومع مجتمعات تبالغ في تقدير "ما يحق لها" الحصول عليه من خدمات مجانية تقدمها دولها، قادرة على مقاومة حملات زعزعة الاستقرار التي يشنها الكرملين.
هذا ليس تهويلاً أو مبالغة، بل السيناريو المرجح إذا استمر الغرب في عزوفه عن الاستثمار الجدي في حماية الحريات والنظام الديمقراطي اللذين يسعى فلاديمير بوتين إلى القضاء عليهما في أوكرانيا وخارجها.
لا توجد حجة مقنعة لخوض حرب شاملة، لكن ثمة مبررات قوية لخوض نوع آخر من الصراع، وهو الصراع الذي يبقى "دون عتبة" الحرب التقليدية، والذي تمارسه روسيا بالفعل منذ سنوات.
إن حلف شمال الأطلسي يستطيع، بل إن هناك ما يدعو إلى ذلك، الانتظام في دفاع شديد الحزم عن أوكرانيا. وليس الدافع إلى ذلك مجرد الغضب الأخلاقي إزاء قتل روسيا الأطفال الصغار، أو مجازرها وعمليات مطاردة المسنين وقتلهم في الشوارع، بل لأن التدخل يصب في مصلحة الغرب نفسه.
وقد درس جاستن برونك، المتخصص في شؤون الطيران لدى مركز البحوث "المعهد الملكي للخدمات المتحدة" (RUSI)، الخيارات المتاحة لحماية أوكرانيا من صواريخ وطائرات "غيران" المسيرة النفاثة. وهي النسخ المطورة من طائرات "شاهد" الإيرانية القديمة، لكنها قادرة على التحليق بسرعة تصل إلى 500 كيلومتر في الساعة، وحمل رأس حربي يزن نحو 90 كيلوغراماً، وغالباً ما تطلى باللون الأسود وتطلق في أسراب.
ويكتب برونك في دراسة حديثة للمعهد المعني بالشؤون العسكرية: "يمكن لسرب جوي متعدد الجنسيات تابع للناتو، ومخصص لهذه المهمة ومجهز بطائرات تدريب نفاثة مسلحة، إسقاط الطائرات المسيرة الروسية التي تخترق الأجواء الأوكرانية، من دون استنزاف المقاتلات المتقدمة والصواريخ جو-جو الشحيحة لهذا الغرض".
وقد تمكنت المقاتلات الأوكرانية بالفعل من إسقاط طائرات مسيرة، بينها مسيرات "غيران"، فضلاً عن اعتراض صواريخ باليستية. وفي مقطع فيديو نشره أخيراً اللواء الـ11 المستقل لطيران الجيش الأوكراني، يظهر أحد أفراد الطاقم وهو يخرج بجزء من جسده من المقعد الخلفي لطائرة "ياك-52" المروحية، ويطلق النار على طائرة مسيرة روسية أثناء تحليقها.
ويذهب برونك إلى أن الناتو يستطيع نشر طائرات تدريب نفاثة صغيرة ذات مقعدين، أحدهما للمدفعي أو ضابط التسليح، لإسقاط طائرات "غيران" وغيرها من الصواريخ والطائرات المسيرة، ضمن سرب جديد متخصص في مكافحة الطائرات المسيرة.
ولو اقتصرت مهمة هذه القوة على حماية أوكرانيا مع احتفاظها في حق الدفاع عن نفسها بواسطة مقاتلات متطورة مثل "أف-35" و"تايفون"، فإنها قد تسد فجوة خطرة في شبكة الدفاع الجوي الأوكرانية، وتبعث برسالة واضحة إلى بوتين مفادها: "نراقب تحركاتك، ونرفع سقف التحدي".
وحتى من دون الولايات المتحدة، يتفوق حلف شمال الأطلسي على روسيا عسكرياً بفارق مريح. ومع ذلك، لا يزال الحلف يحجم عن تسخير كامل قدراته في مواجهة موسكو، على رغم أن روسيا أمضت سنوات في حرب استنزاف ضد أوكرانيا، التي لا يتجاوز عدد سكانها 40 مليون نسمة.
فالناتو، حتى من دون واشنطن، يمتلك قرابة ضعف عدد الطائرات الروسية في كل فئة من فئات الطيران العسكري، ويتفوق عليها بحرياً بنحو أربعة أضعاف ونصف، ويمتلك ما يقارب ضعف عدد غواصاتها.
ولا يبدو أن روسيا تخشى التعرض لهجوم نووي، على رغم التهديدات المتكررة التي أطلقها بوتين والمقربون منه باستخدام السلاح النووي ضد دول الناتو أو أوكرانيا. فالكرملين لا يبدو مكترثاً بالتهديد النووي الصادر عن دول الحلف باستثناء الولايات المتحدة، وربما يعود ذلك إلى امتلاك روسيا ترسانة نووية تفوق ترسانة الدول الأوروبية هذه بثمانية أضعاف.
لكن السبب يعود أيضاً إلى إدراك الكرملين جنون عقيدة "التدمير المتبادل المؤكد"، المعروفة اختصاراً بـ(ماد) MAD. فبوتين يعلم أن الغرب لن يقدم على الأرجح على استخدام السلاح النووي.
ومع ذلك، تشير الشواهد الحالية إلى أن دولاً مثل المملكة المتحدة تستعد لهجمات إلكترونية وأعمال تخريب وفوضى أخرى، من خلال تكديس علب الفاصولياء المطبوخة ولفائف ورق المراحيض.
وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الروسي يحتل المرتبة الثامنة عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي، متخلفاً عن المملكة المتحدة وفرنسا. وإذا أضيف الاقتصاد البريطاني إلى اقتصادات الاتحاد الأوروبي، يتضح أن التكتل يصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بناتج محلي إجمال يتجاوز 27 تريليون دولار، أي ما يقارب 10 أضعاف حجم الاقتصاد الروسي.
ومع ذلك، فإن كل هذا "التفوق" لم يترجم حتى الآن إلا إلى صورة من التردد والضعف في مواجهة متنمر في الكرملين، وآخر في المكتب البيضاوي.
وكان البرلمان الأوكراني دعا منذ فترة طويلة إلى فرض منطقة حظر جوي، على غرار المناطق التي أسهمت في حماية الأكراد في العراق من نظام صدام حسين، وإقليم كوسوفو من التطرف الصربي خلال تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة.
لقد حان الوقت لأوروبا وبريطانيا كي تصارحا شعبيهما بالحقيقة: آن الأوان لاختبار تهديدات بوتين وكشف حدودها. أما مواصلة القتال حتى آخر أوكراني، فلم تعد خياراً يمكن القبول به.
© The Independent