ملخص
من المرجح بدرجة أقوى تركيز الديمقراطيين على قضيتين رئيستين خلال العامين المقبلين، وكلتاهما تنطويان على تداعيات اقتصادية حاسمة، وهما كلفة المعيشة والفساد، إذ ينتظر أن يسعى الديمقراطيون إلى تمرير تشريعات تهدف إلى خفض كلف السلع والخدمات الأساسية، بما في ذلك الإسكان والطاقة والغذاء، إضافة إلى الرعاية الصحية وأسعار الأدوية.
بعد الفوز الساحق للديمقراطيين في الانتخابات النصفية الأميركية، وتمكنهم من السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ بهوامش مريحة للغاية، من المرجح أن يسعوا إلى الوفاء بوعودهم التي أطلقوها خلال الأشهر الأخيرة من حملتهم الانتخابية، بخاصة ما يتعلق بتفعيل السلطة الرقابية للكونغرس على السلطة التنفيذية لإدارة الرئيس دونالد ترمب.
وهنا تبقى مجموعة من الأسئلة حول حدود هذه السلطة؟ وكيف استخدمت في السابق؟ وما قائمة الأهداف المحتملة لهم خلال العامين المتبقيين على حكم الرئيس ترمب؟
كونغرس رقابي
سيحظى الكونغرس الجديد في واشنطن، الذي سيباشر مهامه في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 2027، بصلاحيات رقابية واسعة تشمل إصدار أوامر استدعاء الوزراء والموظفين الحكوميين وقادة شركات القطاع الخاص، ومراجعة الوثائق الرسمية، والتحقيق في قرارات الإدارة، وتمتد للتأثير في الإنفاق الفيدرالي، وهي صلاحيات كانت موجودة في فترة سيطرة الجمهوريين على الكونغرس طوال العامين الماضيين، لكنها لم تكن مفعلة بقدر كبير ضد إدارة جمهورية، وسيمتلك الديمقراطيون في مجلس الشيوخ حق النقض (الفيتو)، مما يمنحهم القدرة على تأخير أو عرقلة تثبيت مرشحي ترمب للمناصب القضائية والتنفيذية إذا ما اختاروا ذلك.
بعد الانتصار الكاسح في انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، توعدت قيادات الديمقراطيين في الكونغرس مثل حكيم جيفريز الذي سيقود مجلس النواب القادم، بمحاسبة من وصفهم بالفاسدين، عادَّاً أن الأيام التي كان يعمل فيها مجلس النواب كفرع تابع بالكامل لإدارة ترمب قد ولت، وتعهد زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، بوضع حد لحقبة ترمب.
لكن ماذا تعني سلطات الرقابة والتحقيق لدى الكونغرس؟ وكيف نشأت وتطورت ومورست عبر التاريخ في الولايات المتحدة إلى الآن؟
سلطات التحقيق
تعني الرقابة قدرة الكونغرس على ضمان تنفيذ القوانين التي يسنها تنفيذاً أميناً، ويشمل ذلك، طرح الأسئلة، والمطالبة بالمعلومات، وعقد جلسات الاستماع، ومساءلة السلطة التنفيذية عن تصرفاتها.
وعلى رغم أن كلمة "الرقابة" لم تذكر صراحة في الدستور الأميركي، وأن صلاحيات الكونغرس التي نص عليها الدستور في القسم الثامن من المادة الأولى، تشير فقط إلى سلطة سن القوانين، من دون الإشارة صراحة إلى دور رقابي، بينما ينص القسم الثالث من المادة الثانية، على تنفيذ الرئيس هذه القوانين تنفيذاً أميناً، فإن واضعوا الدستور اعتبروا الرقابة البرلمانية التي يمارسها الكونغرس، تمثل ركيزة أساسية للسلطة التشريعية، فقد أرادوا من الرؤساء أن يولوا اهتماماً جدياً للكونغرس، وصاغوا الدستور بحيث تظل السلطة التنفيذية خاضعة للمساءلة أمام السلطة التشريعية.
وفي المؤتمر الدستوري الفيدرالي عام 1787 الذي تمخض عنه الدستور، أشار عضو لجنة الدستور جورج ماسون إلى أن أعضاء الكونغرس يتمتعون بسلطات استقصائية، وأنه يجب عليهم الاجتماع بصورة متكررة لمراقبة سلوك المسؤولين العموميين، مما رسخ هذا المبدأ كعرف من أعراف الحكم التي مارستها دورات الكونغرس الأولى.
جلسات الرقابة الباكرة
بدأت الرقابة البرلمانية مع انعقاد أول دورة للكونغرس، حيث كانت التحقيقات البرلمانية تحال غالباً إلى لجان خاصة، وهي هيئات تشكل لأداء مهام محددة، ومنحت هذه اللجان صلاحية إصدار أوامر الاستدعاء لإلزام الأشخاص بالحضور أو تقديم وثائق، ومعاقبة الأفراد بتهمة ازدراء المجلس.
ومنذ مارس (آذار) عام 1792، بدأت عمليات الرقابة التي أجراها الكونغرس في الكشف عن إخفاقات أدت لإعفاء مسؤولين كبار من مناصبهم، وطوال القرن الـ19، واصل المجلس ممارسة هذه السلطة التي كشفت عن تجاوزات عسكرية خلال الحرب الأهلية الأميركية بعد جلسات الاستماع التي عقدت في الفترة من 1861 إلى 1865.
وفي عام 1871، شكل مجلس الشيوخ لجنة خاصة للتحقيق في أعمال العنف التي ارتكبتها منظمة "كو كلوكس كلان" العنصرية المتطرفة خلال فترة إعادة الإعمار التي تلت الحرب.
لكن في عشرينيات القرن الـ20، بدأ الكونغرس في استخدام سلطته الرقابية بصورة أكثر حزماً، إذ كشفت جلسات استماع في مجلس الشيوخ أن وزير الداخلية ألبرت بيكون فاول المعني بالإشراف على أراضي الدولة، قام سراً بتأجير احتياطات نفطية فيدرالية في ولاية وايومنغ لشركتين خاصتين، وتلقى في المقابل قروضاً شخصية وهدايا من هاتين الشركتين، وتوصل التحقيق إلى أدلة واضحة على وجود فساد، ليصبح بذلك أول عضو في الحكومة الأميركية تجري إدانته بارتكاب جناية.
وأسهمت المحكمة العليا الأميركية في تشكيل الأساس القانوني للرقابة البرلمانية من الكونغرس، حيث قضت عام 1927، بأن لجان المجلس، تمتلك صلاحية إصدار أوامر استدعاء، وإجبار الشهود على الإدلاء بشهاداتهم، وعدِّهم في حال ازدراء للكونغرس إذا تخلفوا عن الحضور.
وبعد عامين، قضت المحكمة بأن الشهود الذين يكذبون أمام الكونغرس يمكن ملاحقتهم بتهمة الحنث باليمين، مما وفر غطاء قضائياً لما كان يعد لفترة طويلة سلطة تشريعية ضمنية، مما رسخ دستورية الرقابة التي يمارسها الكونغرس.
مسيرة الرقابة البرلمانية
شهد العصر الحديث للرقابة البرلمانية تحقيق إصلاحات بالغة الأهمية، لكنه شهد أيضاً أحداثاً مؤسفة للغاية، ومن أبرز الأمثلة على الرقابة البرلمانية التي حظيت بدعم الحزبين، تلك التي جاءت استجابة للتقارير الصحافية التي أعدها كارل بيرنشتاين وبوب وودوارد من صحيفة "واشنطن بوست" حول عملية اقتحام مكاتب اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي في فندق ووترغيت بواشنطن العاصمة عام 1972، وعن محاولات التستر التي تلت ذلك من قبل إدارة نيكسون والرئيس ريتشارد نيكسون نفسه.
وخلال السابع من فبراير (شباط) عام 1973، صوت مجلس الشيوخ الأميركي بالإجماع لمصلحة تشكيل لجنة خاصة معنية بأنشطة الحملة الرئاسية، للتحقيق فيما عرف لاحقاً بفضيحة ووترغيت، مما أدى لاتخاذ إجراءات لعزل الرئيس نيكسون، والتي قادت إلى استقالته عام 1974، وسن إصلاحات قانونية تضع قيوداً مؤسسية على السلطة الرئاسية.
من المحطات البارزة الأخرى أيضاً في مسار الرقابة البرلمانية، تلك التي تلت هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001 بتشكيل لجنة مشتركة للتحقيق في الإخفاقات الاستخباراتية التي سبقت الهجمات وتلتها، وأسفرت عن توصيات جرى تبنيها لاحقاً، وشملت استحداث منصب مدير الاستخبارات الوطنية، وتأسيس وزارة الأمن الداخلي، فضلاً عن تحسين آليات تبادل المعلومات بين وكالات إنفاذ القانون.
ولا تقتصر الرقابة التي يمارسها الكونغرس على السلطة التنفيذية فحسب، بل قد تمتد لتشمل أطرافاً من القطاع الخاص عندما تثير ممارساتهم تساؤلات حول القوانين القائمة أو تستدعي سن تشريعات جديدة، ومع ذلك، قد تستخدم سلطة كشف الفساد أحياناً كأداة لتحقيق مكاسب حزبية وإثارة الرأي العام، بدلاً من توجيهها نحو محاسبة السلطة التنفيذية عن تجاوزات فعلية.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك، ما حدث خلال خمسينيات القرن الـ20، حين حول سيناتور ولاية ويسكنسن، جوزيف مكارثي، الدور الرقابي إلى ما يشبه محاكم التفتيش، مستغلاً وسائل الإعلام لتضخيم اتهاماته بوجود نفوذ شيوعي داخل الحكومة الفيدرالية وخارجها.
رقابة عصر ترمب
أما الآن، يقترب المشرعون الديمقراطيون من قيادة اللجان البرلمانية النافذة، مما يمنحهم سلطة منفردة للدعوة إلى جلسات استماع استقصائية، وإصدار مذكرات استدعاء رسمية، والمطالبة بوثائق داخلية من السلطة التنفيذية، وهي وثائق كانت محمية إلى حد كبير خلال فترة سيطرة الحزب الجمهوري على السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وستتركز جهود الرقابة على فحص الحالات التي تجاوزت فيها الإدارة صلاحياتها القانونية، ومراجعة ممارسات الإنفاق والتعاقدات بما في ذلك الإنفاق العسكري أو القرارات العسكرية الأخيرة، والتدقيق في كيفية تنفيذ الإدارة لسياساتها المتعلقة بإلغاء القيود التنظيمية ودعم الشركات.
ومن المتوقع أن يستغل الديمقراطيون صلاحياتهم الرقابية الجديدة على نطاق واسع، حيث لمح عديد من الديمقراطيين إلى عزمهم التحقيق في مصادر ثروة عائلة ترمب، بخاصة بعدما أكدت نماذج الإفصاح المالي التي نشرت في وقت سابق من هذا العام، ارتفاع ثروة ترمب الشخصية بنحو 2.2 مليار دولار منذ توليه منصبه.
وصرح النائب الديمقراطي جيمي راسكين الذي يعتقد أنه سيشغل قيادة اللجنة القضائية في مجلس النواب لصحيفة "نيويورك تايمز" بأن قائمة الأهداف المحتملة للرقابة تشمل قرارات العفو التي أصدرها ترمب، وشبهات الفساد في العقود الحكومية، وبعض الفضائح التي تمس إدارته، وهوسه بترك بصماته على المعالم الأثرية في واشنطن، حتى عندما تتجاوز بعض المشاريع سلطته.
ويرجح أن يعمد الديمقراطيون إلى التحقيق في اتهامات بأن الإمبراطورية التجارية لعائلته توسعت خلال العامين الماضيين لتشمل مجالات متنوعة، بدءاً من العملات المشفرة والطائرات المسيرة، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي وأسواق التنبؤ، وهي قطاعات حظيت بدعم سياسات إدارته.
ومن بين القضايا التي تخضع للبحث من قبل الديمقراطيين، هو ما إذا كان المتبرعون الذين ارتبطوا بفعاليات أقيمت في قاعات البيت الأبيض خلال عهد ترمب، قد حصلوا على معاملة تفضيلية من الحكومة، وما إذا كانت وزارة العدل قد استهدفت خصومه السياسيين.
قضيتان رئيستان
ومع ذلك، من المرجح بدرجة أقوى تركيز الديمقراطيين على قضيتين رئيستين خلال العامين المقبلين، وكلتاهما تنطويان على تداعيات اقتصادية حاسمة، وهما كلفة المعيشة والفساد، إذ ينتظر أن يسعى الديمقراطيون لتمرير تشريعات تهدف إلى خفض كلف السلع والخدمات الأساسية، بما في ذلك الإسكان والطاقة والغذاء، إضافة إلى الرعاية الصحية وأسعار الأدوية.
وبفضل امتلاكهم الغالبية في الكونغرس، يستطيع الديمقراطيون توظيف اللجان البرلمانية للتحقيق مع الشركات التي عمدت إلى رفع أسعار كل شيء، بدءاً من السلع الغذائية وصولاً إلى فواتير الكهرباء، وهناك سوابق كثيرة تؤكد إمكان تحقيق نتائج ملموسة من خلال امتلاك سلطة اللجان، إذ يمكن استدعاء الرؤساء التنفيذيين للشركات والمثول أمام المجلس.
ويسعى الديمقراطيون إلى خفض بعض الرسوم الجمركية، تحت ذريعة تخفيف الأعباء المعيشية، ومساءلة الشركات حول ما إذا كانت مبالغ استرداد الرسوم الجمركية قد وجهت لمصلحة المستهلكين، أم استخدمت لتعزيز هوامش أرباح الشركات نفسها، وعلى رغم عدم وجود ضمانات بأن تؤدي هذه التحقيقات إلى خفض الأسعار، قد تشكل ضغطاً على الشركات لدفعها إلى تقديم تفسيرات أو تعديل قراراتها.
حرب إيران
تعد إحدى أكثر الخطوات فاعلية التي يمكن للديمقراطيين اتخاذها لخفض الكلف هي الدفع نحو إنهاء الحرب مع إيران، فمنذ فبراير الماضي، أدى هذا الصراع إلى ارتفاع أسعار الوقود، إذ قيدت إيران حركة مرور السفن والناقلات عبر مضيق هرمز.
ويرى المحلل الاقتصادي والمؤسس المشارك لمركز البحوث الاقتصادية والسياسية دين بيكر في موقع مجلس العلاقات الخارجية، أنه بإمكان الديمقراطيين استخدام أدوات التحقيق والرقابة البرلمانية للضغط على إدارة ترمب لإنهاء الحرب، مما قد يسهم في تخفيف الأعباء عن كاهل المستهلكين، وهو مجال قد يجد فيه بعض الجمهوريين أرضية مشتركة مع الديمقراطيين.
وبحسب الباحثة في دراسات الشرق الأوسط لدى مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن إليسا إيورز من المتوقع أن يشمل تدقيق الديمقراطيين، ملف إدارة الحرب من خلال عقد جلسات استماع لكشف إستراتيجية الحرب غير الناجحة، و ستبذل جهود تشريعية لفرض إنهاء العمليات العسكرية الأميركية وتقييد أي حروب مستقبلية.
العلاقة مع إسرائيل
ربما تشمل أولويات الكونغرس أيضاً، تدقيقاً شاملاً في ملف العلاقة مع إسرائيل، حيث سيسعى الديمقراطيون إلى فرض قيود جدية على المساعدات العسكرية وتطبيق القانون الأميركي، وقد يذهبون إلى أبعد من ذلك، لا سيما إذا استمرت حكومة بنيامين نتنياهو في نهجها وسياساتها.
وسيعمل الديمقراطيون على تعزيز الدبلوماسية ودعم المصالح الأميركية فيما يتعلق بغزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، في مسعى إلى إعادة بناء أدوات العمل الدبلوماسي التي قامت الإدارة الحالية بتفكيكها، وقد تلوح في الأفق مواجهة إذا ما عمد الكونغرس إلى تجميد إخطارات الإنفاق الصادرة عن الإدارة، واستخدم عملية تخصيص الموازنة لفرض قيود على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
الرعاية الصحية
من المرجح بقوة أيضاً أن تكون الرعاية الصحية مجالاً آخر، يؤثر بصورة مباشرة وملموسة على جيوب الناخبين، فمع انتهاء صلاحية الدعم المعزز بموجب قانون الرعاية ميسورة الكلفة خلال عام 2025، يواجه عديد من الأميركيين ارتفاعاً في أقساط التأمين، لكن يمكن للديمقراطيين الآن السعي إلى استعادة هذا الدعم وإلغاء الخفض التي طاولت برنامج (ميديكير)، وهو برنامج الرعاية الصحية الحكومي المخصص للأميركيين ذوي الدخل المحدود.
ولأن الجمهوريين لن يرغبوا غالباً في أن يحسبوا على الجانب الذي يمنع الناس من الحصول على الرعاية الصحية أو يجبرهم على دفع كلف أعلى مقابلها، يمكن للديمقراطيين صياغة المشهد السياسي بطريقة تجعل ترمب لا يرغب في استخدام حق النقض.
الهجرة والطاقة
ومن المحتمل أيضاً أن يكون هدف الكونغرس الجديد ذي الغالبية الديمقراطية هو حملة ترمب المتشددة على الهجرة، بعدما أثار تعهده الإشراف على أكبر عملية ترحيل جماعي في تاريخ الولايات المتحدة ردود فعل شعبية غاضبة كشفت عن أن 65 في المئة من الأميركيين يعتقدون أن إدارة الهجرة والجمارك (آيس)، تجاوزت حدودها في جهودها.
وبسيطرتهم على مجلسي الكونغرس، يمكن للديمقراطيين بدء تحقيقات مع آيس وغيرها من الوكالات المتورطة في هذه الحملة، إذ تشير هايدي ألتمان نائبة رئيس السياسات في المركز الوطني لقانون الهجرة، على موقع المركز إلى أن تحقيقاتهم قد تسعى إلى الحصول على معلومات حول الأوضاع داخل مراكز الاحتجاز، ومزاعم سوء المعاملة، وكيفية استخدام أموال دافعي الضرائب في إنفاذ قوانين الهجرة.
ينتظر أيضاً تكثيف التحقيقات في جهود إدارة ترمب للحد من تطوير الطاقة المتجددة، وتعزيز الوقود الأحفوري والتعدين، وفتح الأراضي العامة أمام المصالح التجارية، وإجراء تحقيقات جديدة في الخطوات التي اتخذتها الإدارة للحد من إنفاذ لوائح التلوث والحد من تدفق المساعدات الفيدرالية في حالات الكوارث.
الفيتو الرئاسي
على رغم تضاؤل رصيد ترمب السياسي بعد المكاسب التي حققها الديمقراطيون، لا يزال يمتلك عدداً من الأدوات المهمة لفرض إرادته وأجندته، وأول هذه الأدوات هي حق النقض (الفيتو)، حيث هدد الرئيس باستخدامه مرات عدة خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، وكذلك في ليلة الانتخابات، لكنه أشار إلى أنه بعد استخدام الفيتو سيجلس للتفاوض مع خصومه، للتوصل إلى صيغة ما.
وتنص المادة الأولى من الدستور الأميركي، في قسمها السابع، على أن للرئيس حق نقض مشاريع القوانين التي يقرها الكونغرس قبل أن تصبح قوانين نافذة، ويمكن للهيئة التشريعية تجاوز هذا النقض، لكن الأمر يتطلب غالبية الثلثين في مجلس الشيوخ (67 صوتاً من أصل 100 مقعداً)، وغالبية الثلثين في مجلس النواب (290 صوتاً من أصل 435 مقعداً).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا يمنح حق النقض الرئيس صلاحية تغيير محتوى التشريع، لكن التهديد باستخدامه قد يدفعه لمحاولة فرض تعديلات على مشروع القانون قبل صياغته والتصويت عليه في كلا المجلسين.
وهناك صورة أخرى من صور النقض قد يكون ضاراً بصورة خاص للديمقراطيين، وهو ما يعرف بالنقض الضمني، وهو ما يحدث إذا لم يوقع الرئيس على مشروع قانون خلال 10 أيام من تقديمه إليه من قبل الكونغرس، فإذا أنهى المجلس دورته التشريعية قبل انقضاء تلك الفترة بسبب عطلة صيفية أو عطلة رسمية، على سبيل المثال، ولم يوقع الرئيس على المشروع، فإن التشريع يعد لاغياً، ولهذا يعد هذا النوع من النقض فعالاً للغاية، إذ في ظل غياب المشرعين، لا يمكنهم التصويت لتجاوز هذا النقض.
ليس بطة عرجاء
على رغم اعتقاد البعض بأن ترمب أصبح في وضع "البطة العرجاء"، وهو مصطلح في القاموس السياسي الأميركي يطلق على القادة الذين لم يعد بإمكانهم السعي لإعادة انتخابهم، وبدأ العد التنازلي لمغادرتهم مناصبهم، يظل الرئيس الجمهوري محتفظاً بسلطات واسعة كرئيس للولايات المتحدة في مجالات مختلفة، بما في ذلك العمليات العسكرية، والسياسة الخارجية. ومن ناحية أخرى، أظهر ترمب تجاهلاً واضحاً لسلطة الكونغرس وللأعراف التقليدية التي تحكم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وإضافة إلى حق النقض، يمتلك ترمب خيارات أخرى لممارسة السلطة من دون الحاجة إلى موافقة الكونغرس، حيث يمكنه اتخاذ قرارات أحادية الجانب في السياسة الخارجية، أو التفاوض مباشرة مع قادة دوليين، أو فرض تعريفات جمركية، وهي إحدى الأدوات التي كان يفضل استخدامها خلال عامه الأول في المنصب.
لكن ما لا يستطيع القيام به في مثل هذه الحالات هو إعلان الحرب، وهي صلاحية يمنحها الدستور للكونغرس، ولا يمكنه توقيع معاهدة دولية وتنفيذها من دون تصويت المشرعين على المصادقة عليها.
وعلى رغم أن الديمقراطيين باتوا يسيطرون على مجلسي الكونغرس، لا ينبغي لأحد أن يتوقع تراجع إدارة ترمب عن مسارها بسهولة، ويبدو أن المسار الأسهل لفرعي الحكم وهما السلطة التنفيذية التي يمثلها البيت الأبيض، والسلطة التشريعية التي يمثلها الكونغرس، يتمثل في التوصل إلى تفاهم والتعاون لتمرير تدابير تحظى بموافقة الطرفين، وهو ما حدث من قبل، إذ اضطر الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون إلى التفاوض مع كونغرس يسيطر عليه الجمهوريون عام 1995 لتمرير الموازنات الفيدرالية، ومع ذلك، فإن الاستقطاب المتزايد حول ما كان يعد إجراء روتينياً إلى استثناء نادر الحدوث الآن.