Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خوارزميات الانتحار تختبر قوانين الانترنت في بريطانيا

وفاة تلميذة بعد مشاهدتها محتوى ساماً تعزز قرار حظر وسائل التواصل لمن هم دون 16 سنة

استطلاع للرأي يقول إن 34 في المئة من المراهقين صادفوا محتوى عالي الخطورة (غيتي) 

ملخص

خلصت الطبيبة الشرعية لمنطقة نورفولك، الأسبوع الماضي، إلى أن مشاهدة التلميذة أدريانا ريتيت (14 سنة) مقاطع وصوراً متعلقة بالانتحار على منصة "تيك توك"، ربما أدت دوراً مهماً في قرارها إنهاء حياتها، وقد أعادت القضية للواجهة الجدل حول المحتوى الذي تدفعه الخوارزميات إلى المراهقين، بعد تسعة أعوام من وفاة مولي راسل في ظروف مشابهة، وتتوزع المواقف بين هيئة تنظيمية تتهم المنصات بغياب ثقافة السلامة، ومنظمات تتهم الهيئة بالعجز، وحكومة تراهن على حظر وسائل التواصل لمن هم دون 16 سنة.

نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، أطلق نظام مراقبة مثبت على كمبيوتر محمول، سلّمته مدرسة "لانغلي" في مقاطعة نورفولك البريطانية إحدى تلميذاتها، تنبيهاً إلى عملية بحث تتعلق بطريقة للموت، وتواصلت المدرسة مع التلميذة أدريانا ريتيت ووالدتها، فنفت الفتاة أن تكون أجرت عمليات البحث تلك، وعاد استخدامها للجهاز بعدها للواجبات المنزلية المعتادة، وفق ما روته أمام جلسة التحقيق في الوفاة مديرة التسويق والاتصالات والقبول في المدرسة، كارولين بين.

وفي الثامن من مايو (أيار) الماضي، حضرت أدريانا حصصها الدراسية ولعبت كرة القدم كعادتها، وبدا سلوكها في المنزل طبيعياً، لكن والدتها وزوج والدتها عثرا عليها مساء اليوم نفسه بعد محاولتها إنهاء حياتها، وتوفيت بعد يومين على رغم محاولات إنعاشها ونقلها جواً إلى مستشفى في مدينة كامبريدج، بحسب تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" قبل بضعة أيام.

وكشف فحص أجهزة الفتاة، وفق ما عرض خلال جلسة التحقيق، أنها شاهدت عدداً من مقاطع الفيديو والصور المتعلقة بالانتحار على "تيك توك" خلال الأسبوع الذي سبق وفاتها، وقالت الطبيبة الشرعية لمنطقة نورفولك، جوانا تومسون، إن وصول أدريانا إلى هذه المواد "ربما أدى دوراً مهماً" في قرارها إنهاء حياتها ذلك المساء.

وسجلت تومسون حكماً سردياً في القضية، وأعلنت أنها تعد تقريراً لمنع الوفيات المستقبلية سيرسل إلى الحكومة، فيما أوضحت "الغارديان" أن التقرير سيوزع على جهات من بينها "هيئة تنظيم الاتصالات" (أوفكوم)، التي فتحت في وقت سابق تحقيقاً منفصلاً في مدى التزام "تيك توك" بواجباتها القانونية تجاه حماية الأطفال.

أعربت "تيك توك" عن "أعمق تعاطفها" مع العائلة، وأكدت أنها تطبق قواعد صارمة ضد أي محتوى يروج لإيذاء النفس، وتستخدم تقنيات متقدمة لرصد المحتوى المخالف لإرشاداتها وحذفه استباقياً، لكن التصريح سبق تحقيق المنصة في ما جرى مع حساب الفتاة.

وتزامنت القضية مع مثول الرئيسة التنفيذية لـ "أوفكوم"، ميلاني داوز، أمام نواب في البرلمان، إذ قالت إن الهيئة لا ترى "ثقافة سلامة" لدى شركات التواصل الكبرى، مضيفة أن هذه الشركات بطيئة في الاعتراف بأخطار من بينها طريقة تغذية الخوارزميات للمستخدمين بمواد الانتحار وإيذاء النفس، وأن الثقة بقدرتها على تنظيف خدماتها بنفسها "غير موجودة".

أما مؤسسة "مولي روز" التي أسستها عائلة مولي راسل، وتعمل في مجال منع الانتحار، فوصفت وفاة أدريانا بـ "المدمرة"، وطالبت "أوفكوم" بفتح تحقيق في خوارزمية "تيك توك" تحديداً، متهمة الهيئة بأنها تبدو "غير راغبة أو غير قادرة" على التصدي لهذا الضرر القاتل.

وقال الرئيس التنفيذي للمؤسسة، آندي بوروز، إن ثلاثة أرباع المراهقين الذين لا يزالون يشاهدون محتوى عالي الخطورة، يتعلق بالانتحار وإيذاء النفس والاكتئاب، شاهدوه على "تيك توك"، عاداً أن أية خطوة من دون فتح تحقيق في الخوارزمية، تقصير من قبل "أوفكوم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أرقام مقلقة

وتستند المؤسسة في مطالبها إلى مسح أجرته على 1825 طفلاً، تراوح أعمارهم ما بين 13 و17 سنة، في 21 مدرسة بريطانية خلال أبريل (نيسان) ومايو الماضيين، وأظهر أن 34 في المئة من المراهقين صادفوا محتوى عالي الخطورة خلال الأسبوع السابق للاستطلاع، وارتفعت النسبة إلى 47 في المئة بين الفتيات، في مقابل 23 في المئة بين الفتيان.

وأفاد 76 في المئة ممن صادفوا هذا المحتوى بأنهم رأوه على "تيك توك"، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المنصة التالية، "إنستغرام"، بنسبة 23 في المئة، وتبيّن أن خلاصات التوصيات الخوارزمية مسؤولة عما بين 59 و 62 في المئة من مجمل التعرض للمحتوى الضار.

وأشار المسح إلى أن نسبة التعرض بلغت 37 في المئة، قبل دخول تدابير حماية الأطفال حيز التنفيذ صيف عام 2025، أي أنها لم تتراجع إلا قليلاً، فيما ارتفعت النسبة إلى 57 في المئة لدى الأطفال غير المستقرين نفسياً، و40 في المئة لدى ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، ورأى سبعة في المئة من المشاركين محتوى يجعل الأفكار الانتحارية تبدو "طبيعية أو جذابة".

ولا تقتصر المؤشرات على أبحاث المنظمات الأهلية، فقد وجد متتبع "أوفكوم" لسلامة الأطفال على الإنترنت أن نحو سبعة من كل 10 أطفال، بين 11 و17 سنة، صادفوا محتوى ضاراً، وهي نسبة لم تتغير تقريباً منذ سريان واجبات السلامة في يوليو (تموز) 2025.

وفي تقرير سابق بعنوان "منتشر بالتصميم"، أجرته المؤسسة باستخدام حسابات تحاكي فتاة بريطانية في الـ15، تبين أن 96 في المئة من المقاطع التي أوصت بها "تيك توك" و97 في المئة من مقاطع "ريلز" على "إنستغرام" كانت ضارة، وفي تحليل آخر لسجلات الإشراف على المحتوى، رصدت المؤسسة أن "تيك توك" اكتشفت نحو 3 ملايين مادة تتعلق بالانتحار وإيذاء النفس، لكنها لم تعلق سوى حسابين.

أما على مستوى الوفيات، فقد سجل "مكتب الإحصاءات الوطنية" 6162 حالة وفاة انتحاراً خلال عام 2025، بمعدل 11.3 حالة لكل 100 ألف شخص، وهو معدل مماثل للعام السابق، وكانت دراسة استشهدت بها المؤسسة قد أشارت إلى أن استخدام الإنترنت المرتبط بالانتحار ورد في 24 في المئة من وفيات الشباب، بين سن 10 و19 سنة، أي ما يعادل 43 حياة سنوياً.

 

سوابق وردود

تأتي وفاة أدريانا بعد تسعة أعوام من وفاة مولي راسل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وهي أيضا في الـ14، بعد أن غذتها منصات من بينها "إنستغرام" بمحتوى يتعلق بالانتحار وإيذاء النفس، وفي سبتمبر (أيلول) 2022، خلص الطبيب الشرعي أندرو ووكر إلى أن المحتوى الإلكتروني أسهم في وفاتها بقدر "يتجاوز الحد الأدنى"، في سابقة قضائية حمّلت، للمرة الأولى، منصات التواصل جزءاً من المسؤولية عن وفاة طفلة في بريطانيا.

وتكشف قضية "منتدى الانتحار الإلكتروني"، الذي عاقبته "أوفكوم"، حدود أدوات الهيئة، ففي مايو الماضي فرضت الهيئة غرامة مقدارها 950 ألف جنيه إسترليني (1.2 مليون دولار) على مزود المنتدى، الذي يقال إنه مرتبط بأكثر من 130 حالة وفاة في بريطانيا، وكانت أول خدمة تخضع للتحقيق بموجب قوانين السلامة على الإنترنت، ورحّبت مؤسسة "مولي روز" بالقرار، لكنها رأت أنه ما كان ينبغي أن يستغرق 13 شهراً.

ثم أعلنت "أوفكوم" لاحقاً أنها غير قادرة على اتخاذ إجراء قانوني إضافي ضد المنتدى الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقراً، فيما قالت المؤسسة إنه بات مرتبطا بـ 164 حالة وفاة.

وفي مقابل التحامل على وسائل التواصل، يمكن استدعاء بعض النقاط، فالطبيبة الشرعية نفسها استخدمت صيغة الاحتمال لا الجزم، وأكدت أنه لا سبيل إلى معرفة الأسباب الحقيقية لما أقدمت عليه الفتاة، وكذلك فإن أن أول مؤشر على معاناتها ظهر قبل شهور من وفاتها عبر جهاز المدرسة، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز المنصة إلى منظومة الرعاية والمتابعة كلها.

في المقابل، تتمسك "تيك توك" بأنها تحذف أكثر من 99 في المئة من المحتوى المخالف استباقياً، وتقول إن نتائج تقارير المؤسسة لا تعكس التجربة الحقيقية للمستخدمين، ورفضت شركة "ميتا"، المالكة لـ "إنستغرام"، استنتاجات تقرير "منتشر بالتصميم"، وانتقدت منهجيته المحدودة، مشيرة إلى أن عشرات ملايين المراهقين باتوا يستخدمون "حسابات المراهقين" المزودة بحمايات مدمجة.

وتعتمد مسوح المؤسسة على إفادات الأطفال أنفسهم، فيما تظهر بيانات "مكتب الإحصاءات الوطنية" أن معدل الوفيات انتحاراً ظل مستقراً إلى حد بعيد منذ عام 2018، ولا تحسم هذه الأرقام وحدها حجم الدور الذي تؤديه المنصات، مقارنة بعوامل أخرى متشابكة.

 

الإطار التنظيمي

يُلزم قانون "التصفح الآمن للإنترنت" الصادر عام 2023 المنصات بحماية جميع المستخدمين من المحتوى غير القانوني، بما في ذلك التشجيع على الانتحار أو المساعدة عليه، وهو جريمة في القانون البريطاني، ويلزمها كذلك بمنع الأطفال من الوصول إلى المحتوى الأشد ضرراً، وفي ديسمبر 2025، أدرجت الحكومة التشجيع على إيذاء النفس الخطر، أو المساعدة عليه، ضمن "الجرائم ذات الأولوية"، بموجب القانون، ثم أصدرت "أوفكوم" بياناً في الـ25 من يونيو الماضي دمجت فيه الانتحار وإيذاء النفس في فئة ضرر واحدة، على أن تدخل التعديلات حيز التنفيذ بعد موافقة البرلمان، وتتوقع "الهيئة" إصدار تدابير إضافية خاصة بهذا المحتوى في وقت لاحق من العام الحالي.

وفي الـ 16 من يوليو الماضي، فتحت "أوفكوم" تحقيقاً رسمياً حول مدى التزام "تيك توك" بواجبات حماية الأطفال، وفق المادة (12)من القانون، مع التركيز على فعالية أنظمة التحقق من العمر، ويمكن أن تصل الغرامة في حال ثبوت المخالفة إلى 18 مليون جنيه إسترليني (نحو 24.1 مليون دولار)، أو 10 في المئة من الإيرادات العالمية المؤهلة، أيهما أكبر، وأوضحت "الهيئة" أن فتح التحقيق لا يعني التوصل إلى أي استنتاج، وأنها تتوقع إصدار تحديث في شأنه خلال أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.

أما الرهان الحكومي الأكبر فهو حظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون 16 سنة، الذي أعلنه رئيس الوزراء كير ستارمر في يونيو الماضي، ويفترض أن يسري الحظر ربيع عام 2027، ليشمل "سناب شات" و"تيك توك" و"يوتيوب" و"إنستغرام" و"فيسبوك" و"إكس"، مع استثناء تطبيقات المراسلة مثل "واتساب" و"سيغنال".

وقال ستارمر حينها إن عمالقة التكنولوجيا "أتيحت لهم الفرصة وفشلوا"، وبحسب تحليل لـ "معهد أبحاث السياسات العامة" (IPPR)، فإن ثمانية من كل 10 بريطانيين يؤيدون الحظر.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات