Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا نعرف عن أسطول أقمار التجسس التابع للولايات المتحدة؟

الإقرار العلني ببعض الحقائق المحدودة لن يلحق ضرراً بأنظمة الأقمار الاصطناعية الحالية والمستقبلية ويتماشى مع التزام الحكومة تجاه الشعب الأميركي بالشفافية والانفتاح قدر الإمكان

ظلت جميع برامج التجسس الأميركية بالأقمار الاصطناعية سرية حتى ديسمبر من عام 2025 (أ ف ب)

ملخص

ظلت جميع برامج التجسس بالأقمار الاصطناعية سرية حتى أواخر 2025 بعد أن رفع مدير مكتب الاستطلاع الوطني رسمياً السرية عن بعض الحقائق المحدودة المتعلقة ببرنامج "جامب سيت".

تقدم الأقمار الاصطناعية والاستخبارات الفضائية تصويراً عالي الدقة للمواقع العسكرية، ولا تزالا وسيلتين مهمتين لاعتراض الاتصالات عبر الفضاء ولتتبع التحركات العسكرية والبحرية على الأرض. وعلى رغم أنه مستخدم منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن سلاح التجسس الأميركي من السماء بواسطة الأقمار الاصطناعية لا يزال أكثر دقة وأقل ظهوراً من معظم أسلحة التجسس الرقمية الحديثة الأخرى. وفي هذا السياق أكدت مواقع علمية أميركية أن مكتب الاستطلاع الوطني الأميركي أطلق منذ عام 1971 أكثر من أربعة أجيال من أقمار التجسس في مدار متزامن مع الأرض فوق خط الاستواء. إذ كانت الأقمار مزودة بهوائيات ضخمة، إضافة إلى تلسكوبات "بحجم حافلة" موجهة نحو الأرض، وذلك لتكون قادرة على رصد أي مكان في العالم. وتعد هذه الأقمار من بين أكبر أقمار التجسس في المدار، مما استلزم استخدام صواريخ ثقيلة لنقلها إلى مواقع رصدها في المدار الأرضي.

سرية للغاية

نظراً لأهميتها القصوى، ظلت جميع برامج التجسس الأميركية بالأقمار الاصطناعية سرية حتى ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025. إذ رفع مدير مكتب الاستطلاع الوطني كريس سكوليز رسمياً السرية عن "بعض الحقائق المحدودة" المتعلقة ببرنامج "جامب سيت" التجسسي الذي يعد أول هذه البرامج وأكبرها. وإلى جانب كوكبة "جامب سيت" ضم أسطول التجسس الأميركي سلسلة أقمار "كورونا". وكانت سلسلة أقمار "كورونا" التجسسية وهي "أقمار استطلاع تصويري نشطة منذ ستينيات القرن الماضي" تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية. وقد اعترفت بها الحكومة الأميركية رسمياً بعد مرور 30 عاماً على إطلاقها للفضاء. أما المجموعة الثالثة من هذا الأسطول فتكونت من قمرين هما "غامبيت" و"هيكساغون". ويمثل "غامبيت" و"هيكساغون" برنامجين آخرين للأقمار الاصطناعية التجسسية البصرية، وقد أطلقا في الفترة من الستينيات إلى الثمانينيات، وقد رفعت وكالة الاستطلاع الوطنية السرية عنهما في عام 2011.

وبعد أن نشر مكتب الاستطلاع الوطني الأميركي هذه المعلومات في بيان صحافي، كتب سكوليز عن رفع السرية هذا، موضحاً أنه "يتماشى مع أحكام أمر تنفيذي وقعه الرئيس السابق باراك أوباما عام 2009، الذي وضع مبادئ توجيهية لكيفية ووقت تصنيف معلومات الأمن القومي ورفع السرية عنها". وقال سكوليز في مذكرة رفع السرية عن "جامب سيت" المؤرخة في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025: "لقد خلصت إلى أن الإقرار العلني ببعض الحقائق المحدودة لن يلحق ضرراً بأنظمة الأقمار الاصطناعية الحالية والمستقبلية لدينا". وأضاف "الإقرار بالبرنامج يتماشى مع التزامنا تجاه الشعب الأميركي بالشفافية والانفتاح قدر الإمكان من خلال رفع السرية عن مثل هذه البرامج التاريخية".

وأشار سكوليز إلى أن مكتب الاستطلاع الوطني (NRO) سيقيم إمكانية رفع السرية بالكامل عن برنامج جامب سيت، وذلك بحسب ما يسمح به الوقت والموارد. كذلك أقر سكوليز في هذا البيان بأن شركات تجارية تشغل حالياً أقماراً اصطناعية للاستخبارات الإلكترونية (SIGINT) ، مؤكداً أن قدرات الأقمار التجسسية الأميركية الجديدة تضاهي قدرات برنامج "جامب سيت"، إن لم تكن تتفوق عليها.

"جامب سيت"

وفق الصحافي الأميركي المتخصص في شؤون الفضاء ستيفن كلارك، فقد أطلقت أميركا ثمانية أقمار اصطناعية من طراز "جامب سيت" بين عامي 1971 و1987، وفي ذلك الوقت كانت الحكومة الأميركية تعد وجود مكتب الاستطلاع الوطني نفسه سراً من أسرار الدولة. واستمرت أقمار "جامب سيت" في العمل حتى عام 2006. فيما ذكر مكتب الاستطلاع الوطني أن مهمتها الأساسية كانت "مراقبة تطوير أنظمة الأسلحة الهجومية والدفاعية للخصوم". إذ جمعت مجموعة أقمار "جامب سيت"، "معلومات دقيقة عن الانبعاثات والإشارات الإلكترونية ومعلومات استخباراتية عن الاتصالات، إضافة إلى معلومات استخباراتية عن أجهزة أجنبية".

جاء ذلك في مقالة نشرت على موقع علمي، تحت عنوان "وكالة التجسس الأميركية تكشف عن محطة تنصت فضائية عالية التحليق تعود إلى حقبة الحرب الباردة". إذ أكد الصحافي ستيفن كلارك أن أقمار "جامب سيت" الاصطناعية كانت تحوم فوق القطب الشمالي للتجسس على الاتحاد السوفياتي. وأن مكتب الاستطلاع الوطني، وهو الوكالة المسؤولة عن أسطول أقمار التجسس التابعة للحكومة الأميركية، رفع السرية عن البرنامج الذي يعود لعقود مضت.

ما الجديد؟

كان البرنامج التجسسي الأميركي الأهم منذ سبعينيات القرن الماضي يعرف بالاسم الرمزي "جامب سيت"، وحتى وقت قريب، كان وجوده معروفاً لعامة الناس من خلال التسريبات والتقارير الإعلامية فقط. وأما الجديد في هذا الشأن فهو "وصف مكتب الاستطلاع الوطني لغرض البرنامج وتطويره، إضافة إلى نشر صور للأقمار الاصطناعية نفسها". إذ وصف مكتب الاستطلاع الوطني "جامب سيت" بأنه: "أول جيل من أقمار الولايات المتحدة التي تدور في مدار بيضاوي عالي الارتفاع لجمع الإشارات". وذكر المكتب أيضاً أن البيانات التي اعترضتها أقمار "جامب سيت" وصلت إلى وزارة الدفاع ووكالة الأمن القومي وإلى "جهات أخرى معنية بالأمن القومي".

من جهة ثانية، أكد الصحافي الأميركي أن الاتحاد السوفياتي، كان أول من أدرك أهمية هذا النوع من المدارات. وأن الحكومة السوفياتية هي من بدأت إطلاق أقمار اصطناعية للاتصالات والإنذار المبكر في مدار مماثل في عام 1971، وكان ذلك قبل بضعة أعوام من إطلاق مهمة "جامب سيت". إذ أطلق السوفيات على المدار السري حينها اسم "مولينا"، ومولينا هي كلمة روسية تعني البرق.

مدارات بيضاوية

كان الاتحاد السوفياتي الهدف الرئيس لعمليات جمع المعلومات الاستخباراتية التي قامت بها أقمار "جامب سيت". إذ حلقت هذه الأقمار في مدارات بيضاوية شديدة الانحراف، تتراوح ارتفاعاتها بين بضع مئات من الأميال و24 ألف ميل (39 ألف كيلومتر) فوق سطح الأرض. وكانت مسارات تحليق الأقمار مائلة بحيث تصل إلى نقطة الأوج، وهي أعلى نقطة في مداراتها، فوق أقصى نصف الكرة الشمالي. ونظراً لأن الأقمار الاصطناعية تتحرك بأبطأ سرعة لها عند نقطة الأوج، فقد حلقت أقمار "جامب سيت" على ارتفاع شاهق فوق القطب الشمالي وروسيا وكندا وغرينلاند طوال معظم الساعات الـ12 التي استغرقتها لإكمال دورة كاملة حول الأرض. إذ منح هذا المسار أقمار "جامب سيت" تغطية مستمرة فوق القطب الشمالي والاتحاد السوفياتي.

كشف البرنامج للمرة الأولى

أكد كلارك أن الكشف عن اسم "جامب سيت" للمرة الأولى جاء من خلال كتاب صدر عام 1986 للصحافي الاستقصائي سيمور هيرش، الذي تناول قصة إسقاط الاتحاد السوفياتي لطائرة الخطوط الجوية الكورية الرحلة 007 في عام 1983. إذ كتب هيرش حينها: "إن أقمار ’جامب سيت‘ الاصطناعية كانت قادرة على اعتراض جميع أنواع الاتصالات، بما في ذلك الرسائل الصوتية بين أفراد الطاقم الأرضي والطيارين السوفيات". وفي هذا السياق، قال جيمس أوتزن وهو مدير مركز دراسات الاستطلاع التابع لمكتب الاستطلاع الوطني: "لا يمكن التقليل من الأهمية التاريخية لأقمار ’جامب سيت‘. فقد وفر مدارها للولايات المتحدة موقعاً استراتيجياً جديداً لجمع معلومات استخباراتية فريدة وحيوية من الفضاء". كذلك كتب مؤرخا الفضاء دواين داي ونيكولاس واتكينز في مقالة نشرت عام 2020 في مجلة "سبيس ريفيو" أن قمر "جامب سيت" ربما كان "الأكثر غموضاً" بين أقمار المراقبة عالية الارتفاع التابعة لمكتب الاستطلاع الوطني في عصره. وذكر داي واتكينز أن أقمار "جامب سيت"، "رفعت مستوى التكنولوجيا في مجال الحمولات والهوائيات وتصميم الأقمار الاصطناعية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التصميم

تقول مواقع علمية عن شكل هذه الأقمار السرية ومواصفاتها وتصميمها: "صنعت الأقمار من قبل شركة (هيوز إيركرافت)، المتخصصة في إنتاج أقمار اصطناعية تستخدم الحركة الدورانية لتحقيق استقرارها". فيما يرى ستيفن كلارك أن الشكل الأسطواني لأقمار "جامب سيت" في الصور التي رفعت عنها السرية أخيراً "لم يكن مفاجئاً". إذ لم يكن الشكل الدقيق لهيكل الهوائي على السطح العلوي لمركبة "جامب سيت" الفضائية معروفاً لعامة الناس، فيما كان السطح العلوي للقمر مزوداً بجهاز لموازنة دورانه، مما كان يسمح للهوائيات بالتوجه نحو مصادر الراديو مباشرة.

وفي هذا السياق، أظهر رسم توضيحي نشره مكتب الاستطلاع الوطني أن الأقمار الاصطناعية كانت تحمل هوائياً طوله 13 قدماً لاعتراض الإشارات اللاسلكية، وهو أصغر قليلاً من التقديرات السابقة المتاحة للعموم لحجم الهوائي. وعلى رغم أن مكتب الاستطلاع الوطني لم يكشف عن أنواع الإشارات التي اعترضتها أقمار "جامب سيت" تحديداً، فإن داي وواتكينز كتبا في عام 2020 أن أحد المبررات المبكرة للبرنامج كان مراقبة الرادارات السوفياتية، وهو ما قد فسره بعض المحللين على أنه "جزء من نظام سري مضاد للصواريخ الباليستية". وفي السياق ذاته، قدم باحثون أدلة تشير إلى أن قمر "جامب سيت" كان على الأرجح "مزوداً بمستشعرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء لرصد تجارب الصواريخ السوفياتية، وتوفير إنذار مبكر بهجوم صاروخي سوفياتي محتمل على الأراضي الأميركية".

دور القوات الجوية

طورت أقمار "جامب سيت" الاصطناعية بالتعاون مع القوات الجوية الأميركية. إذ حلقت أولى أقمار المراقبة الحكومية في مدار أرضي منخفض في ذلك الوقت، ومكثت نحو 15 دقيقة في نطاق الأراضي السوفياتية في كل دورة. وتشير مصادر إعلامية إلى أن مكتب الاستطلاع الوطني والقوات الجوية الأميركية أطلقا أقمار "جامب سيت" الاصطناعية على متن صاروخ "تيتان" الثقيل من قاعدة جوية في كاليفورنيا. وذكرت القوات الجوية أن "جامب سيت" كان "برنامجاً تأسيسياً" لبرامج الأقمار الاصطناعية اللاحقة التابعة لمكتب الاستطلاع الوطني والتي تدور في مدارات بيضاوية عالية.

وبحسب مصادر عامة، فقد بدأ مكتب الاستطلاع الوطني  (NRO)إطلاق جيل جديد من أقمار التجسس عالية الارتفاع، المعروفة باسم "ترومبيت"، وذلك بدءاً من عام 1994، إلا أن تفاصيل هذه المجموعة من الأقمار لا تزال سرية. ويذكر أن الأقمار الحديثة تعد من بين الأكبر في المدار، فيما كانت أقمار "جامب سيت" أصغر حجماً بكثير من الأقمار الحديثة، إذ تراوح وزن قمر "جامب سيت" بين نصف طن وطن واحد عند الإطلاق.

اقرأ المزيد

المزيد من علوم