Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العنف الاجتماعي يتحول رعباً في الفيلم التونسي "بَكْمَة"

عبدالحميد بوشناق يفتح التحقيق على عوالم الإقصاء والتهميش والانتقام

"بكمة" فيلم رعب تونسي (ملف الفيلم)

ملخص

تبدأ بعض الحكايات من جرح صغير، ثم تتسع حتى تبتلع حياة كاملة. إهانات تتكرر، وطفولة تتشكل تحت وطأة القسوة، وكائنات تعيش على الهامش وتقيم فيه، حتى يصبح العنف لغة يتوارثها الضحايا والجلادون.

في فيلم الرعب التونسي "بَكْمَة"، يختار المخرج عبدالحميد بوشناق الدخول إلى هذه المنطقة المعتمة عبر جريمة غامضة، يفتح التحقيق فيها أبواباً على عوالم الإقصاء والتهميش والانتقام.

يمتد الفيلم 117 دقيقة، وهو من كتابة بوشناق وإخراجه ومونتاجه، ويشارك في بطولته عزيز الجبالي وهادي كريسعان ومنيرة الزكراوي وزهراء مشرقي، وسجل عرضه العالمي الأول في الدورة الـ 79 من مهرجان "لوكارنو" السينمائي في سويسرا، ضمن قسم "خارج المسابقة"، في الـ 11 من أغسطس (آب) 2026، قبل عرضه ما قبل الأول في تونس في الـ 15 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، تمهيداً لانطلاق عروضه التجارية في القاعات التونسية في الـ 21 من الشهر ذاته.

يعود بوشناق، صاحب "دشرة" و"إبرة"، لسينما الرعب من خلال حكاية بوليسية تتجاوز البحث عن قاتل متسلسل إلى مساءلة العنف الذي يصيب الإنسان والحيوان، ويعيد تشكيل العلاقات داخل المجتمع، وبين الصورة الدموية والأسئلة الاجتماعية، يختبر الفيلم قدرة الرعب على تحويل قضايا مألوفة إلى تجربة سينمائية صادمة.

جريمة تكشف وجوه الإقصاء

تبدأ الحكاية بالعثور على جثمان مشوّه، يتضح أنه مركّب من أجزاء بشرية تعود لنساء عدة، مع وضع رأس كلب مكان الرأس البشري. تقود هذه الجريمة المحققين إلى تحقيق تتكشف خلاله ملامح عالم شديد القسوة، تتداخل فيه الجرائم مع مصائر أشخاص يعيشون على هامش المدينة، ومن خلال مسار التحقيق يتسع المجال أمام الحكاية لتناول شخصيات تتعرض للإقصاء، من النساء المهمشات إلى المشردين والعاملات في الجنس، وصولاً إلى الكلاب السائبة التي يطاردها العنف البشري.

تكتسب هذه التفاصيل أهمية من ارتباطها بعنوان الفيلم، فكلمة "بَكْمَة" تحيل إلى الصمت والعجز عن التعبير، بينما تتخذ الشخصية المحورية، ياسين، صورة رجل أصم عاش طفولة مثقلة بالإهانة والتنمر، ومن خلال هذه الشخصية يربط بوشناق بين العجز عن التواصل وتجارب النبذ، ثم يتتبع المسار الذي يقود ياسين إلى ارتكاب جرائم بالغة الوحشية.

هنا تتشكل المفارقة الأساس في الفيلم: شخص عاش في موقع الضعف يتحول إلى جلاد، ويعيد إنتاج القسوة التي عرفها في طفولته، ويمنح هذا التحول الحكاية بعداً نفسياً، يفتح النقاش حول العلاقة بين التجارب المؤلمة والسلوك الإجرامي، وحول مسؤولية البيئة الاجتماعية في تكريس العنف.

غير أن هذه العلاقة تظل أكثر تعقيداً من تفسير الجريمة بماضي مرتكبها وحده، فالطفولة القاسية تساعد في فهم بعض دوافع الشخصية، بينما تظل الجرائم التي ترتكبها موضع مساءلة أخلاقية، ومن هذه المسافة بين فهم الجاني ومحاسبته يستمد الفيلم جانباً من أسئلته.

الرعب بين الصدمة والدلالة

يعتمد بوشناق على مشاهد دموية وتشويه الجثث، ويمنح الصورة مساحة واسعة في صناعة الخوف والاشمئزاز، ويأتي هذا الاختيار امتداداً لاهتمامه السابق بأفلام النوع، الذي برز في "دشرة"، مع توجه أكثر التصاقاً بالعنف الاجتماعي في "بَكْمَة".

وتحمل الصورة المركزية في الجريمة الافتتاحية دلالة تتجاوز غرابتها البصرية، فرأس الكلب الذي يحل مكان الرأس البشري، يربط بين ضحايا الجريمة والحيوانات التي تتعرض للقتل، ويضع المتفرج أمام عالم تتفاوت فيه قيمة الحياة، بحسب موقع الكائن وقدرته على الدفاع عن نفسه.

ومن هنا تبرز قضية الكلاب السائبة بوصفها أحد مداخل الفيلم إلى الواقع التونسي، فعمليات قنص هذه الحيوانات والتخلص منها تتحول داخل الحكاية إلى جزء من سؤال أوسع عن العنف الذي يمارسه الإنسان، حين يختزل الكائن الأضعف في مشكلة ينبغي التخلص منها، ويمنح هذا التوازي الفيلم بعداً اجتماعياً، تتقاطع فيه حماية الحيوان مع أسئلة الكرامة والحق في الحياة.

لكن قوة الصورة تفتح أيضاً باباً للنقاش حول حدود المشهد الدموي، فالرعب يكتسب قيمته حين تتحول الصدمة إلى أداة لبناء المعنى وتطوير الحكاية، وحين ترتبط المشاهد القاسية بمسار الشخصيات ودلالات أفعالها، أما الإفراط في التفاصيل البصرية فيضع الفيلم أمام تحدي الموازنة بين أثر المشهد الفوري وعمقه الدرامي.

الضحية والجلاد في مرآة واحدة

يضع الفيلم العنف ضد النساء في قلب حكايته، من خلال الجرائم التي تستهدف شخصيات نسائية مهمشة، وكذلك يفتح المجال للتفكير في الطريقة التي تتحول بها هذه الشخصيات إلى أجساد داخل مشهد الجريمة، وهنا تبرز مسألة تتجاوز هوية القاتل ودوافعه إلى موقع النساء في عالم تُمارس فيه القسوة على الفئات الأضعف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتزداد هذه المسألة تعقيداً حين تتقاطع مع شخصية ياسين، الذي يحمل ماضياً من الإذلال ويحوّل ألمه إلى عنف يستهدف الآخرين، فالشخصية تجمع بين أثر التجربة التي عاشها والوحشية التي يمارسها، وتكشف كيف يمكن للألم أن يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الإيذاء، بدلاً من أن يظل تجربة تخص صاحبها، غير أن الطموح الاجتماعي للفيلم يظل مرتبطاً بقدرته على منح ضحاياه حضوراً، يتجاوز الوظيفة التي يؤدونها في مسار الجريمة، فكلما امتلكت الشخصيات المهمشة ملامح وحياة تتجاوز تعرضها للعنف، اتسعت إمكانات الفيلم في تفكيك علاقات القوة التي يحاول تصويرها.

وفي هذا السياق، يطرح "بَكْمَة" سؤالاً عن دور السينما في الاقتراب من القضايا الحساسة عبر النوع السينمائي، فالرعب يتيح تكثيف الخوف وتقديمه في صور مادية، بينما تمنح الحكاية البوليسية الأحداث مساراً من الغموض والكشف. ويجتمع العنصران في محاولة لفهم مجتمع تتجاور فيه الإهانة اليومية مع الجريمة، ويصبح فيه الصمت علامة على العزلة والحرمان من الاعتراف.

يؤكد فيلم عبدالحميد بوشناق أن الرعب يستطيع أن يكون مدخلاً إلى أسئلة تتصل بالواقع، وأن الجريمة السينمائية قد تحمل وراءها حكايات عن الإقصاء والتمييز والعنف، وتكمن أهمية "بَكْمَة" في جرأته على جمع هذه المسارات داخل تجربة واحدة، فيما يبقى نجاحها الفني رهناً بالتوازن بين قوة الفكرة، وأداء الممثلين، وقدرة الصورة على تحويل الصدمة إلى معنى يستمر بعد انتهاء العرض.

وبين الضحية والجلاد، والإنسان والحيوان، يترك الفيلم متفرجه أمام سؤال عن العنف، حين يصبح جزءاً من الحياة.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما