Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 حرية التعبير... من سقراط إلى شبكات التواصل الاجتماعي

الباحث الدنماركي جاكوب مشانغاما يرصد انتصاراتها وانتكاساتها والصراعات حولها

صرخة الحرية بريشة كاندنسكي (متحف كاندنسكي)

ملخص

تعد حرية التعبير من أبرز القيم التي قامت عليها البناءات الدستورية للمجتمعات الحديثة، لارتباطها بحرية الإنسان وكرامته وقدرته على المشاركة في الحياة العامة وضمان التعددية السياسية، فأن يكون الإنسان حراً يعني، في ما يعنيه، أن يكون قادراً على التفكير والتعبير والنقاش من دون خوف من القمع أو العقاب لمجرد امتلاكه رأياً مخالفاً.

تظل حرية التعبير من أكثر الحريات إثارة للجدل، لأن الكلام لا يبقى دوماً في حدود الأفكار، ويمكن أن يتحول إلى فعل يؤثر في الآخرين، ويغير مواقفهم، ويضر بسمعتهم أو كرامتهم، وقد يسهم أحياناً في التحريض على العنف والتمييز، لذلك تثير هذه الحرية سؤالاً فلسفياً وقانونياً مهماً: كيف يمكن صون حق الإنسان في القول، من دون أن يصبح هذا الحق ذريعة للإضرار بالآخرين، أو أن تتحول حمايتهم إلى وسيلة لإسكات الأصوات المخالفة؟

عن هذه المعضلة يجيب الباحث والحقوقي الدنماركي جاكوب مشانغاما في كتابه "حرية التعبير، تاريخ من سقراط إلى شبكات التواصل الاجتماعي"، الصادر حديثاً بنسخته الفرنسية عن دار فلاماريون (2026)، ففي قراءة تمتد على نحو 2500 عام، يتتبع المؤلف المسار التاريخي والفلسفي والقانوني لهذه الحرية، منذ جذورها الأثينية القديمة، مروراً بتطورها في الفكر السياسي الأوروبي، وصولاً إلى التحديات التي فرضها الإعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، ويقدم في الوقت عينه تاريخاً لانتصار الحرية وانتكاساتها والصراعات المتجددة لتوسيع مجالها أو السعي إلى ضبطه، محذراً من أن الحرية التي تبدو راسخة قد تفقد أرضها حين يتراجع الاستعداد للدفاع عنها، عندما تكون الأصوات المستهدفة بعيدة من قناعاتنا أو من انتماءاتنا السياسية والفكرية.

تعود الجذور التاريخية لحرية التعبير، كما يوضح مشانغاما، إلى الديمقراطية الأثينية، حين برزت أهمية النقاش العلني وحق المواطنين في المشاركة في الحياة السياسية ومساءلة أصحاب السلطة. وقد عبر مفهوم "إيسغوريا" (isegoria) عن حق المواطنين في الكلام في المجال العام، فيما ارتبط مفهوم "باريسيا" (parrhesia) بصراحة القول وجرأة التعبير عن الرأي، حتى حين ينطوي على مجازفة أو مواجهة مع أصحاب النفوذ.

المشاركة المحصورة

غير أن هذه التجربة، على أهميتها التاريخية، لم تكن نموذجاً مكتملاً للمساواة، إذ ظلت المشاركة السياسية محصورة في فئات محددة، ولم تشمل النساء والعبيد وسائر من كانوا خارج جماعة المواطنين. وهكذا، اجتمع الاعتراف بأهمية النقاش الحر مع استبعاد فئات من المجتمع في مفارقة تكشف عن أن تاريخ الحرية لم يكن يوماً منفصلاً عن حدود الجماعة التي تعترف بها أو عن المصالح التي ترسم نطاقها.

وإذ يتتبع الكتاب تجارب المدافعين عن هذه الحرية، بدءاً من ديموستينوس إلى التجارب السياسية اللاحقة، لا يرى في تاريخ حرية التعبير مساراً تصاعدياً لا رجعة فيه، فقد تعاقبت عصور الانفتاح ومراحل القمع، وتبدلت الحجج التي استندت إليها السلطات لتبرير الرقابة، من حماية النظام العام إلى صون العقيدة والأخلاق، كما تكرر مشهد سياسي لافت، جماعات تطالب بحرية التعبير ما دامت خارج السلطة، ثم تسعى إلى تقييدها عندما تصبح في موقع النفوذ، هنا يستمد الكتاب أحد خيوطه الناظمة الذي يسميه المؤلف "لعنة ميلتون"، مستحضراً الشاعر الإنجليزي جون ميلتون، صاحب النص الشهير في الدفاع عن الحرية ومناهضة الرقابة، الذي انتهى به الأمر، في ظل نظام كرومويل، إلى ممارسة الرقابة نفسها، تكشف المفارقة كيف تفرغ المصالح المبادئ من معناها، فيتحول المدافع عن الحرية إلى مقيد لها حين يمنح أفكاره حماية يحجبها عن خصومه.

لكن حرية التعبير لم تتبلور، في بداياتها، كحق قانوني واضح، فقد نشأت تدريجاً من نقاشات فلسفية حول التسامح وحرية الضمير واستقلال الفرد في مواجهة السلطة، وقد أسهم باروخ سبينوزا وجون لوك في بناء حجج مناهضة للرقابة، وفي الدفاع عن حق الإنسان في التفكير والاعتقاد والبحث.

ومع عصر الأنوار، اتسع النقاش ليشمل حرية الصحافة وتداول الأفكار، وربط إيمانويل كانط استعمال العقل بإمكان التعبير العلني عنه، ثم أصبحت هذه الحرية جزءاً من الصراعات التي رافقت الثورات الحديثة وتشكل الأنظمة التمثيلية، حيث برزت العلاقة الوثيقة بين حرية الصحافة وحرية تكوين الجمعيات والمشاركة الديمقراطية، كما في فكر ألكسي دو توكفيل.

حقوق الإنسان

واكتسبت هذه التحولات صيغة قانونية بارزة مع إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي عام 1789، الذي أقر حرية التعبير، ثم مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، الذي كرس حق الفرد في اعتناق الآراء والأفكار وتلقيها ونقلها بمختلف الوسائل، لكن انتقال الحرية من مجال الفلسفة إلى النصوص القانونية لم يضع حداً للخلاف حول مضمونها وحدودها، فالقانون يستطيع أن يحمي حق التعبير، لكنه قد يصبح، إذا غابت الضمانات، أداة لتقييده أيضاً، وتظل هذه المفارقة حاضرة في صلب كتاب مشانغاما، الذي يذكر بأن الاعتراف بالحق لا يضمن وحده ممارسته، وأن الحرية لا تستقيم ما لم تحمها مؤسسات قادرة على مقاومة التعسف وثقافة اجتماعية تتقبل الاختلاف، وتتلاقى هذه التصورات عند فكرة مفادها أن المجتمع لا يستطيع تصحيح أخطائه إذا حرم أفراده من مناقشتها، ولا تستطيع الديمقراطية أن تحاسب السلطة إذا خافت من سماع الاعتراض.

لكن الدفاع عن حرية التعبير لا يعني اعتبار الكلام فعلاً محايداً، فاللغة، كما بين الفيلسوف جون أوستن تستطيع أن تنجز أفعالاً، إذ قد تكون الكلمة وعداً أو أمراً أو تهديداً أو إهانة أو تحريضاً، لذلك ينبغي التمييز بين التعبير عن فكرة، واستعمال الكلام للإضرار بالآخرين، وبين نقد سياسي، وتشهير، وبين مناقشة فكرة متطرفة، والدعوة المباشرة إلى العنف.

وتقر أنظمة ديمقراطية كثيرة بقيود قانونية على بعض صور التعبير، كالتشهير والتحريض على العنف وبعض صور خطاب الكراهية، لكن الإقرار بهذه القيود لا يعني أن كل كلام يثير الاستياء أو يصدم المعتقدات السائدة ينبغي أن يحظر، لأن النقد والسخرية والاعتراض قد تكون عناصر لا غنى عنها في النقاش العام.

هنا يطرح مشنغاما السؤال حول من يملك حق رسم الحدود بين التعبير المشروع والتعبير المحظور، فالدولة تستطيع أن تتدخل لحماية الأفراد من الضرر، لكنها تستطيع أيضاً أن تستخدم السلطة نفسها لإسكات معارضيها، وقد تتحول مفاهيم واسعة، مثل الأمن والنظام العام وحماية الأخلاق، إلى ذرائع لمنع النقد أو حجب القضايا التي لا ترغب السلطات في مناقشتها، فالمشكلة تكمن في اتساع الحدود القانونية وغموضها، وفي إمكان استخدامها ضد من وضعت الحرية أساساً لحمايتهم.

وتتجلى هذه المعضلة في العلاقة بين الدين وحرية التعبير، وهي علاقة يستحضرها مشانغاما من خلال الجدل الذي أثارته الرسوم الدنماركية المسيئة إلى النبي العربي، التي كشفت عن التوتر بين حرية التعبير واحترام المعتقدات الدينية، لكن احترام المعتقدات لا يستلزم بالضرورة منع نقدها أو السخرية منها، مثلما أن حرية التعبير لا تمنح صاحبها حق تهديد أتباع دين أو التحريض على العنف ضدهم، ويظل التمييز ضرورياً بين إتاحة مناقشة الأفكار والمعتقدات، من جهة، وحماية الأشخاص من التهديد والتمييز والاعتداء، من جهة أخرى، فحين تختلط حماية الإنسان بحمايته من كل فكرة قد تجرح مشاعره، يصبح خطر الرقابة أكثر اتساعاً، ويغدو الخلاف الفكري نفسه موضع اشتباه.

حماية الآراء

ويصر مشانغاما على أن الدفاع عن حرية التعبير لا ينبغي أن يخضع للاستقطاب السياسي أو الأيديولوجي، فالحرية التي ندافع عنها حين تحمي آراءنا لا يمكن أن نتخلى عنها حين تحمي آراء خصومنا، وإلا تحولت إلى امتياز تمنحه الجماعة لنفسها وتحجبه عن سواها، كذلك فإن الخطر لا يأتي من التيارات المحافظة وحدها، ولا من التيارات التقدمية وحدها، إذ تستطيع مختلف الاتجاهات أن تستند إلى حجج أخلاقية أو سياسية لتبرير إسكات ما لا ينسجم مع تصوراتها، وفي هذا المعنى، يشمل الدفاع عن الحرية مقاومة الميل الاجتماعي إلى إقصاء الآراء المزعجة، حتى حين يصدر هذا الميل عن جماعات تعتقد أنها تدافع عن قضية عادلة.

وتزداد أهمية هذا التحذير في عصر المنصات الرقمية، إذ أتاحت شبكة الإنترنت للأفراد نشر أفكارهم والوصول إلى جمهور واسع بسرعة وكلفة أقل، دون المرور بالمؤسسات الإعلامية التقليدية، لكنها أوجدت، في المقابل، فضاءً تتسارع فيه المعلومات المضللة وخطابات الكراهية والتحريض، وتنتشر فيه محتويات قد تلحق أضراراً بالسمعة والحقوق الفردية، وأصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى طرفاً في تحديد ما ينشر وما يحذف من خلال خوارزميات لا تتسم دوماً بالشفافية، وهكذا انتقلت سلطة تنظيم الكلام، جزئياً، من المؤسسات العامة إلى شركات خاصة تتحكم بالنقاش العام وتخضع قراراتها لمصالح تجارية، مما يجعل حرية التعبير رهينة سياسات ومصالح، قد تؤدي إلى فرض الرقابة، وتزداد المسألة تعقيداً مع تطور الذكاء الاصطناعي، الذي يسهل أيضاً إنتاج محتويات مزيفة ومضللة يصعب أحياناً التحقق من مصادرها.

ولا تنفصل هذه المسألة عن حرية الصحافة والتعددية الإعلامية، فحرية الصحافة تتصل بقدرة الصحافيين والمؤسسات الإعلامية على جمع المعلومات ونشرها والتحقيق في أداء السلطات ومساءلتها، وهما حقان متكاملان، لأن الصحافة تتيح للمجتمع الوصول إلى المعلومات ومراقبة أصحاب النفوذ، فيما تمكن حرية التعبير الأفراد من مناقشة تلك المعلومات والاختلاف في تفسيرها. وقد أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في اجتهاداتها، أن حرية التعبير من أسس المجتمع الديمقراطي، وأن حمايتها تشمل الآراء التي قد تصدم الدولة أو تزعج فئة من السكان أو تقلقها، وتكتسب هذه الحماية أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بمسائل المصلحة العامة وبأداء المؤسسات الرسمية.

لكن وجود الصحافة الحرة لا يكفي إذا افتقر المجال العام إلى التعددية، كذلك فإن إتاحة النشر للجميع لا يضمن وحده وصول المعلومات الموثوقة إلى الرأي العام، فالتعددية ليست في كثرة المنابر، لعلها تشمل تنوع الآراء، واستقلال المؤسسات الإعلامية، وقدرة الصحافيين على العمل من دون ضغط أو ترهيب، كذلك تتطلب شفافية المنصات الرقمية وضمان الحق في الوصول إلى المعلومات، من دون هذه الشروط قد تتحول حرية التعبير إلى حق شكلي، فيما تظل القدرة الفعلية على التأثير في النقاش العام محصورة في أيدي الجهات الأكثر نفوذاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تكمن أهمية كتاب مشانغاما في أنه يعيد هذه التحديات المعاصرة إلى جذورها التاريخية، مبيناً أن الأسئلة التي تثيرها المنصات الرقمية ليست جديدة، وإن تغيرت الوسائل والفاعلون، فمنذ أثينا بيريكليس، ظل الصراع قائماً بين حق الفرد في الكلام ورغبة السلطة في ضبط المجال العام، وبين الحاجة إلى حماية الأشخاص والخشية من أن تتحول هذه الحماية إلى ذريعة للرقابة، لكن المؤلف لا يدعو إلى تجاهل الأضرار التي قد يخلفها الكلام، بقدر ما يحذر من الثقة المفرطة بقدرة السلطة على التمييز بين التعبير المقبول والتعبير الذي ينبغي إسكات صاحبه.

هنا تبرز أهمية المقارنة بين التقليدين الفرنسي والأميركي في تنظيم حرية التعبير، فالنموذج الفرنسي، الذي يستند إلى إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 وإلى قانون الصحافة الصادر عام 1881، يعترف بحرية التعبير مبدأً، مع إخضاع بعض صور إساءة استعمالها لقيود وعقوبات يحددها القانون، أما التقليد الأميركي فيمنح التعبير حماية أوسع، انطلاقاً من الحذر الشديد إزاء تدخل الدولة في النقاش العام، ولكل من النموذجين منطقه وأخطاره، فالقيود القانونية قد تحمي الأفراد من التشهير والتحريض، لكنها قد تتسع لتشمل النقد المشروع، والحماية الواسعة قد تصون النقاش من تدخل السلطة، لكنها لا تمنع بالضرورة انتشار خطاب مؤذ أو مضلل، ويكمن التحدي في تحديد ضمانات تحول دون أن يصبح تنظيم التعبير وسيلة للتحكم في الأفكار، من دون إغفال الأضرار الفعلية التي قد يتسبب بها الكلام.

ويستحضر مشانغاما، في هذا السياق، إليانور روزفلت التي كانت من أوائل من دقوا ناقوس الخطر، محذرة من العواقب التي قد تترتب على الحظر الواسع وغير المحدد لخطاب الكراهية، وما قد يتيحه من فرص للأنظمة السلطوية لملاحقة المعارضين تحت غطاء حماية المجتمع، كما في الأنظمة الشيوعية التي استغلت النصوص القانونية التي تجرم هذه الخطابات لملاحقة المعارضين واضطهادهم، ففي يوغوسلافيا السابقة، سجن مؤمنون بتهمة التحريض المزعوم على الكراهية الدينية، فيما دين الكاتب الكرواتي فلادو غوتوفاتس بتهمة التحريض على الكراهية القومية، بعدما انتقد النظام. تكشف هذه الأمثلة أن القانون الذي يسن لحماية الأفراد قد ينقلب على الغاية التي أقر من أجلها، إذا افتقر إلى تعريفات دقيقة وضمانات قضائية مستقلة، فليس كافياً أن يكون الهدف المعلن هو مكافحة الكراهية، إذ ينبغي أيضاً النظر في كيفية تطبيق القانون، والجهات التي تملك سلطة تفسيره، وإمكان الطعن في القرارات الصادرة بموجبه.

إن الرحلة التي يرسمها مشانغاما، من سقراط إلى شبكات التواصل الاجتماعي، تذكرنا بأن الحرية تظل هشة ما لم يقترن الدفاع عنها باليقظة إزاء كل سلطة تسعى إلى احتكار تعريفها، فالرقابة التي يمارسها الملوك والرؤساء والمؤسسات الدينية والحكومات الاستبدادية يسهل التعرف إليها وإدانتها، لكن الأخطار قد تأتي أيضاً ممن يرفعون راية الحرية أو يطالبون بحماية المجتمع، ثم يضيقون المجال العام حين تصطدم الأصوات الأخرى بقناعاتهم، وتلك، في جوهرها، هي "لعنة ميلتون": أن يدافع المرء عن حرية القول ما دامت تخدمه، ثم يتراجع عنها عندما تصبح في يد خصمه، وهنا، تحديداً، يتضح ما إذا كانت الحرية مبدأً عاماً أم امتيازاً مشروطاً بالانتماء والموافقة.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب