ملخص
تعرض مسرحيّة "أمان ترللي"، على مسرح مونو الصغير (بيروت)، وهي من كتابة مايا سعيد وإخراجها، وتمثيل طارق تميم وسامي حمدان. أوّلهما بدور الشرطيّ وثانيهما بدور الرجل المطرود من بيته والذي يرتكب جريمة قتل هي في الواقع "قتل الوقت". تختار مايا سعيد أن تعالج في هذا العمل الدراميّ الكوميديّ الجميل، كتابةً وإخراجًا وتمثيلاً، القضايا الزوجيّة، إنّما هذه المرّة من وجهة نظر الرجل.
بينما اعتاد الجمهور، المسرحيّات التي تلوم الرجل والمجتمع البطريركيّ والعادات الذكوريّة الظالمة للمرأة، وهي قضايا محقّة وواقعيّة وما زالت للأسف معاصرة ومطروحة، تأتي هذه المسرحيّة "أمان ترللي"، لتكون صوت الرجل في مؤسّسة الزواج. نقع على الرجل المطرود، والرجل المعنّف معنويًّا. تكشف مايا سعيد نموذج الرجل الذي تتحكّم به زوجته من خلال بطلين يضطرّان للخضوع للزوجة طمعًا في راحة البال، التي لا ينالانها حتّى مع بذلهما قصارى جهدهما.
يقدّم هذا العرض رجلاً بسيطًا مطرودًا من بيته الزوجيّ، ورجلاً آخر، هو شرطيّ، لا تتوقّف زوجته عن الاتّصال به وتكليفه بمهام ومشتريات ثمّ تعود لتتّصل لتؤكّد أنّه فهم مطالبها من المهاتفة السابقة. يضيق الرجلان ذرعًا بزوجتيهما ويروح كلٌّ منهما يشكو للآخر همومه ومشاكله في حوارات كوميديّة إنسانيّة صادقة وغير مفتعلة. ليبدو في نهاية المطاف أنّ ليلة في السجن أفضل بمئة مرّة من ليلة في البيت الزوجيّ.
تقوم المسرحيّة منذ بدايتها على ديناميكيّة نفور وتضاد، ذكيّة بين الممثّلين طارق تميم وسامي حمدان. حوار مضحك ظريف يتحوّل رويدًا رويدًا إلى حوار عميق فيه مودّة وتحالف وفضح للمشاكل والأزمات. يكتشف البطلان، الشرطيّ والمغنّي المطرود من بيته، بعد مرور وقت على اجتماعهما، أنّهما عالقان في المأزق نفسه: الزواج غير السعيد وتحكّم المرأة بهما ورغبتهما في النوم في أيّ مكان آخر سوى البيت، وإن عنى ذلك زنزانة مهترئة عفنة.
تناقش هذه المسرحيّة في عمقها مشاكل الزواج، وبشكل أدقّ، وجهة نظر الرجل في هذه المشاكل وموقفه عندما تكون المرأة متسلّطة جدًا ومستبّدة. فيتجلّى الصراع بين الممثّلين صراعًا مشتركًا ضدّ المرأة الحادّة الطباع الصعبة المراس، وهو صراع يوحّد البطلين ويضعهما كليهما في خانة الضعف. فالشرطيّ الذي يبدو في البداية ممسكًا بزمام الأمور متحكّمًا بكلّ ما يحيط به وفارضًا سلطة الدولة على الأرض، يتجلّى بلا هيبة خاضعًا لزوجته من حيث المطالب البيتيّة ومن حيث التصرّفات اليوميّة والاتّصالات التي لا تتوقّف، وأكثر بعد، من حيث علاقته بأمّه وأصدقائه والمحيطين به التي تحدّد إطارها الزوجة المتسلّطة. أمّا الرجل الثاني المفترض به أن يكون مجرمًا أو مغنّيًا مهملاً باردًا "متحرّرًا" من القيود، فيبدو رجلاً عاشقًا ينتظر رضى زوجته التي تغيّر قفل المفتاح وتطرده من البيت.
أداء متقن وممثّلان متمكّنان
يمكن القول إنّ أعمال مايا سعيد عمومًا تأتي متماسكة متينة من حيث النصّ والإخراج والفضاء الدراميّ، فإلى جانب الحبكة المتينة المكتوبة لغاية الإمتاع، إنّما أيضًا لتسليط الضوء على قضيّة اجتماعيّة في الوقت نفسه، يأتي الممثّلون المختارون بدقّة دومًا، ليجسّدوا أدوارهم بشكل ممتاز لا غبار عليه، سواء أكان ذلك في مشاهد الدراما أو الكوميديا.
ولا يختلف هذا العمل عمّا عودّتنا عليه سعيد في اعمالها السابقة، فاختيارها طارق تميم وسامي حمدان لا يمكن أن يكون أكثر توفيقًا، فكلاهما ممتع ومتوهّج وممسك بدوره بإتقان وبراعة وكاريزما رائعة. يتمتّع الممثّلان بقدرة هائلة على الانتقال من الدراما إلى الكوميديا كما تظهر سيطرتهما العالية على جسدهما وحركتهما وحواراتهما، وهو ما يجعل التمثيل معبّرًا جميلاً مقنعًا.
ومن الجدير بالذكر أنّ الديكور الضئيل إنّما الموجود والواضح والمفيد يمنح الممثّلين مساحة للجلوس والوقوف والتنقّل براحة، ويخلق لهما فضاءً دراميًّا جميلاً ومهمًّا. فالرجلان يلتقيان في الشارع، أوّلهما مطرود من بيته والثاني يطرد نفسه منه هربًا من زوجته، ليتحوّل الشارع، هذا المكان المفتوح، إلى مكان لجوء وتحرّر من البيت الزوجيّ الآسر والخانق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تفضح الحوارات الشيّقة والخفيفة والقريبة من الواقع بعفويّتها خبايا النفوس، وتمنح الشخصيّتين أبعادًا وعناصر نفسيّة متماسكة. يتابع الجمهور تطوّر بناء الشخصيّتين، وكلّما تعمّق الحوار ازدادت معرفة الجمهور بقصّة الشخصيّتين وازداد التعاطف معهما. يصطفّ الجمهور مع الرجلين مباشرة وإن لم تظهر الزوجتان ولم نعلم وجهة نظرهما، وذلك بسبب ما يخبرانه عن زوجتيهما وحياتهما ومتطلّباتها. ويبدو أنّ الصراع القائم منذ بداية المسرحيّة بين الشخصيّتين يتحوّل إلى تآلف وينقلهما إلى جبهة واحدة: جبهة الأزواج المظلومين والمقموعين.
والملفت في هذا العرض، هو العنصر الموسيقيّ وقد تولّى تأليفه الفنّان يوري مرقّدي مضيفًا لمسته على النصّ والديكور والتمثيل وعناصر الإخراج الأخرى.
مسرحيّة "أمان ترللي" مسرحيّة جميلة خفيفة كوميديّة تحمل في طيّاتها وديكورها وحواراتها الكثير من الجذالة التي تقنّع قضيّة اجتماعيّة محقّة وسديدة، نجحت عبرها مايا سعيد بإيصال فكرتها ومرسلتها بأجمل حلّة.