ملخص
إذا اضطرت العاملة إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل، فإن كلفة الرحلة لا تقتصر على أجرة الحافلة، ومن الممكن أن تشمل وسيلة إضافية للوصول إلى نقطة الانطلاق، أو سيارة أجرة عند تأخر الخدمة أو توقفها، فضلاً عن الوقت المفقود واحتمال التأخر عن الدوام، بخاصة عندما يتعلق الأمر بوظائف تقع خارج مناطق السكن.
على رغم ارتفاع نسبة السيدات العاملات ودخولهن بقوة في معظم قطاعات الأعمال في الأردن، لا تزال عقبات عدة تعترض طريقهن، إذ تبدأ رحلة معاناة المرأة الأردنية من حساب كلفة التنقل والبحث عن وسيلة توصلها في الموعد المناسب والتفكير في كيفية العودة للمنزل، إذا انتهى الدوام في وقت متأخر وبعد توقف الحافلات عن العمل.
وبسبب هذه المعاناة التي تكتنفها رحلة يومية طويلة ومكلفة، تضطر كثيرات الى الامتناع عن العمل أو رفض بعض الفرص، مما أعاد الملف برمته للواجهة عبر نقاش حكومي بحث خطة تعزيز وصول النساء إلى وسائل نقل عام آمنة وميسورة الكلفة، في إطار البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي.
يشار إلى أنه خلال الربع الثاني من عام 2026، بلغ معدل البطالة بين الأردنيين من الجنسين 21 في المئة، وسجل معدل البطالة بين إجمال الإناث 19.9 في المئة وفق البيانات التي نشرتها وكالة الأنباء الأردنية نقلاً عن دائرة الإحصاءات العامة.
أرقام تكشف عن حجم المشكلة
وتطرح الخطوة سؤالاً يتجاوز فكرة تطوير الحافلات ومحطات الانتظار، إلى المدى الذي يشكله النقل العام بوصفه أحد العوائق التي تحول دون وصول النساء إلى سوق العمل، وما الذي يتطلبه تحويل الخطط الحكومية إلى خدمة يمكن قياس أثرها في حياة النساء؟
وفقاً لدراسة "النوع الاجتماعي في النقل العام" التي أعدتها "مؤسسة صداقة" بالتعاون مع "مؤسسة فريدريش إيبرت" والتي أجريت عام 2019، فإن 47 في المئة من النساء الأردنيات اللواتي استُطلعت آراؤهن، رفضن فرص عمل بسبب واقع المواصلات العامة، فيما قالت 55 في المئة من النساء اللواتي يستخدمن النقل العام إن الخدمة تؤثر سلباً في حياتهن، وتتسبب في تأخرهن المتكرر عن أماكن العمل أو الدراسة، ومن الممكن أن تدفعهن أحياناً إلى ترك العمل أو الدراسة.
وتشير الدراسة إلى أن المشكلة لا تقتصر على توافر وسيلة نقل من المنزل إلى مكان العمل، بل تشمل انتظام الخدمة وتوقيت الرحلات وعدد مرات تبديل الوسائط والمسافة بين المنزل ومحطة الحافلات وكلفة الوصول إلى المحطة ثم العودة منها.
وأورد تحليل نشره صندوق النقد الدولي عام 2022 عن الأردن، أن المرأة الأردنية العاملة تقضي في المتوسط نحو 48 دقيقة في التنقل من العمل وإليه، وتتحمل كلفة مواصلات تقارب 100 دولار شهرياً.
وإذا اضطرت العاملة إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل في الاتجاه الواحد، فإن كلفة الرحلة لا تقتصر على أجرة الحافلة، وقد تشمل وسيلة إضافية للوصول إلى نقطة الانطلاق، أو سيارة أجرة عند تأخر الخدمة أو توقفها، فضلاً عن الوقت المفقود واحتمال التأخر عن الدوام، بخاصة عندما يتعلق الأمر بوظائف تقع خارج مناطق السكن، أو تتطلب دواماً باكراً أو مسائياً، ولا تتوافق مواعيدها مع ساعات تشغيل النقل العام.
هل النقل متهم؟
وضمن تقرير "تشخيص النقل العام في الأردن والتوصيات" المنشور عام 2022، حدد البنك الدولي مجموعة من التحديات التي تعوّق بناء منظومة نقل عام متاحة وفاعلة وآمنة وميسورة الكلفة.
وشملت هذه التحديات ضعف التغطية وتواتر الرحلات وعدم تكامل الخدمات والتعرفة، وما ينتج من ذلك من ارتفاع كلفة التنقل وطول زمن الرحلات، فضلاً عن تدني موثوقية الخدمة ومخاوف السلامة التي تؤثر خصوصاً في النساء.
وأشار التقرير إلى أن النساء يشكلن نحو ثلث مستخدمي النقل العام في الأردن، وأن أقل من نصف النساء يلجأن إلى هذه الوسائل، وفق البيانات التي استند إليها التقرير.
وقدّر التقرير أيضاً بأن انخفاض مشاركة النساء الاقتصادية قد يكلف الاقتصاد الأردني نحو 65 مليون دولار سنوياً من الإنتاجية بحلول عام 2030.
وتفيد دراسات أخرى بأن 78 في المئة من الخريجين في الأردن يجدون أن عدم توافر وسائل النقل العام الكافية يشكل عائقاً أمام حصولهم على فرص العمل.
وتؤكد مجموعة من النساء العاملات اللواتي تحدثن إلى "اندبندنت عربية" أن وسائل النقل العامة غير موثوقة أو آمنة، وأن حجم إنفاقهن على وسائل النقل لا يقل عن ربع ما يتقاضينه من رواتب، مع الإشارة إلى إحصاء مهم يبيّن أن النساء يشكلن ثلث ركاب وسائل النقل العام في الأردن.
خطة حكومية
بدورها تعمل الحكومة الأردنية على تحسين وصول النساء إلى وسائل نقل آمنة وميسورة الكلفة، من خلال محاور تشمل تعزيز الربط بين المناطق السكنية وتحسين البنية التحتية لمحطات الحافلات ومراعاة حاجات النساء ذوات الإعاقة وتدريب العاملين في قطاع النقل وتعزيز الرقابة والتوعية.
ويقول وزير النقل والعمل نضال القطامين إن ثمة إجراءات تشمل خدمات نقل للعاملات في القطاع الزراعي، وإمكان الاستفادة من النقل المدرسي في محافظات الجنوب، وتطوير خدمات النقل المنتظم بين المحافظات، إضافة إلى الدفع الإلكتروني وأنظمة التتبع والرقابة التلفزيونية وآليات استقبال الشكاوى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن هذه الخطة الواعدة تحتاج إلى وضوح أكثر عن ساعات تشغيل الحافلات والفواصل الزمنية بين الرحلات وعدد المحطات وآليات الاستجابة لشكاوى التحرش أو الأخطار الأمنية وانخفاض كلفة التنقل بالنسبة إلى دخل العاملات.
من جهتها تؤكد وزيرة التنمية الاجتماعية وفاء بني مصطفى أن النقل الآمن والميسور يُعد عاملاً أساساً في تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل، وليس مجرد قضية خدمية أو قطاعية وحسب، مبيّنة أن تحسين خدمات النقل للنساء واستدامتها يسهمان في توسيع نطاق التحاقهن بفرص العمل.
وتشير بني مصطفى إلى الصعوبات المتعلقة بالنقل التي تواجه النساء كمحدودية التغطية وطول أوقات الانتظار وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق، وكذلك تحديات البنية التحتية وإمكان الوصول بصورة آمنة وتعدد الرحلات.
ماذا عن التحرش؟
وتقول مؤسسة الاقتصاد النسوي بالشراكة مع تجمع لجان المرأة الوطني الأردني عبر ورقة إحصائية صدرت عام 2024 إن 39.4 في المئة من النساء يواجهن التحرش خلال استخدام المواصلات، مما ينعكس على شعورهن بالأمان ويدفع بعضهن للجوء إلى وسائل نقل خاصة أعلى كلفة.
كما أن ضعف التغطية الجغرافية، خصوصاً في المناطق النائية، يحد من وصول النساء إلى فرص العمل والتعليم، ويجعل التنقل أكثر صعوبة.
وتؤكد الورقة أن مخاوف السلامة قد تدفع بعض النساء إلى استخدام سيارات الأجرة أو وسائل نقل خاصة أكثر كلفة، مما يضيف عبئاً مالياً إلى جانب الأعباء اليومية للتنقل، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى أن قانون العمل الأردني يتناول ممارسات غير قانونية في بيئة العمل، من دون أن يمتد ذلك بوضوح إلى التحرش أثناء التنقل من مكان العمل وإليه.
كما أن قانون السير يركز على تنظيم المرور والسلامة العامة، ولا يتضمن نصوصاً صريحة في شأن التحرش داخل المركبات. وكذلك الحال بالنسبة إلى قانون تنظيم نقل الركاب الذي يركز على الجوانب الفنية والتنظيمية، من دون إدراج نصوص وعقوبات أوضح حول التحرش والمضايقات داخل وسائل النقل.