ملخص
القانون في مصر ينظم صيد الطيور ويسمح بصيد نحو 21 نوعاً، لكن لا يوجد ضابط كمي يحدد الأنواع المصرّح بصيدها، فصياد واحد يمكن أن يصطاد مئات الطيور تحت زعم أن هذا الطائر مسموح بصيده، وفي الوقت نفسه هناك عدم التزام بكثير من المحددات التي تُلزم بها القوانين، مثل وضع الشباك على مسافة معينة من الشاطئ لاصطياد أنواع معينة من الطيور، ومنع استخدام مكبرات الصوت التي تطلق أصوات الطيور، فتستقطب أضعاف الأعداد ويجري صيدها، واستخدام مادة لاصقة على أغضان الشجر، فلا يستطيع الطائر الفرار، مما يشكل خطورة مضاعفة على الطيور
تعدّ مصر مساراً رئيساً للطيور المهاجرة في رحلتها السنوية بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وبينما يبقى بعضها متوطناً في مصر، فإن بعضها الآخر يتخذ البلاد محطة لاستكمال رحلته التي ربما لا تكتمل، بعد وقوع غالبيتها في شباك الصيد الجائر، سواء بصيّدها بأعداد أكثر مما هو مسموح به، أو في أماكن وبوسائل وأدوات غير مصرح بها.
وفي وقت تشير التقديرات إلى أن مصر تستقبل سنوياً ما يصل إلى نحو 500 مليون طائر مهاجر في رحلته السنوية، فإن تحذيرات صيّدها بصورة جائرة لا تكاد تنتهي، خصوصاً مع تأثيرات ذلك في التوازن البيئي والحياة البرية والتنوع البيولوجي.
وأشار تقرير "حال طيور العالم 2026"، الصادر عن منظمة "بيردلايف"، إلى أن نصف الطيور في العالم أصبحت تواجه أخطاراً وتتناقص في أعدادها، لأسباب مختلفة، من بينها التغيرات المناخية، وفقدان الموائل، وقطع الأشجار، واستخدام الكيماويات في الزراعة، والصيد الجائر. وأوضحت المنظمة في تقريرها أن واحداً من كل ثمانية أنواع من الطيور معرض لخطر الانقراض.
بعضها يُصدّر وبعضها يؤكل
في هذا الشأن يقول المدير التنفيذي للجمعية المصرية لحماية الطبيعة، خالد النوبي "مع الأسف لدينا مشكلة في التشريعات، فالقانون في مصر ينظم صيد الطيور ويسمح بصيد نحو 21 نوعاً، لكن لا يوجد ضابط كمي يحدد الأنواع المصرّح بصيدها، فصياد واحد يمكن أن يصطاد مئات الطيور تحت زعم أن هذا الطائر مسموح بصيده، وفي الوقت نفسه هناك عدم التزام بكثير من المحددات التي تُلزم بها القوانين، مثل وضع الشباك على مسافة معينة من الشاطئ لاصطياد أنواع معينة من الطيور، ومنع استخدام مكبرات الصوت التي تطلق أصوات الطيور، فتستقطب أضعاف الأعداد ويجري صيدها، واستخدام مادة لاصقة على أغضان الشجر، فلا يستطيع الطائر الفرار، مما يشكل خطورة مضاعفة على الطيور".
يضيف النوبي أن "الصيد الجائر موجود في مناطق عدة من البلاد، لكن المنطقة الأكثر تجاوزاً هي السواحل الشمالية، كونها نقطة التلاقي الأولى للطيور المهاجرة مع الحدود المصرية، فيجري اصطياد كثير من الطيور في سيناء وعلى طول الساحل غرباً حتى السلوم، وأصبح هناك اتجاه لصيد العصفوريات الصغيرة الحجم بكميات ضخمة، بعضها يُصدّر وبعضها يؤكل، إذ يباع بأسعار مرتفعة، وأصبح شكلاً من أشكال التجارة"، محذراً من أن صيد هذه العصفوريات "ستنتج عنه مشكلات كبرى، على رأسها ازدياد الحشرات، فهذه الطيور الصغيرة تتغذى على الحشرات الموجودة في المحاصيل الزراعية، وهي وسيلة للتخلص منها بكثافة، ومع استمرار الصيد الجائر للطيور سنواجه أزمة كبرى في انتشار الآفات الزراعية، مع ضرر بالغ للمحاصيل".
ويمضي المدير التنفيذي للجمعية المصرية لحماية الطبيعة، شارحاً "هناك أنواعاً من الطيور مصرّح بصيدها مثل البط، الذي كان يُصطاد بالبنادق، ولكن بهذا الأسلوب سيكون العدد محدوداً، وما يحدث حالياً هو أن بعض من يمتلكون أراض زراعية يبدأون في حفر منخفض يشبه البركة، ثم يملأونه بالعلف، فيهبط فيه البط المهاجر ويجري صيده بالشباك بأعداد كبيرة، ولذلك قلّ وجود هذه الطيور المائية بشدة في البحيرات الطبيعية التي كان لها دور كبير فيها، مثل أكل النباتات المائية الضارة، إذ يساعد هذا في زيادة الثروة السمكية، وبعض الطيور المتوطنة في مصر قلّت أعدادها بصورة كبيرة في بعض المناطق".
في عام 2023 أصدرت وزارة البيئة المصرية قراراً يقضي بمنع الصيد نهائياً في "بحيرة ناصر" الواقعة أقصى جنوب مصر، والتي تمثل واحدة من أهم مناطق تركز الطيور، سواء المحلية أو المهاجرة، كونها محطة رئيسة في مسار هجرتها، وعلى مدى الأعوام الثلاثة المتتالية التي منع الصيد فيها داخل البحيرة، لوحظ تحسن كبير في حال البيئة مع انتشار وتنوع للطيور الموجودة فيها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشير خالد النوبي، المدير التنفيذي للجمعية المصرية لحماية الطبيعة، إلى أن "بحيرة ناصر" من أكثر المناطق ثراء في ما يتعلق بالحياة البرية، وبها تنوع في الطيور، وتظهر فيها أنواع فريدة لأنها أقرب إلى أفريقيا، لافتاً إلى أنها من المناطق التي تحدث فيها عمليات صيد جائر للأنواع النادرة من الطيور، بهدف تحنيطها وتهريبها للخارج وبيعها بأثمان مرتفعة، آملاً أن يبقى قرار استمرار منع الصيد فيها قائماً، حفاظاً على الحياة البرية، خصوصاً مع المساحة الشاسعة التي تتمتع بها البحيرة.
5 مسارات لمكافحة الصيد الجائر
مع زيادة ظاهرة الصيد الجائر، بدأ اتخاذ إجراءات لمحاولة الحد من الظاهرة ونشر الوعي بخطورتها وأثرها في البيئة، وأخيراً أعلن "الفريق المصري لمكافحة الصيد الجائر وغير القانوني للطيور"، إنشاء قاعدة بيانات وطنية، بهدف تنظيم صيد الطيور وتصاريح الصيد وحماية الطيور المهاجرة، ودعم القرارات بالدراسات العلمية، ومواجهة وسائل الصيد غير المصرح بها، وتأكيد حظر الصيد داخل المحميات الطبيعية، وفق ما أعلنه الفريق.
يقول رئيس الفريق وحيد سلامة "نعمل على خريطة تتضمن خمسة مسارات رئيسة: مسار التوعية والتغيير السلوكي والمشاركة المجتمعية، ومسار آليات التمويل وبناء الشراكات مع الجهات المحلية والدولية، ومسار الإطار التشريعي والتنظيمي وآليات الإنفاذ، ويتناول تحديث التشريعات والقرارات الوزارية، إضافة إلى توظيف النظم الرقمية في التصاريح والسجلات وآليات الإبلاغ والرقابة، ومسار البحث العلمي والرصد وتبادل البيانات، ويجمع هذا المسار بين إنشاء قاعدة بيانات وطنية متكاملة، واستخدام التقنيات الحديثة في الرصد، وإجراء دراسات لتقييم الأخطار الصحية والاقتصادية المرتبطة بالصيد، وأخيراً المسار المرتبط بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، ويركز على تحليل سلاسل الإمداد والتجارة المرتبطة بالطيور التي يجري اصطيادها، إضافة إلى الإدارة التشاركية مع المجتمعات المحلية والصيادين، وتوفير بدائل معيشية مستدامة".
أما ميدانياً ومجتمعياً فيضيف سلامة حول ذلك، يضيف سلامة "نهدف للوصول إلى المجتمعات المستهدفة، وفهم دوافع الصيد، وتحديد التدخلات المناسبة لكل مجتمع وفقاً لظروفه، إضافة إلى التوعية ونشر المفاهيم، وقد اقترحنا تصميم محتوى توعوي موجه للأطفال، وتوحيد المصطلحات والمفاهيم البيئية في كتيب، وإنشاء منصة للفريق الوطني لنشر المستجدات والإنجازات، مع مراعاة الخصوصية المحلية، وتأكيد أن المجتمعات الساحلية ليست متجانسة من حيث طبيعة الاعتماد على الصيد أو الظروف الاجتماعية والاقتصادية، ومن ثمّ فإن أي تدخل مستقبلي يحتاج إلى فهم طبيعة المجتمعات المستهدفة بصورة أكثر دقة، قبل تصميم أية تدخلات".
وشدد سلامة على ضرورة أن تكون المجتمعات المحلية جزءاً من عملية تصميم وتنفيذ الحلول، لا مجرد طرف يجري توجيه الرسائل إليه، مع أهمية اختيار قيادات شعبية من داخل المجتمعات المحلية، وتعزيز الرسائل التي تشجع على المشاركة المجتمعية والمسؤولية داخل الأسرة، وهناك مقترح بمبادرة التعهد الطوعي للحد من الصيد غير القانوني، من خلال توظيف القيم الدينية والمجتمعية، وتعزيز المشاركة الطوعية للمجتمعات المحلية، عبر تنفيذ زيارات مباشرة للقيادات والشخصيات المؤثرة في البيئة المحلية.
ويدفع الحديث إلى التشارك المجتمعي في مجابهة الصيد نحو تسليط الضوء على سلوكيات بعضهم شعبياً، على وسائل التواصل، التي تأتي في الاتجاه المعاكس، وهو ما يحذر منه خالد النوبي، المدير التنفيذي للجمعية المصرية لحماية الطبيعة، قائلاً إن "بعضهم يصور عمليات الصيد في مناطق معينة، والأعداد الضخمة من الطيور التي يجري صيدها، وآخرون يقدمون وصفات أكل باستخدام العصافير أو الطيور التي جرى صيدها، وهو ما يشجع آخرين على التقليد أو التجربة، فوسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، إذ يمكنها أن تنشر الوعي بالقضايا البيئية عبر المتخصصين والصفحات المتخصصة، ويمكنها أيضاً أن تنشر السلوكيات الخاطئة التي تضر بالبيئة والحياة البرية".