ملخص
تشكل المقاهي فضاءات مدينية ملازمة لتشكل المدينة الحديثة، يمكن من خلالها التعرف إلى نمط العيش، ورصد إيقاع الحياة، وتقري ذاكرة المدينة التي تنتمي إليها. على أن ثمة مقاهي معينة يقترن ذكرها بالشارع الذي تكون فيه، والمدينة التي تتموقع فيها، بحيث إن ذكر المقهى يستدعي ذكر الشارع والمدينة. وهو ما ينطبق على مقهى "الهورس شو" في شارع الحمرا ببيروت، إلى حد كبير. ولعل هذا التلازم بين الفضاءات الثلاثة ناجم عن وظيفة المقهى المذكور في شارع الحمرا، ودور الأخير في تشكيل هوية المدينة، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
"مقهى الهورس شو" هو عنوان الكتاب الثاني للباحثة اللبنانية إيمان عبدالله، بعد أول هو مطعم فيصل"، وكلاهما صادر من دار نلسن للنشر في بيروت، في إطار مشروعها لتوثيق ذاكرة المدينة. ولعل الصدى الطيب الذي أحدثه الأول هو ما حدا بها إلى إصدار الثاني. فانبرت توثق سيرة "المقهى المثقف" الذي يعد أحد أبرز معالم شارع الحمرا، وراحت تطلب جوانب السيرة في مظانها المختلفة، لتشكل بورتريه "الهورس شو"، قبل أن يتراكم الغبار على تلك المظان، ويعبث الزمان بذاكرة رواد المقهى الأواخر، لا سيما أنه شكل إطاراً للتلاقي بين النخبة المثقفة، ومكاناً لتفاعل التيارات الثقافية العربية، وفضاءً حراً لحركات التجديد، على حد رؤية الناشر سليمان بختي في مقدمة الكتاب.
تمتح إيمان عبدالله مادة كتابها من مصادر كتابية وأخرى شفاهية، تتمظهر الأولى في أرشيف صحيفة "النهار" اللبنانية، وأرشيف الجامعة الأميركية في بيروت، وبعض الكتب. وتتمظهر الثانية في مقابلات ميدانية، تجريها الباحثة مع عدد من رواد المقهى وموظفيه الأوائل. وتخلص من هذا المتح إلى مجموعة من المقتبسات المتنوعة التي تتوزع على المقال والخبر والرسالة والصورة والشهادة والمقابلة وغيرها. وتقوم بإدراجها في النص وإدخالها في علاقة تجاور فيما بينها، مما يضفي على الكتاب الطابع التجميعي التوثيقي أكثر من التحليلي التأريخي، لا سيما أن معظم المقتبسات طويلة، وأن بعضها يشغل عدة صفحات من الكتاب.
ولعل هذه العملية هي ما أدت إلى تداخل المعلومات بين الفصول المختلفة، بحيث تتكرر المعلومة الواحدة في غير فصل، وقد تنسب إلى الفصل غير المناسب لها، في بعض الحالات. على أن هذا التوصيف لا ينتقص من الجهد المبذول في البحث والتجميع والتوثيق، مما نقع عليه في الكتاب.
شارع الحمرا
تدخل عبدالله إلى الهورس شو من الشارع الذي يوجد فيه. لذلك، تخصص الفصل الأول من كتابها لشارع الحمرا، فترصد، بالاستناد إلى مصادرها الكتابية والشفاهية، التحولات التي طرأت على الشارع، بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ذلك أن الشارع المذكور الذي كان يعد شانزليزيه بيروت، قبل الحرب، وعرف ذروة ازدهاره في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وهو ما تمظهر في كونه معرض الحياة اليومية، ومهد الحداثة الفنية، ومعرض الأزياء الحديثة، وحاضن التناقضات المختلفة، ومساحة الحوار الرحبة، وملاذ الكتاب المعارضين، وشارع التنوع والاختلاف، فقد هذه الوظائف بعد اندلاع الحرب، ليتحول إلى بؤرة للصراع السياسي، وحيز للشركات والمصارف، وسوق للتجارة، ومقاه في طور الاندثار، وواجهات زجاجية بلا روح. وهكذا، طرأت تحولات جذرية على وظائف الشارع، طاولت مقهى الهورس شو، فتحول من منارة ثقافية إلى مقهى للأركيلة.
الهورس شو
وإذا كانت عبدالله قد خصصت الفصل الأول من كتابها لشارع الحمرا، والثاني لمؤسس المقهى منح الدبغي، فإنها أفردت الفصلين الثالث والرابع للمقهى نفسه، فتناولت أقسامه، ومحتوياته، ومديره وموظفيه الأوائل، ووظائف المقهى، ونوعية رواده وأسماءهم وطقوسهم وشجاراتهم، وبعض الأحداث التي ارتبطت به في الثالث. وتناولت ما تبقى من المقهى في ذاكرة رواده في الرابع. ونخلص، مع الباحثة، إلى أن الهورس شو تأسس في الـ22 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1959 في الحمرا، على يد منح الدبغي، على غرار مقاهي الرصيف الباريسية التي عرفها خلال زياراته لباريس.
وقد أطلق عليه هذه التسمية تيمناً بحذوة الحصان، وهو الذي نشأ في عائلة عاشقة للفروسية، وأن المقهى كان يضم 120 مقعداً يشغلها رواد مختلفو الاهتمامات، وأنه كان ملتقى لأهل الكلمة والمسرح، ومدرسة للفن والفكر، ومطبخاً للانقلابات، ومعرضاً فنياً دائماً، وصالوناً مفتوحاً لأبناء المدينة، ومزيجاً من بار ومطعم ثقافي، وفضاء للحوار، ومساحة للشجار وسواها من الوظائف، وأن رواده خليط من السياسيين والصحافيين والشعراء والكتاب والفنانين وغيرهم، فقد كان يرتاده من السياسيين اللبنانيين والعرب تقي الدين الصلح وسامي الصلح وميشال عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني ومنصور الأطرش وغيرهم.
ومن الصحافيين غسان تويني وطلال سلمان والياس الديري وميشال أبو جودة وباسم الجسر ورفيق خوري وسليم اللوزي وغيرهم، ومن الشعراء سعيد عقل وبدوي الجبل ونزار قباني وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وأدونيس ومحمد الماغوط ويوسف الخال وناديا تويني وغيرهم، ومن الكتاب ليلى بعلبكي وغادة السمان وحنان الشيخ ونزيه خاطر وغيرهم، ومن المطربين عصام رجي وفيروز وسلوى القطريب وغيرهم، ومن التشكيليين بول غيراغوسيان وأمين الباشا ورفيق شرف وغيرهم، ومن المسرحيين جلال خوري وريمون جبارة ونضال الأشقر وأنطوان كرباج وروميو لحود وعصام محفوظ وغيرهم، على سبيل المثال لا الحصر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعليه، كان يرتاد المقهى النخبة اللبنانية من مختلف الحقول المعرفية والفنية. وكانت لكل منهم شخصيته وطقوسه وبصمته، وحسبنا الإشارة، في هذا السياق، إلى الانطباعات المختلفة التي تنقلها الباحثة عن مصادرها الشفاهية، حول عدد من الشعراء والكتاب، من قبيل: خلق يوسف الخال الرفيع، وحدة أنسي الحاج، لطافة شوقي أبي شقرا، رسمية نزار قباني، جرأة ليلى بعلبكي، أناقة غادة السمان، مزاجية عصام محفوظ، على سبيل المثال لا الحصر. هذه الوقوعات والوقائع تشكل أدلة قاطعة على الوظائف المهمة التي لاضطلع بها الهورس شو في حركة الثقافة اللبنانية والعربية، بين أواخر الخمسينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، واستطراداً، على الدور الخطر الذي نهضت به بيروت في العالم العربي في تلك المرحلة التاريخية والذي لم تستطع أي مدينة عربية أن تنهض به من بعدها.
أما ما كان يمثله "الهورس شو" لرواده، فتفرد له عبدالله الفصل الرابع من الكتاب. ويمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى أنه: مناخ الحرية لنضال الأشقر، وقاعة المثقفين المفتوحة لبول شاوول، والبيت المختار لحنان الشيخ، ووزارة الثقافة لرفعت طربيه، وورشة فكرية مفتوحة لباسم المعلم، على سبيل التمثيل. وهو، قبل هذا كله وبعده، جزء من ذاكرة بيروت الثقافية.
وقائع تاريخية
إلى ذلك، ثمة وقائع تاريخية معينة ارتبطت بالهورس شو، وشكلت جزءاً من سيرته. ومنها قيام الممثلة نضال الأشقر بتمثيل مسرحية "مجدلون" أمامه، بعدما منعت القوى الأمنية عرضها في مسرح بيروت في عين المريسة، في عام 1969، مما أدى إلى اقتيادها مع سائر الممثلين بالشاحنة إلى مخفر حبيش، وخلو المقهى من رواده الذين واكبوا الممثلين إلى المخفر. ولم يسمح بعرض المسرحية إلا بعد تدخل وزير الداخلية، في حينه، كمال جنبلاط، فتم عرضها على مسرح فينيسيا بعد عام من المنع. وتكرر خلو المقهى من الرواد، حين أُوقف الصحافي غسان تويني، فقاموا بمواكبته إلى مكان التوقيف تضامناً معه.
وغني عن التعبير العلاقة الوثيقة التي ربطت بين المقهى وصحيفة النهار، بحيث شكل الأول مقهى الصحيفة، وشكلت الثانية منبر المقهى. وتكرر خلو المقهى من الرواد، للمرة الثالثة، حين عقدت المناظرة التلفزيونية الشهيرة بين النائب بهيج تقي الدين والعميد ريمون إده.
وبعد، لا تدعي إيمان عبدالله في كتابها أنها تكتب تاريخ المدينة، مما يحتاج إلى مؤرخين متخصصين لكتابته، لكنها استطاعت، بما بذلته من جهود بحثية وميدانية، أن تجمع وتوثق كثير من المعلومات التي تشكل مادة تاريخية أولية، لا غنى عنها لكل من يتنكب القيام بمهمة التأريخ. وبهذا، تكون قد أسهمت في حفظ مكان الذاكرة، الذي لم نكن لنحتاج إليه لو كنا لا نزال نعيش ذاكرتنا، على حد تعبير المؤرخ الفرنسي بيير نورا، وتكون قد اجتهدت فأصابت، واستحقت أجري المجتهد والمصيب.