ملخص
في الحالة اليمنية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى الفصل بين الخلاف السياسي وحق المدنيين في الحياة، لأن استمرار الحرب لا ينبغي أن يجعل المأساة الإنسانية أمراً مألوفاً، اليمنيون الذين عاشوا أعواماً طويلة بين الفقر والجوع والنزوح والانقسام لا يحتاجون إلى مزيد من تحويل المدن والمطارات والطرق إلى ساحات للموت، بل إلى استعادة فكرة الدولة باعتبارها الإطار الذي يحمي الجميع ويحتكر استخدام القوة وفق القانون.
عندما تتحول المطارات، التي يفترض أن تكون جسوراً آمنة تصل الإنسان بالعالم، إلى أهداف للصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن الخطر لا يعود محصوراً في مبنى أو مدرج أو طائرة، بل يمتد إلى المعنى الذي تقوم عليه الحياة المدنية ذاتها، هذا أمر لا جدل فيه إطلاقاً، فالمطار فضاء للحركة والتواصل والعودة والرحيل، وليس ثكنة عسكرية، والمسافر ليس مقاتلاً، والطائرة المدنية ليست طرفاً في نزاع سياسي. وحين يُستهدف هذا المعنى، يصبح الإنسان في مواجهة مباشرة مع سلوك متطرف يحاول نقل الحرب من ساحاتها الطبيعية إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث لا يملك المدني سوى حقه في أن يعيش آمناً ويتنقل من دون أن يتحول سفره إلى مخاطرة.
تبدأ من هنا خطورة إدخال المدني في معادلة الاستهداف، لأن الأمر يتجاوز الاستخدام المباشر للسلاح إلى "تحويل الخوف" نفسه إلى "أداة سياسية"، فالذي يستهدف مطاراً لا يهدد منشأة وحسب، وإنما يبعث رسالة إلى آلاف المسافرين والأسر والعاملين بأن حياتهم يمكن أن تصبح رهينة لحسابات القوة، وفي هذه اللحظة يفقد السلاح وظيفته المعلنة كوسيلة في صراع على السلطة، ويتحول إلى وسيلة لإخضاع المجتمع وإدامة القلق فيه.
وهذا في تصوري إحدى أخطر سمات العمل الميليشياوي: أن يصبح الإنسان، بما يمثله من هشاشة وحق طبيعي في الأمان، جزءاً من معادلة الضغط والمساومة.
ولذلك لا يمكن التعامل مع استهداف المطارات والمنشآت المدنية باعتباره تفصيلاً عسكرياً عادياً أو نتيجة جانبية لحرب طويلة، خصوصاً عندما تتكرر الهجمات ويصبح المدنيون في مرمى الخطر بصورة متعمدة أو متوقعة.
في الواقع، شهدت أعوام الحرب في اليمن حالات موثقة قامت بها الميليشيات الحوثية طاولت منشآت مدنية ومطارات، في سلوك إرهابي يفرض إعادة النظر في مفهوم الحرب ذاتها، لأن النزاع حين يتجاوز خطوط المواجهة ليطاول المدنيين يتحول من صراع على الأرض إلى صراع على شروط الحياة، وتتراجع هنا أهمية الحسابات الميدانية أمام سؤال أكثر جوهرية: هل يمكن أن يكون الوصول إلى السلطة عبر انقلاب مسلح أو الاحتفاظ بها كأمر واقع مبرراً لتعريض حياة الأبرياء للخطر؟
تتضح الصورة أكثر حين تنتقل أدوات الاستهداف من المرافق المدنية إلى قلب المؤسسات التي يفترض أن تجسد حضور الدولة، فقد استهدفت الميليشيات الحوثية، في الـ15 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، قصر معاشيق الرئاسي في عدن بهجوم صاروخي متعدد الضربات، في واقعة إرهابية أسفرت، وفق السلطات اليمنية، عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 16 آخرين، ثم في اليوم التالي مهاجمة مطار عدن المدني بصاروخين وقعا في حرم المطار دون وقوع ضحايا.
ولا يبدو استهداف القصر الرئاسي ومطار عدن المدني، في دلالته السياسية، مجرد استهداف لمبنى، بل هو، كما أرى، محاولة لضرب معنى الدولة في المكان الذي تمارس فيه مؤسساتها وظيفتها، وإرسال رسالة مفادها أن الميليشيات الحوثية تستطيع نقل المعركة إلى محيط المؤسسات وبث الخوف فيها وحولها.
وما حدث يعيد إلى الواجهة حقيقة أن الصراع في اليمن ليس فقط على الأرض بين حكومة معترف بها إقليمياً ودولياً وميليشيات مسلحة، إنما على "فكرة الدولة" نفسها، وعلى من يملك حق تمثيلها وإدارة شؤونها.
حسناً، انظروا إلى رهابة التالي: حين يسقط قتلى وجرحى بين المسافرين والمدنيين، كما حدث في الهجمات الإرهابية التي قامت بها الميليشيات الحوثية مستهدفة مطار الملك خالد في الرياض ولمرات عدة، فإن السؤال يصبح أخلاقياً وقانونياً قبل أن يكون عسكرياً، أي مشروع سياسي يمكن أن يجد في دماء الأبرياء وسيلة لتحقيق غايته؟ وأي قضية يمكن أن تكتسب مشروعيتها من تهديد إنسان لا علاقة له بالمعركة؟
إن أي فعل يفقد حساسيته تجاه حياة الناس يفقد في الوقت نفسه قدرته على إنتاج السلام، لأن السلام ليس مجرد اتفاق بين قوى متصارعة، بل هو قبل ذلك اعتراف بحق الإنسان في ألا يكون هدفاً، ومن دون هذا الاعتراف تتحول السياسة إلى امتداد آخر للعنف، وإن تغيرت أدواتها ولغتها.
لهذا فإن حماية المدنيين ليست امتيازاً تمنحه الأطراف لبعضها بعضاً، ولا ورقة تفاوضية يمكن تعليقها متى تغيرت موازين القوة، وإنما قاعدة أساسية في القانون الدولي الإنساني، من هذه الزاوية، فإن نقل المعركة إلى فضاءات المدنيين كما تفعل الميليشيات الحوثية لا يمنحها شرعية، بل يكشف حدود تصورها للسلطة وللدولة وللإنسان معاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لاحظوا معي من فضلكم أن الدولة، في جوهرها، هي القدرة على حماية المجال العام من العنف المنفلت، بينما تقوم الميليشيات الحوثية على عكس ذلك تماماً: إخضاع المجال العام لمنطق السلاح. وبين النموذجين يتحدد مستقبل المجتمع، إما دولة تحمي مواطنيها، أو قوة مسلحة تجعلهم دائماً في دائرة الخطر.
ولا تقف خطورة هذا السلوك الإرهابي للميليشيات الحوثية عند حدود اليمن أو أمن دول الجوار، لأن التساهل مع استهداف المنشآت المدنية يهدد بتحويل الاستثناء إلى قاعدة. فإذا أمكن لجماعة مسلحة أن تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مطارات ومدن ومنشآت مدنية من دون أن تواجه موقفاً دولياً حازماً، فإن الرسالة التي تصل إلى جماعات أخرى ليست صعبة الفهم: يمكن ببساطة شديدة توسيع حدود العنف ما دامت كلفته قابلة للاحتواء.
يصبح الخطر هنا أوسع من حوادث منفردة، لأن قواعد حماية المدنيين لا تفقد قيمتها دفعة واحدة، وإنما تتآكل تدرجاً كلما جرى التعامل مع انتهاكها باعتباره أمراً قابلاً للتبرير أو الاعتياد.
تبرز من هنا أهمية الرسالة الدولية الموحدة، لأن الجماعات المسلحة تقرأ المواقف الدولية كما تقرأ نتائج المعارك، وحين يغيب رد الفعل الحازم أو تتعدد المعايير في التعامل مع الانتهاكات، يمكن أن تستنتج تلك الجماعات أن كلفة استخدام القوة خارج مؤسسات الدولة ليست مرتفعة بما يكفي لردعها.
ولا يعني ذلك أن الردع وحده يصنع السلام، لكنه في تقديري يضع حدوداً ضرورية أمام من يريد تحويل السلاح إلى لغة دائمة في إدارة المجتمع، فالقانون الدولي لا يستطيع حماية المدنيين إذا بقيت قواعده مجرد نصوص، والشرعية الدولية تفقد جانباً مهماً من معناها عندما تعجز عن ترجمة المبادئ إلى مواقف واضحة تجاه من ينتهكها.
وقد وثقت الأمم المتحدة في مناسبات سابقة هجمات حوثية طاولت مطارات ومنشآت مدنية، كما حدث في مطار عدن في الـ30 من ديسمبر (كانون الأول) 2020، مؤكدة في إطار القانون الدولي الإنساني الحماية المقررة للمدنيين والأعيان المدنية، وهذه الوقائع تجعل القضية في تصوري أبعد من السجال السياسي اليومي، لأنها تتصل بقاعدة قانونية وأخلاقية لا ينبغي أن تخضع لاختلاف المواقف من أطراف الصراع، فالمدني يظل مدنياً أياً كانت هويته أو جنسيته أو موقعه السياسي، والمطار يظل منشأة مدنية ما لم يتحول بصورة قانونية ومحددة إلى هدف عسكري مشروع، أما توسيع دائرة الاستهداف على نحو يجعل المجتمع كله في حال خوف، فهو انتهاك لفكرة الحماية نفسها، قبل أن يكون انتهاكاً لمكان بعينه.
وفي الحالة اليمنية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى الفصل بين الخلاف السياسي وحق المدنيين في الحياة، لأن استمرار الحرب لا ينبغي أن يجعل المأساة الإنسانية أمراً مألوفاً، اليمنيون الذين عاشوا أعواماً طويلة بين الفقر والجوع والنزوح والانقسام لا يحتاجون إلى مزيد من تحويل المدن والمطارات والطرق إلى ساحات للموت، بل إلى استعادة فكرة الدولة باعتبارها الإطار الذي يحمي الجميع ويحتكر استخدام القوة وفق القانون.
واستعادة الدولة، بهذا المعنى، شرط إنساني قبل أن تكون هدفاً سياسياً، إذ لا يمكن بناء مستقبل مستقر فوق خوف دائم، ولا يمكن لمجتمع أن يستعيد عافيته بينما يظل المدني مهدداً في بيته وطريقه ومطار سفره.
في نهاية المطاف، فإن الدفاع عن المطارات والمنشآت المدنية هو دفاع عن معنى أوسع للحياة: أن يستطيع الإنسان أن يسافر من دون خوف، وأن يذهب إلى عمله، وأن يعود لأسرته، وأن يعيش خارج حسابات السلاح، وحين تستهدف الميليشيات الحوثية هذا الحق، فإن مسؤولية مواجهتها ووضع حد نهائي لها على نحو حاسم لا تقع على اليمنيين وحدهم، بل تمتد إلى المجتمع الدولي الذي صاغ قواعد حماية المدنيين وجعلها جزءاً من منظومته القانونية والأخلاقية، حان الوقت لفعل ذلك الآن.