Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مرضى الكلى في العراق... الداء داهم والدواء غائب

القانون يوفر لهم حصصاً علاجية لكنهم لا يجدون عقاقير في المستشفيات حتى بعد العمليات الجراحية

أعلنت وزارة الصحة شمول مرضى الفشل الكلوي وعمليات زراعة الكلى للمتبرع والمتلقي بالضمان الصحي مجاناً (اندبندنت عربية)

ملخص

دفع انقطاع الأدوية المثبطة للمناعة مرضى زراعة الكلى إلى الاحتجاج أمام دوائر الصحة في جنوب العراق، مطالبين بتأمين علاجهم مجاناً وبانتظام، ففي الـ16 من سبتمبر الماضي، تجمع عشرات المرضى أمام مبنى دائرة صحة ذي قار في الناصرية، مرتدين الكمامات خشية العدوى، ورفعوا لافتات كُتب عليها "امنحونا الحياة بتوفير الدواء" و"العلاج حق كفله القانون"، احتجاجاً على تكرار الانقطاع وارتفاع أسعار العلاج في الأسواق.

أجرى الصحافي مهند الغزي عمليتي زراعة كلى في العراق على نفقته الشخصية، بعدما فشلت العملية الأولى التي أجراها في أربيل عام 2023، بعد شهر من إجرائها، ليخضع لعملية ثانية في السليمانية من العام ذاته، ومنذ شهرين وهو يشتري الأدوية المثبطة للمناعة التي يحتاج إليها لحماية كليته المزروعة، إثر انقطاع حصته العلاجية من أحد مستشفيات العاصمة بغداد.

يقول الغزي "أتناول أدوية ’تاكروليموس‘ وحمض الميكوفينوليك لمساعدة جسمي على عدم رفض الكلية المزروعة، ومنذ شهرين لم أتسلّم حصتي من المستشفى، وفي مرات عديدة سابقة كانوا يعطونني نصف الحصة".

يتابع الغزي علاجه عبر أحد المستشفيات، حيث سُجّل اسمه للحصول على الأدوية، لكن مراجعاته للاستفسار عن أسباب الانقطاع وموعد انتهاء الأزمة تنتهي بالإجابة نفسها، ويضيف "يقولون لنا إن الدواء غير موجود، وإنهم لم يتسلّموا تجهيزاً، ولا يعرفون متى يتوفر".

دفعه الانقطاع إلى الاعتماد كلياً على شراء أدويته من صيدليات بغداد أو طلبها من السليمانية، بكلفة كانت تقارب 300 ألف دينار (150 دولاراً) شهرياً، ثم أخذت تتغير مع اشتداد النقص، ويقول "كانت هذه الكلفة قبل الأزمة المالية المتعلقة بارتفاع الدولار، أما الآن فأصبحت الأسعار تخضع للمضاربة مع قلة المعروض وزيادة الطلب، وحتى الشراء على نفقتنا صار صعباً لأن الأدوية غير متوفرة باستمرار".

مع انقطاع الحصص العلاجية، فإن الغزي إلى جانب مرضى آخرين في العراق، يواجهون صعوبة تأمين الأدوية التي يحتاجون إليها بعد زراعة الكلى، واضطرارهم إلى شرائها على نفقتهم، وسط ارتفاع الأسعار وعدم انتظام توفرها، وتتكرر شكاوى نقص الأدوية في محافظات أخرى، دفعت مرضى في البصرة وذي قار إلى الاحتجاج خلال سبتمبر (أيلول) الماضي للمطالبة بتوفير علاجهم.

مرضى على المحك

ودفع انقطاع الأدوية المثبطة للمناعة مرضى زراعة الكلى إلى الاحتجاج أمام دوائر الصحة في جنوب العراق، مطالبين بتأمين علاجهم مجاناً وبانتظام، ففي الـ16 من سبتمبر (أيلول) الماضي، تجمع عشرات المرضى أمام مبنى دائرة صحة ذي قار في الناصرية، مرتدين الكمامات خشية العدوى، ورفعوا لافتات كُتب عليها "امنحونا الحياة بتوفير الدواء" و"العلاج حق كفله القانون"، احتجاجاً على تكرار الانقطاع وارتفاع أسعار العلاج في الأسواق.

بعد ثمانية أيام، تظاهر عشرات المرضى أمام دائرة صحة البصرة، متحدثين عن أزمة في توفير أدوية تثبيط المناعة والتحاليل مستمرة منذ نحو ثمانية أشهر، وعن كميات تُصرف لهم وتنفد خلال أيام، وطالب المشاركون بتدخل حكومي عاجل لتأمين العلاج ومحاسبة الجهات المقصّرة، مع اضطرارهم إلى تحمل نفقات الأدوية والفحوص خارج المؤسسات الحكومية.

 

 

وفي أعقاب احتجاجات المرضى، تحركت دائرة صحة البصرة لطلب تمويل عاجل لشراء الأدوية، وأعلن مديرها العام عباس التميمي، في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، مخاطبة وزارة النفط وشركاتها لتأمين دعم مالي، شمل طلب تخصيص 350 مليون دينار (175 ألف دولار) لشراء العلاجات المثبطة للمناعة ومستلزمات مراكز أمراض وزراعة الكلى، وأقر التميمي بأن نقص التمويل والسيولة أثر في قدرة لجان الشراء المحلية على تأمين العلاجات الأساسية.

وبعد يومين، أعلن وزير النفط باسم محمد خضير موافقة مجلس الوزراء على تخصيص 10 مليارات دينار لدعم مستشفيات البصرة وتوفير أدوية مرضى السرطان والكلى والأمراض المستعصية، وفي اليوم ذاته، وجه رئيس الوزراء علي الزيدي، خلال اجتماع مع الكوادر المتقدمة لوزارة الصحة، بتوفير التخصيصات المالية لتأمين الأدوية والمستلزمات، ومن ضمنها علاجات الكلى، ولم تتضمن الإعلانات موعداً لاستئناف صرف الحصص العلاجية كاملة، أو تفاصيل عن كميات الأدوية التي ستصل إلى المرضى.

هل يراقب مرضى الفشل الكلوي؟

يمتد اضطراب توفير العلاج إلى تغير الشركات المصنعة للأدوية التي يتناولها مهند الغزي، سواء حصل عليها من المستشفى أو اشتراها على نفقته، يقول في حديثه مع "اندبندنت عربية"، "نضطر إلى أخذ المتوفر، وحتى الدواء الحكومي يتغير بين صناعة عراقية وأردنية وهندية وإيرانية، لم ألاحظ تأثيراً في حالتي الصحية، لكنني أقرأ شكاوى مرضى آخرين في مجموعات زارعي الكلى".

ويخشى الغزي أن يعجز عن تأمين أدويته مع استمرار انقطاع حصته وصعوبة العثور عليها في السوق، مشيراً إلى أن بعض المصابين بأمراض مناعية يعتمدون أيضاً على الأدوية نفسها، ويقول، "نحتاج إلى تناول العلاج باستمرار لحماية الكلية المزروعة، وانقطاعه يعرّضنا لخطر فقدانها".

وكانت هيئة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية البريطانية، حذرت من أن التبديل غير المقصود بين مستحضرات "تاكروليموس" الخاص بزارعي الكلى، قد ارتبط بتقارير عن سمية ورفض العضو المزروع، وتوصي الهيئة بوصف الدواء وصرفه باسمه التجاري، وإجراء أي تغيير تحت إشراف اختصاصي مع مراقبة مستواه في الدم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع هذا تقول مريم (اسم مستعار) وهي من زارعي الكلى، إن المستشفى في حال توفيره للعلاج فيكون مختلف التصنيع والشركات مع جملة "هذا هو المتوفر"، مضيفة أن هذا الأمر ضاعف أوجاعها وزاد من خطورة فقدانها للكلى المزروعة"

وتابعت مريم "صرت أبحث عن الشركة نفسها على حسابي الشخصي بعد أن تبين وظهر لي أن المستشفيات الحكومية ووزارة الصحة توفر الأدوية من دون اكتراث لخطوات ما بعد أخذ الدواء وكأن الأمر تحصيل حاصل وليس أمراً يجب متابعته، كل شيء هنا يحدث على حسابنا ومسؤوليتنا وحدنا كمرضى".

في عام 2023، أوردت الجمعية الدولية لأمراض الكلى في مواد أطلس صحة الكلى العالمي أن العراق يمتلك 2.7 طبيب اختصاص كلى لكل مليون نسمة، مقابل وسيط إقليمي قدره 15.9 طبيب لكل مليون، وكان العراق الأدنى بين دول الشرق الأوسط المشاركة في المسح.

أين وزارة الصحة؟

تكتظ إحدى مجموعات "فيسبوك" المعنية بمرضى الفشل الكلوي، بأسئلة واستفسارات حول وقت إطلاق الأدوية من المستشفيات، وتبدو جميع الإجابات خائبة ومحبطة، حتى بعد التظاهرات في بعض المدن، وسط صمت تام من قبل وزارة الصحة التي حاولنا التواصل معها من دون نتيجة.

ويقول الطبيب العام محمد كاظم، إن أبرز أدوية زارعي الكلى هي مثبطات المناعة، وتؤخذ يومياً لحماية الكلية المزروعة من الرفض، غالباً يستخدم المريض مجموعة من دواءين أو ثلاثة، ويحدد فريق الزراعة الأدوية والجرعات لكل شخص بحسب حالته ونتائج فحوصه، ومن أكثر التركيبات استخداماً "تاكروليموس" و"الميكوفينولات" مع "بريدنيزولون" في بعض الخطط العلاجية.

وأضاف كاظم أن المريض يستمر على علاج منع الرفض طوال فترة عمل الكلية المزروعة، وقد يحتاج أدوية إضافية للوقاية من العدوى أو علاج الضغط ومشكلات أخرى، بحسب حالته والمدة التي مضت على الزراعة، لافتاً إلى أن بعض العلاجات وصلت إلى نحو 300 ألف دينار (150 دولاراً) للعلبة الواحدة، وهذه كلفة كبيرة على مريض يحتاج لوقت طويل من استمرار العلاج.

 

 

وبحسب مهند الغزي، فإن الأدوية التي يبحث عنها تُدخل إلى السوق بالتهريب، ويقول إن تداولها في الصيدليات ممنوع، وهو ما يحتاج إلى توضيح من وزارة الصحة بشأن ضوابط بيعها ومصادر تجهيزها، ويتابع عبر مجموعات زارعي الكلى شكاوى مرضى من محافظات أخرى عن انقطاع أدويتهم منذ أشهر وعدم انتظام حصصهم العلاجية.

صحة البصرة كانت الجهة الوحيدة التي قدّمت أكثر من تفسير خلال هذه السنة، ففي فبراير (شباط) الماضي تحدثت عن مشكلة تخصيصات وسيولة دفعتها إلى الشراء بالدَّين، وفي سبتمبر (أيلول) 2026 قالت إن بعض المستحضرات المفحوصة والمجازة رسمياً قليلة أو شبه مفقودة في المذاخر والمكاتب العلمية، مما يحدّ من قدرتها على تغطية النقص بالشراء المباشر.

وفي الرابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أقرّ مدير صحة البصرة بأن نقص التمويل والسيولة أثرا في عمل لجان الشراء وتأمين العلاجات، وطلب 350 مليون دينار (175 ألف دولار) لشراء المثبطات المناعية وعلاجات ومستلزمات مراكز الكلى وزراعتها، ضمن طلبات دعم أوسع.

يعتمد برنامج الزراعة في العراق على المتبرعين الأحياء وتوافق فصائل الدم، مع غياب كامل لبرامج التبرع من المتوفين وغياب خيارات تبادل المتبرعين، لذلك، وجود مركز يجري العملية لا يعني أن المستشفى يستطيع توفير كلية للمريض الذي لا يجد متبرعاً، وعليه توفيرها بطرقه الخاصة، فيعتمد المريض الذي يحتاج إلى زراعة كلية على العثور على متبرع مناسب من عائلته، وقد تتعثر فرصته إذا لم يجد شخصاً قادراً على التبرع أو أظهرت الفحوص عدم التوافق، وأحياناً صعوبات في قبول متبرعين من خارج الأسرة داخل بعض المراكز، رغم أن القانون يتناول تنظيم هذا النوع من التبرع ويحظر بيع الأعضاء وشراءها، وتدفع هذه العقبات بعض المرضى إلى البحث عن فرصة للزراعة خارج العراق، وتحمل نفقات تفوق قدرة أسرهم.

في الـ14 من سبتمبر (أيلول) 2026 أعلنت الوزارة توجيه وزيرها عبدالحسين الموسوي بشمول مرضى الفشل الكلوي وعمليات زراعة الكلى للمتبرع والمتلقي بالضمان الصحي مجاناً، ضمن ست فئات وإجراءات علاجية وتشخيصية، لكن توضح مريم أن غالب المستشفيات الشاملة للضمان الصحي، ترفض التعامل بصورة مجانية مع مرضى الفشل الكلوي، "جميع التحاليل التي من جيبي الخاص، ودعاية المجاني ليست صحيحة ولا تعترف بها أغلب المستشفيات لأنه لا يخدمهم".

اقرأ المزيد

المزيد من صحة