Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"في المدى المجدي" عرض بصري سوري يواجه الرصاص الطائش

العرس ينقلب جنازة والأفراح مآسي في لعبة يشارك فيها الفنانون والجمهور

من العرض السوري المشهدي حول الرصاص الطائش (خدمة العرض)

ملخص

تضافرت جهود فنانين عدة لتقديم عرض أدائي بصري يحمل عنوان "في المدى المجدي"، وتشاركت فيه أعمال نحتية وتصويرية وصور فوتوغرافية لتسليط الضوء على ظاهرة الرصاص العشوائي، قدم العرض الذي أشرف عليه النحات سليمان عبيد في صالة آرت هاوس (دمشق) وجسد في صيغة طقسية ما تخلفه هذه الظاهرة من آلام وندوب نفسية لا تمحى لدى ذوي الضحايا.   

بدا أن في إمكان الجمهور، في هذه التجربة المتعددة الوسائط أن يستمع ويتخيل قبل أن يرى ويشاهد، انعكس ذلك في مرايا تم توزيعها في فضاء صالة "الآرت هاوس"، وكأنها كانت تقول للزائر عندما يرى صورته فيها إنه يمكن أن يكون ضحية محتملة للرصاص الراجع من الجو، لا سيما ذلك الرصاص الذي يتم إطلاقه في المناسبات والأعياد، ولا يفرق بين امرأة أو رجل أو طفل.

هكذا اجتمعت طقوس العرس مع مراسم الجنازة في "المدى المجدي"، وهو مصطلح عسكري جاء هنا كعنوان للإشارة إلى المسافة التي تحتفظ فيها الرصاصة بقدرتها على القتل، وهي ذاتها المدة التي ربما ينقلب فيها زفاف عروسين إلى مراسم تشييع نتيجة تصرف أهوج من أحد المدعوين، تماماً كما جاء في افتتاح العرض بزغاريد ورقصات مرحة على صوت موسيقى صاخبة (شفيق ياغي)، مع توزيع صرر الحلوى على الجمهور، هذا الاحتفال قطعه صوت إطلاق عيار ناري دوى في المكان (هندسة صوتية شفيق ياغي) وأحال كل شيء فجأة إلى نقيضه، فاختفت مواكب الفرح لتحل مكانها طقوس الجنازة.

محاكاة تعبيرية تشاركت فيها الممثلتان فرح دبيات ونيكول عبيد في أداء جسدي لافت، ورافقهما غناء صوفي بصوت الفنان مجد دبوس، وقد أدى إنشاده أشعار ابن الفارض دوراً رئيساً في الانتقال بين مونولوغات الممثلتين وضبط حركتهما عبر خطين من إضاءة اللد (ساري مصطفى)، غمرت هذه الإضاءة الخافتة بفرح ونيكول وهما تسيران فوق ورود منثورة على أرضية الصالة، وشكلت مشيتهما البطيئة ما يشبه درب آلام نحو تابوت لجثمان طفل مسجى، رمز إليه القائمون على العرض بقالب من الجليد.

واعتمد العرض (إنتاج شركة أمير الشهبا) على دمج قصائد ومرثيات كموال "سلام على الأحباب" للشاعر الأندلسي ابن الزقاق البلنسي (1096-1134 م)، وترتيلة كيراليسون (يا رب ارحم)، كل هذا لم يبتعد عن نبرة رثائية خاطبت بها الممثلة جمهورها: "إننا ننتظر شيئاً لا يأتي، وأحياناً يأتي على شكل رصاصة عابرة تسوي الصخب كله بالأرض، وتتركنا نحدث الفراغ عن أشخاص كانوا هنا قبل قليل، من مات لم يكن يحتفل، ما زلت أحتفظ بظل اسمه على الجدران، ثم يأتي الخراب، حتى الخراب هنا يأتي بطيئاً ومملاً".

مسرح بديل

ويأتي "في المدى المجدي" كتجربة مسرح بديل خرجت من قوالب مسارح الإطار أو ما يعرف بالعلبة الإيطالية، نحو اختبار علاقة أكثر قرباً وحميمية مع الجمهور الذي توزع جلوساً ووقوفاً في أرجاء المكان، وهذا ما سمح بتحقيق شرط فرجة مغاير عن ثنائية الخشبة والصالة، والابتعاد عن كل ما من شأنه التأثير في لحظات خالصة من الصدق الفني، خصوصاً تلك اللحظات التي تماهت فيها ممثلتا العرض مع الموسيقى الإيقاعية الحية.

أفاد العرض من مستويات رمزية كثفت دلالاته، وأعطته أبعاداً جمالية مغايرة، توضح ذلك في المواءمة بين حضور الممثل بعيداً من وظيفة درامية محددة، واستغراقه في تقمص أجواء الفرح والفجيعة والفقدان، ووصولاً إلى تصدير شكل جديد للتلقي، يصبح فيه المتفرج جزءاً من فرضية العرض. وتتلاشى أسطورة الجدار الرابع وما يتصل بها من كسر الإيهام البريختي لمصلحة العودة إلى الطقسية كجذر قديم من جذور اللعبة المسرحية.

إلى ذلك تمكن القائمون على العرض من إيجاد حلول مبتكرة لسينوغرافيا وظفت أدراج صالة الفن التشكيلي لمصلحة الحركة، فأوجدت مستويين لفرجة متدرجة وفقاً للتناقض بين أجواء الزفاف والجنازة. وتبعاً لذلك يمكن ملاحظة الاعتناء بالفراغ كعنصر من عناصر التصميم، والابتعاد عن كل ما من شأنه التشويش على حضور الممثل، يبدو هذا الاهتمام بعيداً من الزركشة والتزيين ولخدمة سرد أقرب إلى الملحمي، سواء في نبرته الشعرية أو حتى عبر اختصار الجوقة في امرأتين تتناوبان على أداء مونولوغ واحد.             

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتسوق هذه التجربة كثيراً من أسئلة مؤجلة حول المسؤولية الاجتماعية إزاء سقوط ضحايا بسبب تفشي ظاهرة الرصاص الطائش، وهذا ما جسدته الدبيات وعبيد وهما ترفعان فردتي حذاء طفل قتيل ودفتر مدرسته، كاحتجاج صامت على جريمة دائمة ومستمرة منذ أعوام: "أهذه هي النهاية؟ كيف لي أن أتنفس هواءً كان مملوءاً به؟ الموت امتص ألوان البهجة قبل أن تكتمل، والخطوات التي اعتادت أن تطرق قلبي توقفت إلى الأبد، وتركتنا هنا وحدنا نحصي بقايا الرماد، من مات لم يكن يحلم، كان باب الدار مفتوحاً للضيوف ففتحناه للمقابر والرياح".

جميع هذه المشهديات انضوت في معرض تشكيلي ضم 32 عملاً فنياً شكلت ما يشبه سينوغرافيا موازية للعرض، صممها الفنان سليمان عبيد، فقدم 11 منحوتة (قياسات مختلفة) اعتمد فيها على خامتي الأسلاك وبرادة الحديد، مطوعاً ببراعة هاتين المادتين لنسب مدروسة في الكتلة والفراغ وتوزيع الضوء والظلال على جسد العمل النحتي، وبما يبرز عبثية الرصاص العشوائي من خلال مجاميع معدنية تشتبك في ما بينها، أو لأشخاص على هيئة مسامير يقفون أو يضطجعون في وضعيات مختلفة.

وبرزت "في المدى المجدي" معالجته البصرية عبر تقديم 22 عملاً تصويرياً (مختلفة الأحجام) لكل من الفنانين برهم عوض وسلام سلوم ورؤى بريك هنيدي، وجميعها صورت لحظات الفقد والصدمة بأساليب لونية عدة، في حين قدم محمود سالم سلسلة صور ضوئية وثقت مشاهد يومية لظاهرة إطلاق الرصاص، وكيف تحولت إلى نوع من الاستعراض المميت عند بعض المجتمعات المحلية.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون