ملخص
تحولت "بوتس" من رمز بريطاني للابتكار في الصيدلة والتجزئة إلى علامة تجارية باهتة أنهكتها تغيرات الملكية وضعف الاستثمار، في مسار يعكس تراجعاً أوسع في ثقة بريطانيا بقدرتها على الابتكار والإنتاج. وتتقاطع قصة الشركة مع أزمات التقشف و"بريكست" و"كورونا" وتدهور الخدمات الصحية، فيما يفتح استحواذ عائلة "ويستون" باباً أمام احتمال استعادة "بوتس" شيئاً من مجدها السابق.
متى كانت آخر مرة دخلت فيها صيدلية "بوتس" (Boots) واستمتعت فعلاً بتجربة التسوق؟ بالنسبة إليّ شخصياً أعتقد أن ذلك حدث معي منذ ما لا يقل عن 10 أعوام.
نظرة سريعة على فرع الشركة المحلي في منطقتي تكفي لتأكيد التدهور البطيء والمحزن لهذه العلامة التجارية، وما كان يوماً القلب النابض للشارع التجاري الرئيس، وأهم وجهة لكل الحاجات على مستوى الصحة والجمال، وتتميز بعرض منتجاتها بأسلوب نظيف ولامع على امتداد طابقين مزدحمين في قلب المدينة، أصبح الآن مجرد أطلال كئيبة.
واجهة المتجر متسخة، وقد حجب قسم منها عن الأنظار بسقالات موجودة منذ 18 شهراً في الأقل على ما يبدو، أما داخل المكان فقاتم، سيئ الإنارة بأرضيات مخدوشة ورفوف مكتظة، وتجهيزات بالية ومكسورة، شهدت أحوالاً أفضل منذ عقود، ولا يكاد المرء يجد متسعاً للتحرك، وسط الأقفاص العملاقة والمنصات النقالة المكدسة بصناديق تخزين زرقاء قبيحة، يبدو أنها أصبحت الآن من العناصر الثابتة في نهاية كل ممر.
أما الطابق الأول، فقد تحول إلى مدينة أشباح غريبة، مليئة بأغراض متنوعة لا أحد يريدها أو يحتاجها بالفعل، وقد وضعت مجموعة غريبة من مستلزمات الأطفال إلى جنب إطارات صور قبيحة، بينما يختبئ اختصاصي فحص النظر بحياء في زاوية ما، كما لو كان سراً مخجلاً.
إنها مشكلة يأمل المرء في أن ينتبه إليها المالكون الجدد للشركة، وهم عائلة "وستون" الكندية التي تعد من أصحاب المليارات، بعدما أُعلن الأسبوع الماضي أنهم على وشك الاستحواذ على "بوتس" في مقابل مبلغ ضخم مقداره 6.7 مليار جنيه إسترليني. ولا يسع المرء إلا أن يأمل أيضاً في أنهم يفكرون في طريقة لإنعاش هذه العلامة التجارية العريقة بصورة فعالة، وليس فقط في كيفية استغلالها بلا رحمة لجني مزيد من الأموال.
لم يكن الوضع على هذا الشكل منذ البداية، فقد كان اسم "بوتس" في يوم من الأيام مرادفاً للجودة والابتكار، ونموذجاً مشرقاً لقطاع التجزئة البريطاني المحلي. أسس الصيدلي جون بوت هذه الشركة منتصف القرن الـ 19، حين افتتح متجراً صغيراً لعلاجات الأعشاب الطبيعية والطب البديل في نوتنغهام، وبعد وفاته عام 1860، تولت أرملته ماري وابنه جيسي مسؤولية إدارة الأعمال، وتحت قيادة الأخير بدأت العلامة التجارية تتوسع وتتبلور بصورة حقيقية.
أرست رؤية جيسي الشهيرة الطابع المميز الذي اشتهرت به متاجر "بوتس" لاحقاً، فقد استأجر مبنى أكبر واشترى العقارات المجاورة، ووظف مهندساً معمارياً محلياً ليُعيد تصميم المبنى ويُنشئ مساحة عرض واسعة وأنيقة، ومثل أي مبتكر، أحدث جيسي ثورة في نموذج الصيدليات السائد آنذاك، إذ عرض إلى جانب الأدوية المعتادة منتجات فاخرة، مثل العطور ومستلزمات النظافة الشخصية وجوارب النساء وفرش الشعر الفاخرة.
ولسنا معروفين عبثاً بأننا أمة من أصحاب المتاجر، فلقد كان هذا الشكل من المساحات التجارية جديداً، ويميّزه طابعه الفريد، وأدرك جيسي بصورة فطرية مدى أهمية توفير تجربة تسوق ممتعة، وقد غمرت الواجهة الزجاجية بالكامل المتجر بضوء الشمس، وكانت الأعمدة المطلية باللون الذهبي وواجهات العرض الجذابة تغري المتسوقين بدخول المتجر ليجدوه مكاناً أشبه بمتجر فاخر متعدد الأقسام، تتوزع منتجاته على طوابق عدة (يمكن الوصول إليها من طريق السلالم أو مصعد هيدروليكي أنيق).
حتى الصيدلي كان يضع الأدوية في عبوات جذابة، في حين كانت بعض الأقسام مزودة بغرف انتظار فاخرة خاصة بها، وكان أبرز ما في المتجر مرحاض نسائي فاخر، وهو أحد أوائل المراحيض التي جرى تجهيزها داخل المتاجر بخاصة للمتسوقين.
وقد حقق هذا التصميم المتطور الذي ركز على حاجات العملاء نجاحاً باهراً، وافتتحت فروع أخرى في شفيلد ولينكولن عام 1884، وبعد أقل من 50 عاماً، كانت شركة "بوتس" قد افتتحت أكثر من 1000 متجر في جميع أنحاء المملكة المتحدة، وهي تمتلك اليوم نحو 1800 متجر، ولا تزال واحدة من أكبر شركات البيع بالتجزئة داخل المملكة المتحدة وإيرلندا، إذ تبلغ مبيعاتها السنوية 7.5 مليار جنيه إسترليني.
وقد تجاوزت روح الريادة تلك حدود المتاجر بكثير، فقبل الحرب العالمية الأولى كانت ألمانيا هي الرائدة عالمياً في مجال المستحضرات الصيدلانية، وعندما انقطعت الإمدادات، تعاقد جيسي مع علماء تمكنوا من تطوير الأسبرين والسكرين المصنوعين في بريطانيا بنجاح، فوُلدت بذلك صناعة دوائية محلية مكتفية ذاتياً. وفي ثلاثينيات القرن الـ 20، لاحظت فلورنس بوت وجود نقص في السوق لمنتجات العناية بالبشرة ومستحضرات التجميل، ذات الجودة العالية والأسعار المعقولة المخصصة لنساء الطبقة العاملة، مما أدى إلى إطلاق علامة "رقم 7".
وخلال ستينيات القرن الماضي، ابتكر باحثو "بوتس" عقار الـ "إيبوبروفين"، الذي أحدث ثورة في مجال تسكين الألم في جميع أنحاء العالم.
ولكن في حين أن سلسلة "بوتس" لا تزال حاضرة في شوارع التسوق الرئيسة وأرباحها الصافية لم تتضاءل، فإن بريق متاجرها نفسها، وشرارة الابتكار التي كانت ذات يوم جزءاً لا يتجزأ من جوهر العلامة التجارية، قد خبآ بالتأكيد، واليوم مثلما تدهور وضع عمالقة السوق البريطانية السابقين الآخرين، على مدى الأعوام الـ 30 الماضية، بما فيهم "ويلكو" و"دبليو إتش سميث" و"دبنهامز"، فيبدو أن "بوتس" قد وقعت ضحية المصير البطيء والحتمي نفسه.
في حين أن متاجر "بوتس" لا تزال حاضرة في شوارع التسوق الرئيسة فإن بريق متاجرها نفسها قد خبا بالتأكيد
ولعل هذا الأمر ليس بالمستغرب، إذا ما أخذنا في الاعتبار تاريخ هذه السلسلة خلال هذا القرن، وهو مسار يخبرنا كيف أننا في المملكة المتحدة لا نمانع، على ما يبدو، في بيع "مقتنيات العائلة الثمينة"، ففي عام 2007 أصبحت الشركة الأم لـ"بوتس" أول شركة على الإطلاق مدرجة في مؤشر "فوستي 100" (FTSE 100) تُباع إلى شركة استثمار خاصة، واضطرت العلامة التجارية التي كانت بريطانية بكل فخر، في يوم من الأيام، إلى نقل مقرها الرئيس إلى سويسرا.
وبحلول عام 2014، استحوذت سلسلة الصيدليات الأميركية العملاقة "وولغرينز" عليها، واندمجت معها لتشكيل "تحالف وولغرينز- بوتس"، والصيف الماضي اشترت شركة استثمار خاص أميركية المجموعة بأكملها، وفصلت "بوتس" لتصبح شركة مستقلة مرة أخرى، وبعد أقل من عام عُرضت العلامة التجارية للبيع مجدداً.
إن قصة العلامة التجارية البريطانية "بوتس"، التي كانت كبيرة الشأن في يوم ما، تتجاوز مجرد كونها عِبرة تنذر بـ "زوال السوق المركزي"، أو جشع المالكين المتعاقبين الذين فضلوا جني الأرباح على تحديث المتاجر وتحسينها. بل إنها في الواقع بمثابة طائر الكناري المريض في منجم الفحم، إذ تعكس حالاً من ركود أوسع نطاقاً، في ما يتعلق بصحة الأمة، ومدى انهيار ثقتنا كدولة في قدرتنا على طرح أفكار ريادية وصناعة الأشياء بأنفسنا.
من المثير للسخرية أن أول عملية بيع لشركة "بوتس" إلى صندوق استثمار خاص تزامنت مع الأزمة المصرفية العالمية والركود الاقتصادي الذي تبعها، وهي الفترة التي شهدت تدمير تمويل الرعاية الصحية والاجتماعية، جراء سياسة التقشف الصارمة التي انتهجتها الحكومة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعد أقل من 10 أعوام، صوّتت المملكة المتحدة لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، في خطوة وضعت عبئاً كبيراً على "هيئة خدمات الصحة الوطنية"، وتسببت بوفاة 1485 شخصاً إضافياً كل عام، خلال الأعوام الثلاثة التي أعقبت الاستفتاء، نتيجة مغادرة الممرضات والممرضين الأوروبيين البلاد، وفيما كنا نتعافى من "بريكست"، ظهرت "جائحة كورونا" لتوجه ضربة قاسية أخرى غير مسبوقة لنظام الرعاية الصحية الذي كان يشهد صعوبات بالفعل.
وبما أننا نتحدث عن "كورونا"، فإن دور شركة "بوتس" (أو غيابه) يوفر مقارنة تلقائية مع أزمة عالمية سابقة أثرت في قطاع الصحة، فخلال الحرب العالمية الثانية عهدت الحكومة البريطانية إلى هذه الصيدلية بمسؤولية الإنتاج الضخم للبنسلين، وأصبح مصنعها في نوتنغهام أكبر منشأة لتصنيع المضادات الحيوية في العالم.
مع تفشي جائحة عام 2020، ساعدت العلامة التجارية في إعطاء اللقاحات، لكنها لم تطلع بأي دور على الإطلاق لجهة تطويرها أو إنتاجها، فقد توقفت "بوتس" تماماً عن إجراء البحوث وتطوير وتصنيع الأدوية التي تصرف بوصفة طبية خلال تسعينيات القرن الماضي، عقب إخفاق دواء "مانوبلاكس" (Manoplax) المخصص لعلاج قصور القلب الاحتقاني على مستوى السلامة، وقد بِيع هذا القسم الذي كان يعتبر ذراع الشركة الابتكاري الرائد ذات يوم، إلى مجموعة "BASF" الألمانية في مقابل 850 مليون جنيه إسترليني عام 1995.
قصة "بوتس" أكبر من مجرد كونها عبرة تنذر بزوال السوق المركزية
منذ جائحة كورونا، طالت قوائم الانتظار في "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" أكثر من ذي قبل، في حين تبيّن أن أداء المملكة المتحدة في مجال الرعاية في المستشفيات يحتل دائماً المرتبة شبه الأخيرة، في استطلاع رأي عام أجرته "مؤسسة الصحة" العام الماضي، وشمل 10 دول مرتفعة الدخل، وقد أدى نقص الأسرّة في المستشفيات إلى انتشار كبير لظاهرة "الرعاية في الممرات"، حيث يُعالج نحو 3 آلاف مريض في قسم الطوارئ يومياً وسط الممرات، وفي غرف التخزين والمقاهي، وقد خلّف كل هذا عواقب وخيمة، ففي عام 2023 سجّل متوسط العمر المتوقع في المملكة المتحدة معدلاً أقل من جميع الدول المماثلة تقريباً بالنسبة إلى الرجال، والأدنى بالنسبة إلى النساء.
يمكن القول إننا أصبحنا حرفياً ومجازياً "رجل أوروبا المريض"
لكن شركة "بوتس" تتطلع إلى فصل جديد في الأقل، فأُسرة ويستون ليست غريبة عن قطاع التجزئة في المملكة المتحدة، إذ يمتلك فرعها البريطاني حصة مسيطرة في شركة "بريمارك"، من خلال شركتها الأم "أسوشيتد بريتيش فودز" التي تملك علامات تجارية معروفة أخرى، مثل "توينينغز" و"ريفيتا"، كما كانت تملك سابقاً سلسلة متاجر "سيلفريدجز" الفاخرة، قبل أن تبيعها عام 2022.
هل تستطيع عائلة "ويستون" أن تمنح "بوتس" حياة جديدة؟ والأهم من ذلك أن تضخ المبالغ المطلوبة التي تحتاجها هذه العلامة التجارية العريقة بشدة، لاستعادة مجدها السابق؟ في الأقل توفر عملية الاستحواذ الأخيرة بارقة أمل، فلنأمل ألا يمر وقت طويل قبل أن ينطبق الأمر نفسه على بقية أنحاء البلاد.
© The Independent