ملخص
يرى روبرت ماكرام أن قائمة "بوكر" 2026 تكشف أزمة أعمق من مجرد تراجع مستوى الرواية، فالجائزة نفسها تبدو عالقة بين إرث أدبي مجيد وتحولات ثقافية متسارعة. ومع تغير عالم القراءة والكتابة، يطرح السؤال: هل لا تزال "بوكر" قادرة على الاحتفاظ بمكانتها في المشهد الأدبي العالمي المتغير؟
هل من مهمة أشد جحوداً من تحكيم جائزة "بوكر"؟ فمن البداية إلى النهاية، تبدو المهمة أشبه بعقوبة شاقة، تمتد لنحو نصف عام، يكرس أعضاء لجنة التحكيم خلالها وقتهم لقراءة نحو 150 رواية جديدة من مختلف أنحاء العالم الناطق بالإنجليزية، ثم إعادة قراءتها. وفي ذروة الموسم، قد يجدون أنفسهم أمام مهمة تقييم رواية كاملة كل يوم. فهل تتمنى مثل هذا المصير حتى لأسوأ أعدائك؟ على الأرجح لا.
وكما نعلم، لا يمكن إخضاع الأذواق لمعايير ثابتة، لكن على هذه اللجنة، التي جرى تشكيلها من أوساط أكاديمية ونجوم في عالم الشهرة، أن توفق بطريقة ما بين ميول وذوائق متباينة سعياً إلى توافق في الآراء، ولا أحد يعلم كيف يمكن تحقيق ذلك.
عام 1996، وصفت عضوة لجنة التحكيم أليسون لويز كينيدي، وهي ناقدة معروفة برصانتها عادة وعدم مبالغتها، الجائزة بأنها "مهزلة تحكمها المحسوبيات"، وقالت إن الفائز يتحدد وفقاً لـ"من يعرف من، ومن ينام مع من، ومن يبيع المخدرات لمن، ومن متزوج بمن، ودور من حان هذه المرة". وكأن شيئاً لم يتغير. أما الشاعر فيليب لاركن، الذي شارك في لجنة التحكيم عام 1977، فقد أقر بأنه كان يرغب في إلقاء نفسه من النافذة أثناء مداولات الجائزة.
لكن بعيداً من حكايات غرف النوم والشرفات، فإن المعضلة السنوية التي يتعين على حكام "بوكر" فك طلاسمها دفعتهم أحياناً إلى حافة الجنون. ففي عام 2019 مثلاً، حين كان بيتر فلورنس يترأس لجنة التحكيم، قسمت الجائزة بين مارغريت أتوود وبرناردين إيفاريستو، وسط دهشة واسعة واستياء كبير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع ذلك، أو ربما بفضل لحظات الجنون هذه (التي كان الراحل مارتن غوف يجيد إخراجها بدهاء) باتت الجائزة اليوم حاضرة في النقاش العام البريطاني، في منزلة ما بين سباق "غراند ناشيونال" وخطاب الملك السنوي في عيد الميلاد.
ومنذ مطلع الألفية، وسعت "بوكر" نطاقها لتتيح للرواية الأميركية، التي كانت مستبعدة في السابق، دخول المنافسة، كما حظيت برعاية متحمسة من الملكة كاميلا، التي أضفت روحاً جديدة داخل أروقتها.
ومع ذلك، لا تزال لجان التحكيم أسيرة جائزة ابتكرت في أندية لندن الخاصة أواخر ستينيات القرن الماضي، حين كان هارولد ويلسون رئيساً للوزراء، وكانت فرقة "بيتلز" لا تزال تسجل أغانيها الناجحة في استوديوهات "آبي رود".
كان ذلك عالماً بات يبدو اليوم سحيقاً، كأنه ينتمي إلى حقبة تاريخية غابرة، عالماً راجت فيه سائل تصحيح الأخطاء الكتابية "تيبكس" Tippex، ونسخ الطباعة الأولية، وغراء "كاو غام" Cow Gum لإعداد صفحات الكتاب يدوياً، وورق الكربون، وأندية النخبة اللندنية مثل "غاريك".
وضمت بعض أولى لجان تحكيم "بوكر" شخصيات أدبية مرموقة من أمثال ستيفن سبندر وريبيكا ويست، التي شاركت مرتين، والليدي أنطونيا فريزر وسول بيلو وإليزابيث بوين وماري مكارثي.
وفي ذلك العصر، كانت "بوكر" تؤدي دور مكتشفة للمواهب بقدر ما كانت تحتفي بالأعمال التي تتحول إلى كلاسيكيات معاصرة. فإلى جانب تكريمها في أس نايبول وبينيلوبي فيتزجيرالد، لفتت الجائزة الأنظار إلى أسماء مثل نادين غورديمر، وبيريل بينبريدج، وآيريس مردوخ، وويليام تريفور، وسوزان هيل، ودوريس ليسينغ. وليس هذا بالأمر السيئ.
إذا كانت لجنة التحكيم هذا العام قد عجزت عن مجاراة ذلك السجل الحافل، واتجهت بدلاً من ذلك إلى استكشاف موضوع "الذكورة"، مع حضور لافت على نحو غير معتاد لقضايا الهوية الذكورية والجنس والعنف المرتبط بالذكورة في القائمة القصيرة، فإن ذلك يعود جزئياً إلى أن الرواية المكتوبة بالإنجليزية حول العالم شهدت، منذ تلك الأيام الذهبية التي فاز فيها أمثال بيتر كاري، وجي أم كوتزي، وكازو إيشيغورو، ومايكل أونداتجي، وأرونداتي روي، سنوات اتسمت بشيء من الجدب الإبداعي.
ولا عيب في الإقرار بهذه الحقيقة غير المريحة. فمثلها مثل أي جائزة مضطرة إلى إصدار حكم سنوي على الأعمال المتنافسة عليها، سواء كانت "نوبل" أو "بوليتزر" أو "غونكور"، لا تكون "بوكر" أفضل من مستوى المرشحين لها. والإبداع نفسه يمر بدورات من الازدهار والانحسار. ولم يكن ممكناً لعصر ويليام غولدنغ وسلمان رشدي وإيان ماك إيوان أن يستمر إلى الأبد.
أما توقعي الشخصي، مستلهماً تجربتين من التحول الأدبي شهدتهما إسبانيا وإيرلندا، وكانتا في الحالتين استجابة متأخرة لصدمات اجتماعية وسياسية، فهو أن الرواية ستتخلص من هوسها الحالي بسوق الكتب، وستستعيد حيويتها، لكن بعد فترة من التوقف الإبداعي، لتعود وتظهر من جديد في أربعينيات هذا القرن بقوة لافتة وتأثير صادم (لكن تلك قصة أخرى).
في الوقت الراهن، ستكون لجنة تحكيم دورة 2026 قد بذلت قصارى جهدها، لكنها تواجه مهمة شاقة. فالرواية الجديدة لم تعد حدثاً يستوقف الأنظار كما كانت، في حدود ما يمكن أن تتذكره الأجيال المعاصرة، وأن شبح الذكاء الاصطناعي يخيم على المكتبات، فيما تستقطب رواية "مستخدمون" Users لـبيبان كيدرون، وهي صرخة احتجاج أدبية آسرة، بعض القراء القلقين بما تحمله من إلحاح يشبه إلحاح الرواية الجديدة.
وفي الوقت نفسه انشغل الوسط النقدي الأدبي، موجهاً اهتمامه إلى المكان الخطأ، بفكرة "موت القراءة"، وبات أكثر قلقاً حيال الحديث عن حلول "عصر مظلم جديد". وفي هذا المشهد، تبدو ماري بيرد، رئيسة لجنة هذا العام، وزملاؤها كمن قرر خوض سباق للجائزة الكبرى بسيارة "رولز رويس" كلاسيكية: فخمة وعريقة، لكنها تنتمي إلى زمن آخر.
وهنا نصل إلى القائمة القصيرة الحاسمة لجائزة "بوكر" لعام 2026. وللأسف، لا تحمل مفاجأة حقيقية. فمن الصعب توقع ذلك أصلاً في قائمة تضم فائزين سابقين هما مارلون جيمس ودوغلاس ستيوارت.
والأهم أنها تؤكد مجدداً تركيز "بوكر" التقليدي على الأدب البريطاني وأدب دول الكومنولث. ومن ثم، ستكون رواية "المختفون" The Disappearers بالتأكيد الأوفر حظاً، لكن من يدري؟ فقد تختار لجنة التحكيم إليزابيث ستراوت أو ريبيكا بيري. أما رواية أم جون هاريسون الديستوبية "نهاية كل شيء" The End of Everything، فتظل الخيار غير المتوقع القادر على قلب الحسابات.
أما "بوكر"، فعليها في الوقت الراهن مواصلة المضي قدماً بينما تتولى الملكة كاميلا الدفة. فعالم الكتب الذي تحتفي به الجائزة على هذا النطاق العالمي تغير إلى حد يكاد يستعصي معه التعرف إليه. وفي هذا العصر الذهبي للتواصل الرقمي، ربما يكمن أقوى أمل للجائزة في دورها الذي تؤديه في رعاية الكتابة الجديدة ودعمها في سوق الأدب العالمية. ففي هذا المجال تحديداً، يمكنها أن تواصل أداء وظيفة مفيدة بوصفها جهة تساعد في فرز الأعمال وإبرازها ومنحها طريقاً إلى القراء.
لكن اللغة الإنجليزية باتت اليوم تتمتع بتنوع عالمي هائل في أشكال التعبير، مما يجعل من الصعب على جائزة تتمحور إلى هذا الحد حول العالم الأنغلوفوني أن تحافظ على موقعها وتأثيرها وسط هذا الانفجار الثقافي العابر للحدود.
وماري بيرد، الضليعة في تاريخ روما القديمة، تعرف جيداً مبدأ "الخبز والسيرك"، أي استمالة الجماهير بالطعام والترفيه. وقد بذلت هي وأعضاء لجنتها ما في وسعهم لإمتاع الجمهور.
لكن في عصر "نتفليكس"، تكاد هذه المهمة تكون مستحيلة. وعلى المديين القصير والمتوسط، يظل مستقبل "بوكر" معرضاً لرياح التغيير الثقافي العاتية التي تعيد تشكيل حياة القراء العاديين. ليس مستقبل الأدب على شفا كارثة، لكن لا أحد يعرف أي شكل ستتخذه الجوائز الأدبية بحلول منتصف القرن.
© The Independent