ملخص
البعد السياسي في تجربة الرسام الأميركي جون سلون لوك يتضح مع انضمامه إلى الحزب الاشتراكي الأميركي عام 1910، ثم توليه الإشراف الفني على مجلة The Masses بين 1912 و1916. وكانت المجلة منبراً يسارياً يجمع الكتاب والفنانين والمثقفين، وينتقد الرأسمالية والاستغلال الاجتماعي والحروب
هي مجموعة من الفنانين قامت واشتهرت عند منعطف القرنين الـ19 والـ20 في الشرق الأميركي، وعرفت لفترة باسم من الصعب تصور انطباقه عليها، "ثمانية نيويورك"، إذ حتى لو كان البعض من أبرزهم قد رسموا نيويورك كثيراً، وإلى درجة يرى معها بعض النقاد والباحثين أن لوحات هؤلاء قد خلدت تلك الفترة الزمنية من عمر المدينة، فإن نشاطهم الأساس ومنذ عام 1875 كان في فيلادلفيا، إضافة إلى أن عددهم لم يكن أبداً ثمانية. وهذا ناهيك بأن جون سلون لوك (1871-1951) من بينهم سيبقى له الأثر الأكبر في تاريخهم هو الذي ولد على أية حال في بنسلفانيا ومات في هانوفر.
فمن أين جاءهم ارتباط اسم تيارهم بالمدينة؟ بالتحديد من كم اللوحات التي رسموها لها، غيابياً أو خلال زيارات لا تنتهي. وبخاصة من ذلك لوحات سلون نفسه الذي يبقى أشهرهم وليس فقط بفضل فنه، كما سنرى بعد سطور، ناهيك بأنه كان المعلم المعترف به لعدد من أهم رسامي الحياة الاجتماعية الأميركية، بمن في ذلك عدد من الفنانين التجريديين من طينة ألكسندر كالدر الذي فاجأ كثراً حين أعلن ذات يوم أن معلمه الوحيد الذي يدين له في فنه، كان سلون، "دون أن يعني ذلك أنني متفق معه في سياساته الاجتماعية والحزبية".
مكانة مهمة
مهما يكن من أمر، باعتراف كالدر أو من دون اعترافه، وبجحود إدوارد هوبر الذي أنكر سلون هو الذي نهل منه، ليس فقط مواضيعه الليلية الاجتماعية النيويوركية، بل حتى ملونته وخطوطه وواقعيته، من دون أن يعترف أبداً بذلك، يحتل جون سلون لوك، مكانة مهمة في تاريخ الفن الأميركي الحديث، ليس فقط بوصفه أحد أبرز ممثلي جماعة "مدرسة أشكان" (Ashcan School)، ولا جماعة "ثمانية نيويورك" المزعومة من بعدها، بل أيضاً بعدِّه فناناً ارتبط مساره التشكيلي بموقف اجتماعي وسياسي واضح، إذ نعرف أنه جعل من الرسم وسيلة لكشف التفاوتات الطبقية والتعبير عن حياة الفئات الشعبية في المجتمع الأميركي.
من ثم يمكن النظر إلى تجربته بعدِّها نموذجاً لتجربة الفنان الذي لم يفصل بين رؤيته الجمالية وحساسيته الاجتماعية، وإن لم يحول لوحاته إلى مجرد منشورات سياسية. ومن هنا جاءت أهمية موضوعاته النيويوركية: الشوارع الشعبية، والمقاهي والحانات، والشرفات، والأحياء المكتظة، والنساء والرجال الذين يعيشون على هامش الرفاهية الأميركية. ففي أعمال مثل "حانة ماكسورلي" (McSorley's Bar، 1912) لا يكتفي سلون بتسجيل مشهد من الحياة اليومية، بل يمنح عالم العمال والناس العاديين حضوراً فنياً كان الفن الأكاديمي السائد يميل إلى تجاهله. لقد كان اختياره لهذه الموضوعات موقفاً ثقافياً في حد ذاته، لأنه أعاد الاعتبار إلى حياة لم تكن تعد جديرة بأن تكون موضوعاً للرسم.
عمل حزبي ولكن...
لكن البعد السياسي في تجربة سلون يصبح أكثر وضوحاً مع انضمامه إلى الحزب الاشتراكي الأميركي عام 1910، ثم توليه الإشراف الفني على مجلة The Masses بين 1912 و1916. وكانت المجلة منبراً يسارياً يجمع الكتاب والفنانين والمثقفين، وينتقد الرأسمالية والاستغلال الاجتماعي والحروب. وقد أنجز سلون رسوماً ساخرة وسياسية تناولت الظلم الاجتماعي، واستغل موهبته في فن الحفر والتصوير لتقديم خطاب بصري يتجاوز حدود اللوحة التقليدية. ومن أعماله اللافتة في هذا السياق رسمه المتعلق بحريق مصنع الملابس النسائية عام 1911، الذي كشف مأساة العمال في ظل شروط العمل القاسية.
ومع ذلك، لم يكن سلون فناناً دعائياً بالمعنى المباشر، بل كان حريصاً على استقلال الفن عن الاستخدام الحزبي، وهو مما أدى إلى خلافات مع بعض محرري مجلة "ماسز" حول توظيف الرسوم وإلحاق التعليقات السياسية بها. وانتهى الأمر بابتعاده عن الحزب والمجلة، بعدما شعر بأن الحرية الفنية تتعرض للضغط الأيديولوجي.
لعل هذه المفارقة هي ما يمنح تجربته أهميتها: فقد ظل متعاطفاً مع اليسار وقضايا العدالة الاجتماعية، لكنه رفض أن تتحول اللوحة إلى مجرد أداة سياسية. ومع مرور الوقت، اتجه إلى موضوعات أخرى، منها المناظر الطبيعية والعري والبورتريه، من دون أن يعني ذلك على الإطلاق تخليه عن حساسيته الإنسانية والاجتماعية.
بين الفن والسياسة
وبهذا المعنى من المؤكد أن جون سلون يمثل مرحلة مهمة من تاريخ العلاقة بين الفن والسياسة في الولايات المتحدة: مرحلة لم يعد فيها الفنان مطالباً بتصوير الجمال المثالي أو الاحتفاء بالطبقات الميسورة، بل أصبح قادراً على جعل المدينة الحقيقية، بتناقضاتها وفقرها وحيويتها، موضوعاً للفن الحديث.
باختصار إذاً، يمكننا أن نقول إن من أهم ما يميز سلون أنه جعل من الانحياز إلى الإنسان نبراساً له ووسيلة للتعبير الفني بل غاية لذلك التعبير أيضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومهما يكن من أمر، يمكن القول إن سيرة سلون كانت مثالية في أميركيتها، كما في ارتباطها بتيارات فنية عديدة في مستهل شبابه، وهذا الارتباط هو الذي جعل منه ذلك الرسام والمصمم ومبدع الرسوم الكاريكاتيرية، والسياسية وفنان الملصقات السياسية وذلك منذ تخرجه في أكاديمية الفنون الجميلة في بنسلفانيا حيث درس خاصة على توماس انشوتس. وهو حتى حين كان لا يزال طالباً شارك برسوم في عدد من المطبوعات المحلية حيث تطور أسلوبه في الرسم السريع المستقى من الحياة اليومية ونظرته الساخرة إلى الفئات الاجتماعية متعاطفاً مع العمال والمهمشين في أعمال تأثرت بالفن الجديد في أوروبا والملصقات اليابانية. وظل ذلك دأبه حتى تعرف على الرسام روبرت هنري الذي وجهه نحو احتراف الفن التشكيلي نهائياً.
وهكذا انتقل عام 1904 إلى نيويورك ليواصل حتى عام 1907 رسم شوارعها وحياتها الاجتماعية عارضاً أعماله بصورة خاصة في نادي الفنون الوطنية النيويوركي. وهناك تحديداً تعرف في عام 1908 على المجموعة التي ستسمى مجموعة الثمانية وواقعيي نيويورك، وأنه سيخوض النضالات الحزبية السياسية التي دفعته لترشيح نفسه في الانتخابات النيابية في دورتين متتاليتين دون أن يحقق اختراقاً ما.
ولسوف يمضي جون سلون النصف الثاني من حياته خلال العقود الأولى من القرن الـ20، تحت ظل مكانة ثابتة في تاريخ الفن الاجتماعي الأميركي، وإن كانت سنوات النضال السياسي قد خلفت لديه مرارة، لم يخفف من غلوائها إجماع الباحثين النقاد على أن فنه، في مختلف توجهاته، كان دائماً أهم من الحياة الحزبية الضيقة، والاملاءات الأيديولوجية. غير أن ذلك لم يمنعه من أن يشعر بقدر كبير من مرارة عبر عنها، تجاه من عدَّهم "تلاميذ له تجاهلوا أنهم يدينون له بكثير ومنهم إدوارد هوبر"، مقابل شعوره بالامتنان لمبدعين مثل كالدر اعتبروه أستاذاً لهم أثر فيهم تأثيراً كبيرا"، إذ إن المفارقة كمنت هنا في أن هوبر سار على خطاه، بينما افترقت طريق كالدر عنه افتراقاً تاماً.