ملخص
بعد أعوام عملها الطويلة مع المساجين وفق أسلوب العلاج بالدراما أو البسيكودراما، وهو أسلوب علاج نفسي يجمع بين تقنيات العمل المسرحي من تمثيل وتأدية أدوار وبين إخبار المرء قصته، تعود المسرحية اللبنانية زينة دكاش بمسرحية جديدة، تعرض على مسرح مونو، عنوانها "زينا لبست خلخالها"، يرافقها فيها كريم شبلي كتابة وإخراجاً وتمثيلاً، وهي مسرحية زاخرة بالمشاعر العميقة والعودات الكوميدية إلى الوراء والرمزية الدراماتورجية الثرية.
تفرغ زينة دكاش مشاعرها وانفعالاتها المنبثقة من علاقتها الشائكة بوالدها على خشبة مسرح مونو في عرض جميل وثري. ففي ظل سيطرة المونودرامات الكثيرة في هذا الصيف وهي بمعظمها متكررة الموضوعات والأساليب، تأتي زينة دكاش وكريم شبلي بعمل جميل متقن من حيث النص والكوميديا والقضية والديكور والأداء. وبعيداً من العروض التي تتحضر خلال أسابيع أو أشهر قليلة، يظهر هذا العمل، الذي تطلب كثيراً من الوقت والجهد والعمل النفسي الداخلي، متماسكاً بعناصره البصرية والنصية المتناغمة.
يخرج هذا العرض من إطار قصة زينة دكاش الفردية ويتحول بقضيته وهمه الإنساني إلى مرآة لمعاناة الأجيال من سوء التربية، أو من قلة وعي الأهل بأثرهم على أولادهم بما يقومون به وبما يرمونه على كواهلهم من مسؤوليات وأعباء وهموم. تنتقد زينة دكاش، انطلاقاً من قصتها الشخصية وبكوميديا فولكلورية سوداء، أُسس التربية التي يقوم عليها المجتمع والقيم التي تتناقلها الأجيال، وهي ليست دائماً قيماً جيدة للفرد ولتطوره على المستوى الشخصي. وتتوقف زينة دكاش بكثير من الوعي على ما يحمله الأبناء من عقد نفسية ومشكلات حياتية نتيجة التربية البيتية التي تعود في معظم الأحيان لكون الأهل لا يعرفون أن يربوا بطريقة أخرى.
الخلخال رمز التحرر من القيود
منذ العنوان والعودة الفولكلورية الذكية التي يرمي إليها عبر استعادته أغنية "زينة لبست خلخالها"، تصب زينة دكاش وكريم شبلي في الخلخال رمزية عميقة وهي رمزية تلامس صلب الموضوع مباشرة. والخلخال بالأساس في الحضارات القديمة رمز لمكانة المرأة الاجتماعية العالية، وكان يستخدم أحياناً للإشارة إلى أن الفتاة التي ترتديه متاحة للزواج. أما في الزمن الحالي فيُنظر إلى الخلخال على أنه رمز للأنوثة والجمال والتدلل. كرس الفن المعاصر الخلخال أكسسوار إغواء وجمال أنثوي من خلال لمعته ومكانه في القدم، وصوته اللافت. وتوظف زينة دكاش هذه المعاني كلها بحنكة رائعة في نصها الذي يمكن اعتباره منتمياً إلى حد كبير إلى السيرة الذاتية.
يتحول الخلخال الذي تحاول زينة أن ترتديه طوال العرض إلى نوع من رمز إلى عودتها إلى أنوثتها وجوهرها وشخصيتها وطموحاتها، بعيداً من عباءة الصبي التي ألبسها إياها والدها، هو الذي كان يناديها "زيون"، وهو اسم ذكوري بالمبدأ، وهو الذي كان يصفها بـ"أخت رجال" ويرمي على عاتقها همومه وهموم العائلة والعمل. تحمل زينة البطلة هموماً كثيرة تفوق قدرتها وتتعدى دورها، فهي لم تكن يوماً الابنة بل الابن، ثم تحولت إلى ولي الأمر والوريث والقائم بشؤون البيت ومشكلاته وقضاياه العالقة. أراد والد زينة أن تكون ابنته هي ابنه البكر المسؤول القوي الذي يكمل من بعده مسيرته ويصرف له أعماله، ليس لأنه لا يحبها أو لأنه أراد صبياً، بل لأنه هكذا يجيد أن يربي، هو الذي كان كلما واجهته مشكلة "يسكت ويصفن ويقول: مندرسها!".
لم يحل والد زينة أي مشكلة في حياته ولم يواجه خصومه، حتى أزمة عام 2019 لم يواجهها وتُوفي قبلها، وذلك باعتراف زوجته وابنته. جعل الأب من زينة كل ما لا يستطيع أن يكونه وكل ما يحتاج إليه. علمها كيف تغير دواليب السيارة وكيف تغير زيت محرك السيارة وهي بعد في الـ11، ترك لها الشؤون الإدارية لممتلكاته وترك لها أعباء البيت والعائلة والحياة.
من هنا ثراء العنوان ورمزية الخلخال الذي يتحول إلى رمز للحرية والانعتاق من قيود الأب والدور الذي ألبسه لزينة. أن تنجح زينة في ارتداء خلخالها يعني أن تنجح في العودة إلى ذاتها والتحرر من والدها والانصهار في أهدافها وطموحاتها كامرأة حرة وما تحبه، بعيداً من الخطوط التي رسمها لها والدها وسجنها فيها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن المسرحية ليست بأسرها قائمة على العلاقة بالأب ومحاولة التحرر من الدور الذي أناطه بزينة، فهناك الأم وهناك الأخ وهناك الموت والحداد والفقدان واكتساب القدرة النفسية على التجاوز والتحرر والانطلاق. يقوم النص على عملية حفر في اللاوعي والماضي المعاش للتحرر. يتحول العرض إلى نوع من سرد تكويني Récit d’initiation، وهو سرد يرافق البطل في مسيرته إلى التعلم عبر مروره بمراحل الحياة، ومواجهته الصدمات وفقدانه السذاجة الأولى.
ديكور وسينوغرافيا
يكتشف جمهور مسرحية "زينا لبست خلخالها" خشبة مليئة بالصناديق القديمة والملابس البالية والعلب الكثيرة الموزعة كيفما اتفق. يكتشف الجمهور زينة دكاش عالقة وسط صناديق الذكريات هذه وهي لا تعلم ماذا تفعل بها، فهي عاجزة عن رميها وعاجزة عن الاحتفاظ بها. وهنا يظهر كريم شبلي ليساعدها في عملية الفرز والتخلص مما لا ضرورة له. وهنا طبعاً، تجسد هذه الصناديق وهذه الجلبة الفوضوية روح زينة المتخبطة في الذكريات والعالقة في الماضي.
وعلى رغم عدم وجود مخرج خارج عن زينة دكاش وكريم شبلي، وهو مأخذ صرح به بعض الحضور، تمكنت زينة من خلق فضاء مسرحي فوضوي محفوف بالصناديق والعلب يضارع بجلبته نفسها المقيدة والمسجونة والمتناثرة.
إلى جانب الديكور البسيط إنما المركز، تأتي الملابس والأدوار التسعة التي يتقمصها كل من زينة دكاش وكريم شبلي، لتمنح العرض قوته وصلابته. فلغرابة الموقف، يجد الجمهور نفسه في دفن، دفن الأب، ومن هذا المنطلق يروح الممثلان يبدعان في التقلب بين الشخصيات، من زينا "زيون" إلى ابن خالة والدها الأستاذ مخول فالسكرتيرة إيفون، فالعشيقة منى فالمستأجر داني فالأم فيرجيني وغيرهم. وطبعاً هناك مسائل ورقة النعوة والطعام الذي يقدم في المأتم وكلمة المطران وإلى آخرها من شؤون دفن الميت الفولكلورية، التي تحولها دكاش وشبلي إلى كوميديا خفيفة جميلة تخفف من وطأة اللحظات الحقيقية الحميمية التي تتشاركها زينة دكاش مع جمهورها.
"زينا لبست خلخالها" مسرحية عميقة، متقنة الكتابة، ذكية الإخراج، بديعة التمثيل، تجاوزت فيها زينة دكاش وكريم شبلي المتوقع، وتركا عنصر المفاجأة وذروة الدراما إلى الدقائق الأخيرة من العرض ليخرج الجمهور من عرضهما مقطوع الأنفاس. وكما في أي عمل جيد، يبقى الهم الإنساني هو الأساس والزوادة التي يخرج بها الجمهور من العرض، وهنا لا يكشف العرض عن أوراقه الحقيقية سوى في اللحظات الأخيرة، عندما تترسخ لدى زينة القناعة أنها يجب أن تترك الموتى يرقدون في مثواهم وأن تحاول عيش حياتها، كما تراها وكما تحب. تترسخ في زينة أخيراً القناعة بأنها يجب أن تخلع عن نفسها الدور الذي ألزمها به الموتى لتلبس خلخالها وحريتها وأنوثتها وفرح الحياة الذي فيها.