Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ديفيد آيالون ينحاز في كتابة تاريخ المماليك في مصر

المركز القومي لم ينتبه إلى المغالطات المقصودة في ترجمته العربية

القاهرة المملوكية (صفحة المماليك - فيسبوك)

ملخص

يرصد كتاب "دراسات عن المماليك في مصر" للمؤرخ ديفيد آيالون (1914 – 1998) بنية الجيش المملوكي، كاشفاً كيف أسهم تنوع أصول جنوده في بناء قوته، وكيف أسهمت الأوبئة والصراعات الداخلية في إضعافها، ويمتد اهتمام الكتاب إلى تطور المجتمع العسكري المصري في قراءة تثير تساؤلات حول خلفياتها الاستشراقية المتحيزة.

قد لا يقدم كتاب "دراسات عن المماليك في مصر (1250-1517)" لديفيد آيالون (1914-1998)، ترجمة علي السيد علي (المركز القومي للترجمة)، معلومات جديدة للقارئ العربي، لكن ما يثير الانتباه هو كيفية عرض هذه المعلومات، والمنظور الذي يقرأ آيالون من خلاله هذا التاريخ واهتمامه بتعدد الإثنيات العرقية داخله ومدى تأثيرها في قوة وضعف الجيش. والكتاب الصادر في طبعته الأصلية عام 1977 يضم مجموعة من الأبحاث والدراسات التي كتبها آيالون، أستاذ تاريخ الدراسات الإسلامية في الجامعة العبرية في القدس، ونشرت قبل جمعها في كتاب في دوريات عدة.

يعدد آيالون في مقدمته القصيرة أسباب اهتمامه بهذه الحقبة التاريخية، وأولها أنها تمثل أعظم إمبراطورية إسلامية في أواخر العصور الوسطى، وثانيها كثرة المصادر التي تناولتها وتنوعها وموسوعيتها، ويشير إلى أن أهمية هذه الحقبة من الناحية العسكرية تفوق أهمية الفتوحات العربية المبكرة، وأنه لولا المؤسسة المملوكية القائمة على الرق، ما استطاع الإسلام الحفاظ طويلاً على الحدود التي بلغها، وما كان بمقدوره أن يصبح ديانة عالمية بالنطاق الذي بلغه بالفعل.

لكن هناك سبباً آخر أراه الأهم، أشار إليه المؤلف في الفصل الـ12 من كتابه، المعنون "دراسات عن الجبرتي"، ويذكر فيه أن إعادة تركيب المجتمع المملوكي العسكري تمثل ضرورة لفهم تطورات المجتمع الحربي في مصر حتى اللحظة الحاضرة: "الدراسة الحقيقية والتفصيلية للمجتمع الحربي المصري في الفترة التي تحدث عنها تاريخ الجبرتي ستلقي كثيراً من الأضواء على الإنجازات وحالات الفشل في حكم محمد علي بوجه خاص، وعلى تاريخ مصر منذ حملة بونابرت وحتى اللحظة الحاضرة بوجه عام"، فتركيز آيالون على المجتمع الحربي في مصر لا يتعلق بدراسة تاريخية لحقبة ماضية، ولكنه يمتد إلى تتبع تطورات المؤسسة العسكرية المصرية حتى العصر الحديث، في ظل الصراع الذي ترتب تأسيس الدولة العبرية على الأراضي الفلسطينية، ويظهر هذا البعد في طبيعة توظيفه للمعلومات، التي تقترب في بعض جوانبها مما يشبه الرصد الاستخباراتي لمواطن قوة الجيش وضعفه، ونفقاته وتحركاته وأعداده.

قوة وضعف

وإضافة إلى رصد عوامل قوة الجيش المملوكي، فإن آيالون يتتبع عوامل ضعفه، وأولها اقتصادي، يتمثل في استنزاف موارد مصر الغنية نتيجة عمليات النهب التي مارسها المماليك، وثانيها عسكري، يرتبط بانشغال الجيش المفرط بالأمور السياسية، وإهماله الأساليب الحربية الحديثة القائمة على استخدام الأسلحة النارية، أما العامل الثالث فيتعلق بانخفاض القوة البشرية للجيش، سواء بسبب صعوبة استقدام مماليك جدد من المناطق التي ينحدرون منها، بخاصة روسيا وبلاد القوقاز، أو نتيجة انتشار الطاعون، يتعلق الجانب الثاني الذي يحظى باهتمام آيالون بأصول المماليك المتنوعة وانتماءاتهم العرقية والجغرافية، وكيفية توحيدهم صفوفهم وتشكيل جيش قوي استطاع التصدي لخطرين رئيسين هددا العالم الإسلامي، أولهما الخطر المغولي، الذي واجهه المماليك في معركة عين جالوت وغيرها من المواجهات، بعدما دمر المغول بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، عام 1258م، لتنتهي بذلك الخلافة العباسية في بغداد وتظل بلاد المسلمين لنحو ثلاثة أعوام ونصف العام بلا خلافة، ويرصد ابتهاج العامة عندما أعاد الظاهر بيبرس إحياء الخلافة العباسية في القاهرة، مستقدماً الخليفة المستنصر بالله، ليتولى الخلافة تحت رعاية السلطنة المملوكية.

أما الخطر الثاني فتمثل في الحملات الصليبية، التي واجهها المماليك في معارك عدة، من بينها معركة المنصورة، قبل أن يواصلوا استعادة المواقع والحصون التي سيطرت عليها القوى الصليبية في بلاد الشام، وصولاً إلى إنهاء وجودهم العسكري في معظم معاقلهم بالمنطقة.

أعراق متنوعة

وأعتقد أن اهتمام آيالون بتعدد أصول الجيش المملوكي وأعراقه وتركيزه الكبير على هذه الجزئية في دراساته بل وتقديره الكبير لجيش مختلط الأعراق وجعله سبباً في جعل الإسلام ديناً عالمياً، يعود بالأساس إلى تساؤلات تتصل بطبيعة الجيش الإسرائيلي الحديث الذي يضم أفراداً من خلفيات إثنية وثقافية عدة، من الأشكناز والسفارديم وغيرهما، في ظل موجات الهجرة اليهودية المتعاقبة إلى فلسطين، فاهتمامه بتركيبة الجيش المملوكي العرقية والإثنية يتيح له دراسة أثر التنوع في تماسك المؤسسة العسكرية وقوتها أو ضعفها، وإن لم يصرح المؤلف بهذا الدافع.

ويستقيم ذلك بخاصة أن آيالون لا يقصر تتبعه فكرة تكوين جيش من أصول عرقية مختلفة على الدولتين المملوكيتين الأولى والثانية، وإنما يرجع بها إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، مشيراً إلى أن العرب واجهوا نقصاً في القوة البشرية ذات القدرات العسكرية العالية خلال الفتوحات، مما دفعهم إلى الاستعانة بعناصر فارسية ساسانية، ويركز في الفصل التاسع، "المدينة الإسلامية والأرستقراطية المملوكية العسكرية" على تجربة الخليفة العباسي المعتصم، الذي اعتمد على جيش من الأتراك، وأنشأ لهم مدينة خاصة بهم، هي سامراء، وخصص لهم الرواتب والامتيازات والفرق بينها وبين تجربة مماليك مصر، فعلى سبيل المثال يميز بين عصر المماليك البحرية، الذي ارتبط تأسيسه بالملك الصالح نجم الدين أيوب، ويشير إلى أن الأرستقراطية العسكرية كانت تقوم على مكانة المملوك الذي ينتمي إلى الجيل الأول، من دون أن تتحول هذه المكانة إلى امتياز وراثي ينتقل إلى أبنائه، فقد كان السلاطين يشترون المماليك في سن مبكرة، ويشرفون على تربيتهم وتدريبهم في طباق القلعة، ليصبحوا جزءاً من الطبقة العسكرية العليا، ومع اعتلاء سلطان جديد العرش كان يميل إلى تقديم مماليكه وإسناد المناصب العليا إليهم، وهو ما أدى إلى تراجع نفوذ مماليك السلطان السابق وإزاحتهم عن مواقع السلطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتتبع هذه الفرضية في العصر المملوكي الثاني إلى أن يصل للوجود المملوكي تحت الحكم العثماني الذي تغيرت فيه تركيبة الجيش وأصبح المماليك المستقدمون أكبر سناً، ولم يحظوا بالتعليم والتدريب في الطباق، ولا بالتنشئة الدينية والعسكرية الممتدة التي كانت سائدة في عصر المماليك البحرية، كذلك أتاح استرقاقهم في سن متقدمة نسبياً لبعضهم استقدام أقاربهم بعد وصولهم إلى المناصب العليا، فضلاً عن انتقال المكانة الاجتماعية والعسكرية إلى أبنائهم، ومع استقرار هذا الوضع تشكلت أسر وعائلات مملوكية أخذت تتنافس على النفوذ والمناصب، ودخلت في صراعات أضعفت تماسك المؤسسة العسكرية، وهو ما يراه آيالون أحد العوامل التي أسهمت في تراجع قوة المماليك وسهلت من مهمة محمد علي في الخلاص منهم بعد ذلك في مذبحة القلعة الشهيرة.

ويحرص آيالون على الإشارة إلى المماليك الذين ينسبهم إلى أصول يهودية، ومن بينهم يوسف بك المسلماني، الذي اعتنق الإسلام، وأحمد المسلماني، الذي يذكر أنه كان يطلق عليه "أسكي نازي"، في تسمية يربطها بتحريف كلمة "أشكنازي".

تجاهل الشام

يتركز اهتمام آيالون على تجربة المماليك في القاهرة، باعتبار أن بلاد الشام كانت تابعة للسلطنة المملوكية ومركز حكمها في القاهرة، وهو ما يجعل مصر محوراً أساساً في دراسته للمؤسسة العسكرية المملوكية، ويتعمد آيالون في كتابه عدم ذكر اسم فلسطين في مواضع كثيرة كان يمكن أن يرد فيها ضمن السياق التاريخي، مع ذكر بعض مدنها عندما تقتضي الأحداث ذلك، ويظهر هذا التوجه منذ مقدمة الكتاب التي يصف فيها القدس بأنها تقع في إسرائيل وهو ما يستحق التوقف عنده، خصوصاً عند النظر في اختياراته الاصطلاحية والجغرافية وطريقة تقديمه لتاريخ المنطقة.

ومن الأمور اللافتة أن المترجم علي السيد علي، المتخصص في تاريخ العصور الوسطى، لم يعلق على المعلومات التي أوردها المؤلف، ولم يستخدم الهوامش للتعقيب على آرائه أو مناقشتها واكتفى بمقدمة قصيرة جداً أشار فيها إلى نقطتين رأى أن آيالون لم يكن دقيقاً في شأنهما، تتعلق الأولى بحديث المؤلف عن شح المعلومات المتعلقة بدور "باشا العسكر"، والثانية بتقليله من اهتمام الأيوبيين والمماليك بالأسطول البحري، ويشير كذلك إلى أن "الحضارة الإسلامية وصلت في ذلك العصر إلى تقدم كبير"، وأن هذا التقدم ينكر على المسلمين "سواء عن عدم معرفة أو عن عمد أو تقصير"، لكن المترجم على رغم اعتراضه على بعض آراء المؤلف، لم يستثمر معرفته التاريخية في مناقشة جوانب أخرى من الكتاب من بينها ما يورده آيالون عن انتشار الإسلام بالسيف، وغيرها من التعميمات التي كان يمكن إخضاعها للمراجعة والنقد، بدلاً من تركها دون تعليق.

وعلى مستوى الصياغة تعاني الترجمة في بعض المواضع الترهل والحشو، فضلاً عن فقرات غامضة أو غير مفهومة، ومعلومات تحتاج إلى التدقيق، ومن ذلك النبذة التعريفية بالمؤلف، التي جاءت قصيرة جداً، ولم تتطرق إلى خلفيته الفكرية أو طبيعة مؤلفاته واهتماماته البحثية، وتضمنت خطأ في تاريخ وفاته، فتشير إلى أنه توفي عام 1974، بينما توفي ديفيد آيالون عام 1998، وهي معلومة أساسية كان ينبغي مراجعتها قبل النشر.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة