Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نبيل سليمان الثمانيني بين كتاب تكريمي وآخر يضم مقالاته

الروائي الطليعي رافقته شخصية الناقد الأدبي الدؤوب والمثقف الملتزم والسجالي

الروائي والناقد نبيل سليمان في الثمانين (صفحة الكاتب - فيسبوك)

ملخص

يعود الروائي والناقد السوري نبيل سليمان من خلال كتابين صدرا في وقت واحد، الأوّل بعنوان "نبيل سليمان: 80 عاماً"، ويضم دراسات عن أعماله ومساره، إضافة إلى شهادات كتبها أصدقاء له، من روائيين ونقاد وصحافيين، في مناسبة بلوغه الـ80. أما الثاني فعنوانه "أرواحهم في المفكرة"، يسترجع فيه عدداً من الشخصيّات الأدبية التي عايشها وعرفها.

تعرّفت إلى الكاتب، الروائي والناقد السوري نبيل سليمان، منتصف التسعينيّات من القرن الماضي، والآن وقد تجاوز الـ80 بسنة تقريباً. وأجِدني واقفاً أمام منجزه الروائي والنقديّ، وأتابع ما يكتبه حتى اليوم، وأراه يشكّل حالة خاصة مميزة في فضاء الرواية السورية والعربيّة. قرأته منذ بداياته مع رواية "ينداح الطوفان"، ثم رواية "السجن" ورواية "ثلج الصيف"، حتى ملحمته "مدارات الشرق"، وبدا فيها ممتلكاً أدواته وعوالمه الخاصّة. لكنه لم يشعر بالاكتفاء بالعمل الروائيّ، فانتقل إلى عالم النقد الأدبيّ، وتجسّد ذلك في عمل شاركه فيه الناقد السوري اليساريّ بو علي ياسين، فكان كتابهما "الأدب والأيديولوجيا في سورية" (1974)، الذي أثار، حين صدوره، نقاشات مطوّلة ومعمّقة. وكذلك كتاب "معارك ثقافية في سورية"، الذي صدر عام 1979 بالاشتراك مع الناقد السوريّ محمد كامل الخطيب.

سألتُ نبيل عن بلوغه الـ80، وهل سيكرر قول الشاعر زهير بن أبي سلمى "سئمتُ كلف الحياةِ ومَن يعِش/ ثمانين حولاً لا أبا لكَ يسأمِ"، فإذا به يستبدل كلمة السأم قائلاً "عشِقت كلف الحياة ومَن يعِشْ/ ثمانين عاماً لا أبا لك يعشقُ". فهو عاشق دائم لحياته المفتوحة على "الحياة" بتصاريفها وألوانها. كتب بحبّ وحميميّة وإخلاص. ومن باب الكتابة دخل عالم النشر فأسّس دار الحوار المعروفة عربيّاً بإصداراتها المميزة، أدباً عربيّاً وعالميّاً، وثقافة مفتوحة على الفكر والفلسفة والسيكولوجيا، بما يتناغم مع وعيه وثقافته الواسعة. ولا أنسى أنه تعرّض للاعتداء الجسديّ في بدايات الثورة السوريّة على يد أجهزة النظام السوريّ البائد.

من ذاكرة المؤلّف

في كتاب "أرواحهم في المفكرة" نقف على بعض الشخصيّات الأدبية، فهو يقدم لوحة سردية وثقافية غنيّة ومؤثرة، يوثق من خلالها ذكرياته وعلاقاته مع عشرات من أعلام الفكر، والأدب، والشعر، والمسرح، والسياسة، من الراحلين الذين تركوا بصمات واضحة في الذاكرة العربية. ليس الكتاب كتاب رثاء تقليديّ، وليس ندباً، بل هو درس في الوفاء والنقد، وتأمل عميق في سيرة الأرواح التي سكنت وجدان المؤلف وكتاباته قبل أن تستقر في صفحات هذه المفكرة.

تتوزع محطّات الكتاب على أسماء لامعة غادرت عالمنا، لكنها لا تزال حية بأفكارها وأعمالها، ومن أبرز الشخصيات التي تناولها المؤلف بالذكر والتحليل، ما يدعوه بـ"أقمار تونسية" حيث يضيء المؤلّف على ثلاثي الفكر والنقد والأدب في تونس، وهم محمد الباردي، رائد السرديات والسيرة الذاتية الروائية، والأيقونة النقدية توفيق بكار جسر الجامعة التونسية إلى الحداثة، والأكاديمي والروائي حسين الواد صاحب الثلاثية الشهيرة الساخرة والعميقة في تعرية الواقع. ثم ينتقل ليحكي عن إبراهيم أصلان، ويُسمّيه "شاعر القصة القصيرة"، وكاتب الكاميرا، الذي استطاع تحويل نثار الحياة اليومية وهموم الهامش وأحياء إمبابة إلى سبيكة أدبية مقطرة بالبساطة والعمق اللغوي الفريد.

ويستكمل نبيل سليمان شهاداته فيُورِد الكاتبة السورية ألفة الإدلبي، التي يطلق عليها "شهرزاد الحكاية الشامية" وأم القصّة السورية، التي كرّست إبداعها للبيت الشاميّ، وتوثيق التاريخ الاجتماعي والوطني مثل الثورة السورية الكبرى وقضايا فلسطين. ويُتبعها بثلاثة من "إلياسات"، إلياس خوري: الكاتب اللبناني الذي صار فلسطينياً وسورياً، وصاحب العلامات الروائية الفارقة مثل "باب الشمس" و"الجبل الصغير"، والذي خاض مغامرة الكتابة الحداثية بلا مثال. ثمّ إلياس فركوح: الروائي الأردني الذي برع في إستراتيجية التشذير واللعب الميتا - روائي وبناء الرواية على المتن والهامش كما في "قامات الزبد" و"أرض اليمبوس". والمفكّر إلياس مرقص، المفكر النقدي الذي حفر عميقاً في الفكر السياسيّ والماركسيّ والتراث العربي، محذراً من "كلمات المخادعات" ومنافحاً عن استقلال الفكر وحرية المجتمع المدني.

ولا ينسى نبيل صديقه الناقد جابر عصفور، "القوام الثقافي" وحارس التنوير، الذي جمع بين الإدارة الحازمة والرؤية النقدية الشاملة، ومواجهة التطرف والإرهاب عبر مشروعه الفكري "الطهحسينيّ" (نسبة إلى طه حسين). ولا جمال الغيطاني، صاحب "الزيني بركات" ومجدّد السرد العربي عبر استنطاق التراث وحفريات التاريخ والتجليات الصوفية. ولا ينسى حامد بدر خان، الشاعر الكردي السوري الذي مزج بين رومانسية الطبيعة، وهموم الكادحين، وحبّ فلسطين وثورات العالم، جامعاً بين قسوة الفلاح ورقة الشاعر. ولا زميله ابن البحر واللاذقية حنّا مينه الذي يسمّيه "معلّم الرواية البحرية"، وباني عوالم اللاذقية وشخصياتها الكفاحية والإنسانية العميقة من الطروسي إلى مفيد الوحش، وكثير منها تحوّلت مسلسلاتٍ تلفزيونية أو أفلاماً سينمائية. ويتذكّر الروائيّ عبدالرحمن منيف، ساحر "مدن الملح" الذي شخّص أزمة النفط والحداثة المدمّرة، والعلاقة الملتبسة بين السلطة والإنسان. وأخيراً يلتفت إلى الكاتب عبدالسلام العجيلي، الطبيب والقصّاص والسياسي الذي أبدع في فن القصة القصيرة والمقامات والمقالة، عاكساً نبض المجتمع السوري وتحوّلاته.

ولا ينسى أيضاً الجيل الجديد من الروائيين والروائيّات السوريّين والسوريّات، فهو يذكر عدداً منهم، سليم بركات (ويرى أنه صوت روائي وشعري استثنائي وفريد، أثرى السرد العربي بلغة كثيفة ومخيلة أسطورية خصبة تستمد عناصرها من الثقافة الكردية والبيئة السورية، وخالد خليفة (1964 - 2023) أحد أبرز الروائيين الذين وصلوا إلى العالمية عبر توثيق الوجع السوريّ، وتحولات مدينة حلب بقالب ملحمي وشعري دافئ، من خلال رواياته "الموت عمل شاقّ، و"لا سكاكين في مطابخ المدينة"، و"لم يُصلّ عليهم أحد"، وكذلك الروائيّ خليل صويلح (مواليد 1959) الذي تتميز أعماله بالتأمل العميق في علاقة الكاتب بالمحيط والكتب والسلطة والذاكرة، والروائيّات روزا ياسين حسن، وشهلا العجيلي، وديمة ونوس وغيرهنّ ممّن قدّمن إسهامات روائية حديثة لفتت الأنظار عربياً وعالمياً، وناقشنَ قضايا الذاكرة، والحرب، والمنفى، وتفاصيل الإنسان المعاصر.

شهادات ودراسات

وبالانتقال إلى كتاب "ثمانون عاماً "، نقف على ما يقوله أصدقاء الكاتب في المناسبة، فهو يضم مجموعة واسعة من الشهادات والدراسات النقدية والفكرية التي توثّق وتحتفي بمسيرة نبيل سليمان الإبداعية الممتدة لأكثر من نصف قرن، في حقول الرواية، والنقد الأدبي، والمقالة الفكرية. ويتناول الكتاب محطات بارزة من تجربته الأدبية، ومواقفه الفكرية، وعلاقته بالسرد والمجتمع، وقراءات تحليلية لأبرز أعماله ومسيرته الطويلة في المشهد الثقافي الأدبي السوريّ والعربي. وشارك في إعداده كتاب وكاتبات بشهادات ودراسات من سوريا ومختلف بلدان العالم العربي ممن واكبوا مسيرته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نتوقف هنا على الأعمال الكبرى لنبيل سليمان، وعلى رأسها السلِسلة الروائية الضخمة مثل "مدارات الشرق"، حيث يُنظر إليها كملحمة سردية وثائقية وفنية تؤرّخ لتحولات المجتمع والسياسة والتاريخ في سوريا والمنطقة. لكن هذا لا يمنع التوقّف على ديمومة النبض الإبداعي عند سليمان، وكيف أن بلوغه الـ80 ليس سوى محطة في مسيرة متجددة لا تعرف التوقف عن طرح الأسئلة الحارقة حول الرواية، والتاريخ، والهوية. لذا سنجد في الشهادات والدراسات ما يستكمل صورة الكاتب المثقّف.

توزعت الشهادات والدراسات التي كتبها رفاق درب نبيل سليمان ومحبّوه على محاور عدة جوهرية، بدءاً من المحور الإنساني والأخلاقي، حيث تحدث كثير من المشاركين عن جوانب من نبيل سليمان الشخصية، مثل التزامه بقيم الحرية، وجدّيّته المطلقة في التعاطي مع الكتابة، وتأسيسه "دار الحوار" لتكون منارة ثقافية مستقلة واجهت كثيراً من الصعاب، وظلت تشكل حاضنة حرة للكتابات الجادّة. فضلاً عن المحور الروائي طبعاً، والتجديد السردي. فقد ناقشت الشهادات كيف استطاع نبيل سليمان أن يطوّر أدواته الفنية عبر العقود، من بدايات الرواية الواقعية والملتزمة، وصولاً إلى التجريب العميق وتفكيك التاريخ والذاكرة، كما هي الحال في أطياف العرش، وتاريخ العيون المطفأة، وغيرهما، وهي تعكس طاقة استثنائية على التجدّد ومواكبة التحديث.

ولم تقتصر الشهادات على إنجازه الروائي، بل توقّفت مطولاً عند مشروعه النقدي الرائد في قراءة الرواية السورية والعربية، ونقده الثقافي الذي يتّسم بالجرأة والموسوعية ورفض الأدلجة الضيقة لمصلحة رحابة الفكر والإبداع الحرّ. أما التجربة النقدية فهي تتمثّل في كتاب "الأدب والأيديولوجيا في سورية" (صدر عام 1974) مشاركة مع الناقد والمفكر بو علي ياسين، يُعد هذا الكتاب أول كتاب نقدي لنبيل سليمان (إذ شاركه في تأليفه بو علي ياسين). ويمثل قراءة نقدية باكرة ومهمة تحلل العلاقة الشائكة والمعقدة، بين النصوص الأدبية والإبداعية وبين التوجهات والأيديولوجيات السياسية والاجتماعية السائدة في سوريا خلال فترة الستينيّات ومطلع السبعينيّات، وكانا يتساءلان عن حدود الالتزام والحرية في العمل الأدبي.

وإلى هذا الكتاب يضاف كتاب آخر هو "معارك ثقافية في سورية" (صدر عام 1979، كتاب مشترك آخر جمع بين نبيل سليمان وبوعلي ياسين ومحمد كامل الخطيب). وهو يوثّق ويحلل الجدالات والنقاشات الفكرية والثقافية الساخنة التي شهدها المشهد السوري والعربي آنذاك، مسلّطاً الضوء على الصراعات النقدية وتيارات التحديث والتنوير والمواقف الفكرية للكتّاب والمثقفين. هذان الكتابان يشكلان ركيزة أساسية في فهم البدايات النقدية والفكرية الحادة والجريئة لنبيل سليمان، خصوصاً في مرحلة الاشتباك الفكري الجماعي التي طبعت فترة السبعينيات.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة