ملخص
تصديق البرلمان الليبي على الاتفاق البحري مع تركيا يعيد الخلافات المصرية التركية إلى الواجهة، ويهدد بتعقيد توازنات شرق المتوسط، وسط حسابات قانونية واقتصادية وتحالفات إقليمية قد تحدد مستقبل العلاقات بين القاهرة وأنقرة.
بعد نحو 4 أعوام من استعادة العلاقات بين مصر وتركيا وتنسيق البلدين في عديد من ملفات الإقليم، ربما يعود البلدان إلى مربع التوتر إثر تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم مع تركيا وقعت عام 2019 في شأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، وهو ما اعتبرته أنقرة "نجاحاً دبلوماسياً"، بينما أكدت القاهرة "رفضها" الاتفاق، ووصفته بـ"الباطل ومعدوم الأثر القانوني".
وظلت ليبيا سنوات ساحة للتنافس بين مصر، الجارة الشرقية ذات الصلات الوطيدة بمجلس النواب في شرق البلاد والجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر، وتركيا التي دعمت السلطات المعترف بها دولياً في طرابلس، في خضم الانقسام الذي يخيم على ليبيا منذ إطاحة معمر القذافي عام 2011. وبلغ الصراع بين البلدين ذروته عام 2020 خلال المواجهات بين الجيش بقيادة حفتر وقوات الحكومة في طرابلس التي لجأت إلى اتفاق عسكرية مع أنقرة تسمح بنشر قوات تركية. وفي يونيو (حزيران) عام 2020 أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي "سرت – الجفرة" خطاً أحمر لا يسمح بتجاوزه من جانب قوات الغرب.
لكن، الشرق الليبي هذه المرة وقف في صف تركيا، حيث جاءت موافقة مجلس النواب في بنغازي بالإجماع على مصادقة واعتماد مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين حكومة الوفاق الوطني وتركيا حول تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط.
الرد المصري جاء شديد اللهجة، إذ أعربت القاهرة عن رفضها القاطع قرار مجلس النواب الليبي، وذكر بيان وزارة الخارجية المصرية أن مذكرة التفاهم وقعها فايز السراج من دون تسمية صفته حينها كرئيس لحكومة الوفاق الوطنية، ووصفت المذكرة بأنها باطلة ومعدومة الأثر القانوني، ولا يرتب التصديق عليها من مجلس النواب الليبي أي آثار قانونية بالنسبة إلى مصر.
كانت مصر عند توقيع مذكرة التفاهم عام 2019 عدت السراج غير ذي صفة لتوقيع اتفاق دولية، وفق الصلاحيات المحددة لحكومة الوفاق الوطني في اتفاق الصخيرات، وأكد وزير الخارجية المصري حينها سامح شكري أن امتلاك مصر حدوداً برية وبحرية مع ليبيا، يجعلها صاحبة مصلحة في الدخول في أي ترسيم مباشر للمناطق البحرية.
إلا أن الموقف المصري كان يعززه رفض مجلس النواب الليبي تحركات السراج، حتى إنه اتخذ قراراً عام 2020 بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة، ألغي في نفس جلسة المصادقة على مذكرة التفاهم التي عقدت الثلاثاء الماضي في بنغازي.
لماذا تغير موقف الشرق الليبي؟
يرى نائب رئيس تحرير مجلة "الديمقراطية" كرم سعيد، أن تناقض موقفي مجلس النواب الليبي بين عامي 2019 و2026 يرجع إلى خطوات متلاحقة من التقارب بين تركيا وشرق ليبيا خلال السنوات الماضية. وربط التطورات الأخيرة بمحاولات نائب قائد الجيش صدام خليفة حفتر، لتعزيز علاقاته مع أنقرة وتوسيع نفوذه في ليبيا، وأشار إلى زيارات عديدة متبادلة أخيراً، كان أبرزها زيارة وزير الخارجية التركي إلى بنغازي في أغسطس (آب) الماضي.
وأوضح سعيد، وهو خبير بالشأن التركي لـ"اندبندنت عربية"، أن قرار مجلس النواب جاء تزامناً مع التغيرات السياسية الأخيرة في شرق ليبيا، التي تمثلت في إقالة عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، واختيار الصالحين عبدالنبي رئيساً جديداً، وهو الذي شغل سابقاً رئيس لجنة الصداقة الليبية التركية، إضافة إلى اتساع نفوذ صدام حفتر، الذي يقود مسار التقارب مع أنقرة.
وعقب قرار مجلس النواب الليبي، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اتصالاً هاتفياً مع صدام حفتر ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة لشكرهما على دورهما في مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم. وفي تصريحات تلفزيونية، قال فيدان إن المذكرة مشروعة تماماً من الناحيتين القانونية والسياسية، واعتبرها "نجاحاً دبلوماسياً" لأنقرة، مضيفا أن "ثقة أشقائنا الليبيين بتركيا والاستقرار الذي سيحل في شرق البحر المتوسط أمران بالغا الأهمية".
وبعد يوم من التصويت، أكد رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبدالنبي أهمية مذكرة التفاهم مع تركيا لمصالح الشعب الليبي، معتبراً ذلك "قراراً سيادياً" ومن حق الدولة الليبية أن ترعى مصالحها، وأنه لا يمس مصالح الدول الأخرى.
وقال النائب الثاني لرئيس المجلس مصباح دومة أوحيدة إن تغير موقف البرلمان الليبي يرجع إلى أن دور تركيا بات يتركز في الإعمار والتنمية الاقتصادية، بينما كان الموقف السابق نتيجة لعدم احترام السيادة الوطنية.
ويرى مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير فوزي العشماوي أن تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم ينذر ببدء إجراءات لاستغلال النفط والغاز، وهو ما قد يثير قلاقل وحساسيات إقليمية، في ظل اعتراض مصر واليونان وقبرص على الاتفاق باعتبارها غير دقيقة، وتتجاهل وجود جزر تقطع التواصل بين السواحل التركية والليبية وفقاً لقانون البحار.
ولوحت مصر، في بيان صادر من وزارة الخارجية، باحتفاظها بحماية حقوقها وفق القانون الدولي في حال قيام أي طرف بالاستناد إلى تلك المذكرة، وإجراء يتعارض مع الحدود البحرية المصرية المعلنة.
وقال العشماوي لـ"اندبندنت عربية" إن تقييم مدى إضرار هذا الترسيم بالمصالح المصرية أو إمكان تعديله من دون التأثير في علاقات القاهرة بأثينا ونقوسيا يرجع للخبراء والمتخصصين في وزارات الدفاع والخارجية والبترول، مشدداً على أن مصر وتركيا تملكان الكوادر الفنية والقانونية القادرة على دراسة الخرائط وحقول الغاز والحدود البحرية بعناية وهدوء للوصول إلى صيغ متوازنة.
هل ترتد القاهرة وأنقرة إلى التوتر؟
وأوضح العشماوي أن العلاقات المصرية - التركية شهدت تطوراً كبيراً وتنسيقاً في ملفات متعددة كالملف الليبي والسوداني وتهدئة الأوضاع بالخليج، وهو ما يجعل ارتدادها إلى مستويات التوتر السابقة "أمراً مستبعداً". وأضاف أن أي تمدد تركي لا يراعي المصالح المصرية سيعزز الحساسيات بين الجانبين.
ومنذ استعادة القاهرة وأنقرة علاقاتهما الدبلوماسية عام 2023، شهدت صلات البلدين نمواً متسارعاً توجت بزيارات متبادلة بين الرئيسين عبدالفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان، وجرى الإعلان عن مجلس الشراكة الإستراتيجية، مع إقرار هدف مضاعفة التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028. وتشارك البلدان في جهود الوساطة للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة العام الماضي، مع كل من الولايات المتحدة وقطر.
وأشار المتخصص في الشأن التركي كرم سعيد إلى أن إصرار تركيا وليبيا على نقل هذا الاتفاق من الإطار التشريعي إلى التنفيذي قد يؤدي إلى "عودة التوتر في العلاقات بين مصر وتركيا"، مشدداً على أن القاهرة تملك أدوات تأثير متعددة في المشهد الليبي وعمقاً إستراتيجياً ومصالح واسعة تمكنها من التحرك على المستويات القانونية والدبلوماسية والسياسية، مما يضع تنفيذ الاتفاق محل شكوك كبيرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوقع سعيد الاستمرار في فرض الاتفاق سيزيد من إرباك التوازنات وحجم الصراع في منطقة شرق المتوسط، مستدركاً أن تركيا ستكون أكثر حرصاً على الحفاظ على علاقاتها مع مصر، لإدراكها أن القاهرة تشكل بوابة إستراتيجية لعبور المنتجات التركية إلى أفريقيا، وأن أي تحرك تركي في ليبيا لا يمكن أن يتجاوز الدور المصري، مما يرجح أن يكون الاتفاق محل نقاش وإعادة نظر خلال المرحلة المقبلة.
من جانبه أكد المحلل السياسي التركي محمود علوش، أن الاعتراض المصري على إقرار البرلمان الليبي للاتفاق يعكس عدم رضا القاهرة عن هذا المسار، موضحاً لـ"اندبندنت عربية" أن العلاقات المصرية - التركية شهدت خطوات متقدمة خلال السنوات الأخيرة، وتخللها تعاون ملموس في الملف الليبي لدعم جهود إنهاء الانقسام، لافتاً إلى أن المرحلة القادمة ستشكل اختباراً حقيقياً لمدى صلابة العلاقات بين البلدين وحدود انسجام موقفهما في ليبيا في ظل وجود ملفات لا تزال في حاجة إلى توضيح.
وأضاف أن تركيا تولي أهمية إستراتيجية كبيرة لعلاقاتها مع مصر، وتسعى إلى تحييد القاهرة عن الصراع القائم بين أنقرة من جهة وإسرائيل واليونان وقبرص من جهة أخرى حول ملف شرق المتوسط، مؤكداً أن الجانب التركي لا يرغب في إحداث أي اضطراب في علاقاته مع مصر بسبب الملف الليبي.
وكان وزير الخارجية التركي قد رد على "الدول المعترضة" بالقول إن "بعضها يعترض لأنه يرى أنه ينبغي له الاعتراض، فيما تواجه دول أخرى مشكلات إستراتيجية حقيقية تتعلق بهذا الملف". وفسر علوش ذلك التصريح بأنه أنقرة تضع مصر في التصنيف الأول، وهو ما يظهر حرص أنقرة على تجنب التصادم مع مصر.
حسابات مصرية مع أوروبا
وأشار إلى أن تركيا تحاول تقديم عروض للقاهرة باعتبار أن التعاون بينهما في شرق المتوسط يخدم مصالح الطرفين، غير أن مصر تمتلك حسابات واعتبارات متعددة مرتبطة بعلاقاتها وثيقة الصلة مع اليونان والاتحاد الأوروبي، وهي الاعتبارات التي تؤدي دوراً أساساً في إبقاء الموقف المصري متحفظاً تجاه التنسيق مع تركيا في تلك المنطقة.
وأعلنت كل من اليونان وقبرص وإسرائيل والاتحاد الأوروبي عن رفضها أيضاً لتصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم. وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي ونظيره اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس خلال اتصال هاتفي رفض البلدين القاطع لقرار مجلس النواب الليبي، وشددا على "أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المتعلقة بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، التي تعتمد مبادئ العدل والإنصاف بين الدول".
ووقعت مصر واليونان اتفاق لتعيين الحدود البحرية في أغسطس 2020، بعد أشهر من اعتراضهما المشترك على مذكرة التفاهم التي وقعها السراج وأردوغان، فيما لم تدخل تركيا طرفاً في اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، في حين وقعت ليبيا الاتفاق من دون التصديق عليها.
وتعترض أثينا ونيقوسيا على مذكرة التفاهم باعتبارها تتجاهل الجرف القاري لجزر في البحر المتوسط، وأبرزها كريت اليونانية. وتحاجج الدول المعترضة بأن ليبيا وتركيا ليس بينهما سواحل متقابلة تسمح برسم حدود بحرية بينهما، بينما ترى أنقرة أنه لا يمكن منح الجزر نطاقاً مائياً كاملاً، وأنه يجب الأخذ في الاعتبار الظروف الجغرافية وأطوال السواحل.
ويرى المتخصص في الشأن التركي أن هذا الاتفاق يواجه تحديات وعقبات كبيرة، تجسدت في ردود الفعل الرافضة من الاتحاد الأوروبي وعدد من القوى الإقليمية، التي اعتبرت الاتفاق متعارضاً مع مبادئ القانون الدولي واتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، مما يجرده من أي أثر قانوني من وجهة نظر المجتمع الدولي.