ملخص
تواجه الزراعة في سوريا تحديات كبيرة أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج، حيث يرى بعض الفلاحين أن مردود الموسم لا يغطي تكاليف الإنتاج، مما دفعهم إلى تقليص المساحة المزروعة، وفي المقابل تقدم الحكومة خططاً لدعم القطاع الزراعي.
على امتداد مساحات شاسعة شرق سوريا، جرت العادة أن تزرع عشرات الآلاف من الدونمات سنوياً بمحصول القمح، الذي يسمى أيضاً "الذهب الأبيض"، إذ تحقق سوريا اكتفاء ذاتياً من المحصول الاستراتيجي، لكن هذا العام تراجعت نسبة الأراضي المزروعة في محافظة دير الزور بأكثر من 50 في المئة مقارنة بالعام الماضي، لأسباب متعددة تنحصر في عدم تحقيق الفلاحين مردوداً يغطي تكاليف الإنتاج مع هامش ربح مجزٍ.
وفق الأرقام الرسمية الصادرة عن اتحاد الفلاحين في دير الزور، فإنه كان من المخطط زراعة نحو 84 ألف دونم بالقطن هذا العام، لكن في الواقع لم تزرع سوى 10 آلاف دونم حتى الآن (الدونم يعني ألف متر مربع).
مشكلات تزداد بكل موسم
المزارع محمد جاسم الحسون، من أبناء ريف دير الزور الغربي، يقول إن "مشكلات الفلاحين تزداد كل موسم، في كل موسم جديد تظهر لنا مشكلة جديدة، أكبر معضلة نواجهها هذا العام هي ارتفاع أسعار الوقود، نحن نحرث الأرض باستخدام الجرارات التي تحتاج إلى الوقود، ثم نسقي المحصول بمضخات المياه التي لا تعمل إلا الوقود، أي شيء نستخدمه في الزراعة لا بد له من الوقود، وبهذه الحالة في بعض الأحيان لا يكفي المردود حتى تكاليف الإنتاج، وفي بعض الحالات تكون كلفة الإنتاج أكثر من المردود، لذلك يفكر بعض الفلاحين وأنا منهم بالتخلي عن هذه المهنة على رغم أننا ورثناها أباً عن جد، لكن الظروف اليوم لا تصب في مصلحة الفلاح، نحتاج لدعم حكومي أكبر للحفاظ على هذه الزراعة".
ويضيف حسون أن "الخسارة لا تتوقف على الموسم الحالي، فإذا اضطر المزارع إلى الاستدانة لتغطية النفقات، فإنه يبدأ الموسم التالي محملاً بالتزامات سابقة، مما يقلص قدرته على شراء المستلزمات أو التوسع في الزراعة، ومع تكرار هذه الدورة نجد أنفسنا مضطرين إلى تقليص المساحة المزروعة".
من جانبه، يقول الناشط السوري صالح الشواخ، إن "تراجع زراعة القطن يعود لأسباب مختلفة، تبدأ من ارتفاع أسعار المحروقات وصولاً إلى حصيلة تراكمية لأعباء متداخلة تبدأ من التمويل وتنتهي عند التسويق، إذ تتمثل معاناة المزارعين في العلاقة بين تكاليف الإنتاج والعائد النهائي، وفي قدرة الفلاح على الاستمرار في زراعة القطن الذي تتراجع الجدوى الاقتصادية لمحصوله، فالمزارع لا يتخذ قراره بشأن القطن بمعزل عن المحاصيل الأخرى، إذ إنه يقارن بين ما يحتاج إليه كل محصول من مياه ومحروقات وبذور وأسمدة وعمالة، وبين الإيرادات التي يحتمل أن يحققها، وعندما تصبح زراعة القطن أكثر كلفة وأقل وضوحاً من حيث العائد، فإن التوجه إلى محاصيل أخرى قد يبدو خياراً أكثر أماناً، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن محصول اعتادت المنطقة زراعته، ولا يعني هذا التحول أن الفلاح فقد اهتمامه بالقطن أو لم يعد يرغب في زراعته، بل قد يعكس محاولة لتجنب خسائر يصعب تعويضها. فالمزارع الذي ينفق مدخراته أو يستدين لتمويل موسم زراعي لا يملك ترف الاستمرار في التجربة، إذا كانت النتائج المتكررة تهدد قدرته على إعالة أسرته أو الحفاظ على أرضه".
قرار الزراعة... معادلة محيرة
ويضيف الشواخ أن صعوبة القرار "تزداد في ظل عدم وضوح سعر شراء القطن، فقبل الزراعة يحتاج الفلاح إلى تقدير الإيرادات المحتملة، لكن غياب سعر معلن ينسجم مع تكاليف الإنتاج يجعل حساب الربح والخسارة أقل دقة. حتى عندما ينجح الموسم من الناحية الزراعية، ويكون المحصول جيداً من حيث الكمية، لا يعني ذلك بالضرورة أن المزارع سيحقق عائداً مناسباً. وتبرز هنا مشكلة التسعير بوصفها واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في قرارات المزارعين، فالسعر الذي لا يغطي كلفة الإنتاج، أو الذي يعلن بعد أن يكون الفلاح قد اتخذ قراره وأنفق معظم أمواله، لا يوفر له الحماية الاقتصادية المطلوبة، كذلك فإن عدم اليقين بشأن آلية التسويق يجعل تقدير العائد النهائي أكثر صعوبة، ويزيد من أخطار الدخول في موسم جديد".
ويرى الناشط السوري أنه "لا يمكن فصل أزمة القطن عن قدرة المزارع على الوصول إلى مستلزمات الإنتاج بأسعار مقبولة، فالبذور والأسمدة هي نفقات لا يمكن الاستغناء عنها، فهي تؤثر في نمو النبات والإنتاجية النهائية، وإذا اضطر الفلاح إلى تقليص الكميات المستخدمة بسبب ارتفاع أسعارها، فإنه قد يوفر جزءاً من الإنفاق في البداية، لكنه يخاطر في المقابل بانخفاض الإنتاج أو تراجع جودته. وتضاف إلى ذلك أجور اليد العاملة، التي تشكل عبئاً آخر خلال مراحل الخدمة والقطاف، فالمحصول يحتاج إلى عمليات متتابعة لا يمكن تنفيذها كلها بالاعتماد على أفراد الأسرة، خصوصاً عندما تتسع المساحة المزروعة، وكل ارتفاع في الأجور ينعكس على إجمالي كلفة الدونم، فيما يبقى العائد النهائي مرتبطاً بعوامل أخرى، بينها كمية الإنتاج والسعر الذي سيحصل عليه المزارع".
ويتابع الشواخ "إلى جانب ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف الري، يواجه مزارعو القطن أعباء تتصل بتأمين البذور والأسمدة ومستلزمات مكافحة الآفات، وهي نفقات تزداد أهميتها في ظل تقلص قدرة الفلاحين على تمويل الموسم من مواردهم الخاصة، إذ تبدأ الكلفة قبل الزراعة، مع تجهيز الأرض وحراثتها وتسويتها، ثم شراء البذور والبدء بالزراعة، وبعد ذلك، تتوالى نفقات التسميد ومكافحة الآفات والري، قبل أن تضاف إليها أجور العمالة خلال مراحل الخدمة والقطاف. وتكمن المشكلة في أن هذه المصروفات لا تدفع دفعة واحدة، بل تتوزع على أشهر الموسم، وقد يبدو كل بند منها قابلاً للتحمل بمفرده، لكن تراكمها يرفع إجمالي الكلفة إلى مستوى يصعب على المزارع تغطيته، خصوصاً عندما تكون عائدات المواسم السابقة قد تأخرت أو لم تحقق الربح المتوقع. كذلك فإن ارتفاع كلفة المستلزمات يحد من قدرة المزارع على التعامل مع الأخطار الزراعية، فالمحصول قد يتعرض لآفات أو ظروف جوية تؤثر في إنتاجيته، وقد يحتاج إلى تدخلات إضافية لم تكن ضمن حساباته الأولية، وعندما تكون موارده المالية محدودة، يصبح من الصعب عليه توفير كل ما يحتاج إليه المحصول في الوقت المناسب".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وزارة الزراعة ترد: صعوبات وخطط
من جانبها، تنقل وكالة الأنباء السورية "سانا" عن مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة محمد معري قوله إن "التقديرات تشير إلى إنتاج نحو 80 ألف طن من محصول القطن خلال الموسم الحالي (2026)، حيث بلغت المساحة المزروعة في عموم سوريا نحو 26593 هكتاراً". ولم ينفِ المعري وجود صعوبات واجهها محصول القمح، حيث أشار إلى أن "المحصول واجه خلال الموسم الحالي جملة من التحديات المناخية والزراعية، أبرزها انخفاض درجات الحرارة واستمرار هطول الأمطار حتى مايو (أيار)، مما أدى إلى تأخر عمليات الزراعة، إضافة إلى تعرض بعض المساحات المزروعة بالقطن للضرر نتيجة ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات". وتابع أن "هذه الظروف تزامنت مع صعوبات أخرى تواجه زراعة القطن في سوريا، لا سيما انخفاض كميات مياه الري جراء تراجع الموارد المائية وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لشبكات الري، وهي عوامل تضافرت لتتسبب في تراجع المساحات المزروعة بالمحصول خلال الأعوام الماضية".
وأكد المسؤول السوري أن "العمل يجري حالياً للتخطيط لاعتماد أساليب وتقنيات ري حديثة كخيار استراتيجي من شأنه تخفيض استهلاك المياه وتحسين كفاءة استخدامها حيث إن التوجه نحو تطوير أساليب الري يأتي ضمن الجهود الرامية إلى تحسين إنتاجية وحدة المساحة والحفاظ على الموارد المائية، بما ينسجم مع متطلبات زراعة القطن في ظل الظروف المناخية والمائية الحالية. كذلك تتابع الوحدات الإرشادية في مديريات الزراعة المزارعين خلال مراحل زراعة المحصول، وتقدم لهم الإرشادات والتدريبات والنصائح اللازمة لتحسين عمليات الإنتاج، أما خطط الوزارة للأعوام المقبلة فتتضمن زيادة المساحات المزروعة بالقطن على مستوى سوريا، وإدخال الاستثمار في مجال زراعة وصناعة القطن، واعتماد أساليب الزراعة الحديثة، بما فيها الري بالتنقيط، إلى جانب استنباط أصناف جديدة مبكرة وعالية الإنتاجية".ش