ملخص
يتزامن الإعلان عن تكريم النجمة المصرية منى زكي بجائزة "الإنجاز الإبداعي" في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، مع بدء عرض مسلسلها الجديد على منصة شاهد "طالع نازل" من تأليف كاتبتين هما سماء أحمد عبدالخالق وإنجي القاسم، ومن إخراج هاني خليفة. تبلغ منى في المسلسل، الذي تصدر حلقاته تباعاً، قمة جديدة في الأداء التمثيلي، لتذكرنا بالتطور المستمر الذي شهدته رحلتها مع فن التمثيل، منذ كانت ممثلة صاعدة مع محمد صبحي في مسرحيته "بالعربي الفصيح" عام 1991، وحتى التتويج المستحق لها اليوم، وهي لا تزال في حال عطاء فني.
تشكلت رحلة منى زكي من محطات عديدة، وتغيرت الصورة التي تقدم بها نفسها من مرحلة إلى أخرى. هي التي أُحيطت بهالة الفتاة الرقيقة ابنة الطبقة المتوسطة الطموحة، التي تضع الحب موضعاً رفيعاً من حياتها، اشتغلت مبكراً مع مخرجين كبار وممثلين كذلك ساعدوها على إرساء حضور خاص بها على الشاشة الفضية. أيام كانت هذه الأخيرة "تدخل كل بيت" فعلاً، قبل أن تتعدد المنصات وقنوات العرض، ويتفرق دم الأعمال الفنية بين الازدحام وتشتت المتفرجين وتأثير حملات الدعاية المصنوعة على وسائل التواصل الاجتماعي.
مجد تلفزيوني
مثلت منى في مسلسلات درامية ذاع صيتها، على سبيل المثال شاركت في "العائلة" عام 1994 من تأليف وحيد حامد وإخراج إسماعيل عبدالحافظ. ومع يحيى الفخراني ملك الدراما المتوج عملت في "نصف ربيع الآخر" تأليف محمد جلال عبدالقوي، وإخراج يحيى العلمي عام 1996. ومالت مع رياح التغيير التي بدأت تحرك سفينة الفن، فقدمت مع أحمد السقا، الذي سيصبح نجماً للشباك وشريكها الفني في أعمال مستقبلية قادمة، سهرة تلفزيونية ناجحة هي "زواج على ورق سوليفان" عام 1998، من تأليف إقبال بركة وإخراج علاء كريم، وكان الدور جريئاً إلى حد ما على صورة الفتاة المطيعة المعتادة، وهذه المرة كانت البطلة تريد أن تحب وتتماهى مع الحبيب ولو خارج إرادة المجتمع الكبير، وحتى لو دفعت الثمن لاحقاً. وكأنها بذور للتمرد، لن تستثمرها الممثلة الشابة إلا بعد ذلك بأعوام طويلة.
في الفترة نفسها، ستظهر منى زكي في المسلسل الناجح "الضوء الشارد" تأليف محمد صفاء عامر وإخراج مجدي أبو عميرة، وتتولى دور البطولة في مواجهة ممثل مخضرم من طراز ممدوح عبدالعليم، والدور لبنت صعيدية منصاعة للحب لكن ليس خارج الإطار المسموح به. مع أحمد زكي وسناء جميل ستشارك في فيلم "اضحك الصورة تطلع حلوة" من تأليف وحيد حامد وإخراج شريف عرفة، وسيحقق الفيلم انتشاره الأكبر لا في دور السينما، لكن حين ستبدأ عروضه على القنوات الفضائية أي مجدداً في التلفزيون. ثم سينقلها "صعيدي في الجامعة الأميركية" 1999 من تأليف مدحت العدل وإخراج سعيد حامد، هي وأبناء جيلها (محمد هنيدي وأحمد السقا وهاني رمزي) إلى مرحلة أكثف على مستوى التفاعل الجماهيري آنذاك، في اتجاه موكب سينما شبابية بدماء جديدة، وعنوانها الأكبر "المضحكون الجدد".
وجه الڨيديت
هذا النشاط الفني سيتكثف مع بداية الألفية الثالثة، وستمسي منى ڨيديت السينما المصرية الجديدة، وسترتفع الآمال إزائها هي وحنان ترك، في فترة نشاط الأخيرة الفني وقبل اعتزالها. لتلعب دور الحبيبة المحفزة للبطل في "أفريكانو" مع أحمد السقا، وإخراج عمرو عرفة عام 2001. وفي تنويعة على الدور نفسه، ستقدم شخصية جيهان السادات في شبابها، وهي قرينة الرئيس أنور السادات في فيلم محمد خان وأحمد زكي "أيام السادات". في الأثناء، لن تتخلى عن الحضور التلفزيوني، ولا الأعمال المسرحية الجماهيرية والكوميدية التي سيجري تصويرها ونقلها إلى البث التلفزيوني. ستسهم في "عفروتو" و"كدة أوكيه". وتلتقي يحيى الفخراني مجدداً في "جحا المصري". وحتى قناع البنت الصعيدية ستعيد ارتداءه، في أجواء أكثر قتامة وأشد بؤساً في "وجع البعاد" 2001.
وكان يمكن أن تظل أسيرة لدور فتاة الأحلام الجميلة، كما حققت ذروته في أفلام "من نظرة عين" 2003، أو "أحلام عمرنا"، وحتى "أبو علي" نسبياً عام 2005. لكن ميلها إلى التجريب، وربما حتى التمرد سيدفعها لتقديم أداء كوميدي في فيلم "خالتي فرنسا" عام 2004 مع عبلة كامل، ضمن تيار أفلام ذات طابع شعبي خفيف الظل كتبها بلال فضل خلال تلك الفترة.
محاولة لتغيير الجلد
تجدر الإشارة بالطبع إلى أن فترة نجومية منى زكي الأولى في مطلع الألفية الثالثة تصدر فيها كالعادة النجم الذكر، سواء في الأكشن الذي سيتطور تنفيذه تقنياً على يد المخرج شريف عرفة لا سيما في "مافيا" عام 2002 مع أحمد السقا، أو في الكوميديا مع صعود محمد هنيدي وعلاء ولي الدين ومحمد سعد، ولاحقاً أحمد حلمي. وفي أجواء أشبه بالردة الفكرية ساد التقييم الأخلاقي للأفلام والأدوار، ورفعت الصحافة شعار "السينما النظيفة" كحل غريب لأزمة أطلق عليها "أزمة الورق"، وارتبطت السينما المصرية فجأة وبصورة قسرية بنموذج السينما الإيرانية المحافظ.
هذه الخلفية تهمنا لنفهم أن تقدم منى زكي في رحلتها، لم يكن عبر طريق مفروش بالورد أو حتى بالحرية. وأنها مثل نجمات سينما كثيرات في الأعوام الأخيرة، حوصرت بما يكتب عموماً للنساء من أدوار محدودة ومربوطة بالنجم الذكر. وفي ظل الشرطين المكبلين، ستسعى منى لتغيير جلدها كلما أمكن، فتجازف بالمشاركة في فيلم "سهر الليالي" الجريء 2003 من سيناريو تامر حبيب وإخراج هاني خليفة، الفيلم الذي سيفتح نافذة صغيرة، لصناع سينما شباب يسيرون عكس التيارين المحافظ والكوميدي.
ولعل الشخصية التي لعبتها منى زكي في "سهر الليالي" هي الأقل جرأة بين الأدوار النسائية الأربعة، غير أنها تلفت إلى الطريقة التي ستعمل بها النجمة لاحقاً على نحت شخصيتها الفنية الخاصة وتثبيت بصمتها، إذ تتعرض الزوجة بيري لخيانة وقحة ومستمرة من زوج يُفترض أنه مُحب (فتحي عبدالوهاب). وعلى رغم أن تامر حبيب روى الفيلم أساساً من وجهة نظر الذكور، فإنه منح شخصية بيري مساحة لإظهار العذابات العاطفية إزاء اكتشاف الخيانة، والقلق المضني وحتى العجز عن الحل، مما سيسمح لمنى زكي بتقديم أداء جواني، يرتكز إلى الجرح العميق لامرأة شديدة الحب والإخلاص. وهي تقريباً المنطقة النفسية نفسها التي ستطورها مع المخرج هاني خليفة، حين ستلعب بعد أعوام شخصية نورا في مسلسل "طالع نازل".
"إحكي يا شهرزاد"
وتتواصل حال المراوحة بين أدوار الحبيبة التقليدية، وحين تسنح الفرصة أدوار مركبة نفسياً. من اللافت مثلاً أنها قدمت للكاتب نفسه تامر حبيب، دوراً مؤثراً للمحبة المهجورة في فيلم جريء آخر هو "عن العشق والهوى" مع المخرجة كاملة أبو ذكري عام 2006. واختارت بعده سيناريو غير تقدمي إزاء عمل النساء لحبيب كاتباً وخالد مرعي مخرجاً في "تيمور وشفيقة" عام 2007.
ويجوز أن الفضل يعود للسيناريست الراحل وحيد حامد في توجيه منى زكي إلى منطقة أنضج فنياً وفكرياً وأكثر تعبيراً عن النساء الحقيقيات وليس الرومانسيات الساذجات على الشاشة، حين كتب سيناريو الفيلم النسوي "إحكي يا شهرزاد" عام 2009، من إخراج يسري نصرالله، وهو الفيلم الأنجح للأخير باعترافه الشخصي. هذه المرة لم تكن المذيعة (هبة يونس) التي لعبتها منى مجرد حبيبة مخدوعة في زواجها برجل انتهازي مسيء، لكن وضعها الطبقي والمهني سيدفعها للاطلاع على مكابدات نساء من طبقات أخرى، والتماهي معهن.
في الفترة اللاحقة، ومع التزاماتها الأسرية سيقل وجود منى زكي الفني، ويتوازى ذلك مع تراجع عام في كم وكيف الأفلام المنتجة. وبعد فترة الكمون بما فيها من تركيز على التجربة الإنسانية ومسافة للتأمل، إلى جانب هضم الخبرات الفنية السابقة، عادت منى بروح مختلفة للأعمال التلفزيونية. ستكون بطلة مسلسل "آسيا" عام 2013، إلا أن "أفراح القبة" المقتبس عن رواية لنجيب محفوظ ومن إخراج محمد ياسين عام 2016، سينجح أكثر في إعادة تقديمها للجمهور الجديد.
مجازفات أكبر
في الفترات اللاحقة، ستغدو منى زكي أكثر حرصاً على التجريب وتغيير الجلد، مما يدل على استمتاعها الصادق بعملها الإبداعي وتقديرها له. ومع ذلك، فإن بعض الخيارات التي جازفت بها، جرت عليها انتقادات حادة، لا لأن عملها الأدائي لم يكن كافياً أو مقنعاً، بل بسبب تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي الرجعي، والرجوع إلى ذهنية "السينما النظيفة" وعبر خطاب فظ هذه المرة، يبث كراهية صريحة للنساء، ويضغط باستمرار على خيار النجمات النساء تحديداً.
حدث هذا لها خصوصاً مع فيلم "أصحاب ولا أعز" عام 2022، حين نصب المتشنجون محاكمات تفتيش بناءً على لقطة واحدة سريعة من الفيلم تخدم السياق الدرامي وتعبر عن امرأة مختنقة وبائسة بشدة في حياتها الزوجية. ستتجاوز منى زكي الأزمة بلا شك، وستشارك في العمل الناجح جداً في الموسم الرمضاني "لعبة نيوتن" مع المخرج تامر مرسي عام 2021. إلا أن بطولتها لمسلسل "تحت الوصاية" مع المخرج محمد شاكر خضير 2023، ستجعلنا نشهد تطوراً مذهلاً في قدرة منى زكي على تقمص شخصية تختلف تماماً عنها. إنها ترتكز إلى شعور القلق العميق لأم ترملت في شبابها وتقاتل للاحتفاظ بحضانة طفليها، وتضطر في سبيل ذلك إلى اقتحام أشغال الرجال، والتعرض بالتالي لانتقامهم. منى تتقمص هنا جسدياً لا فقط عاطفياً السيدة المحجبة الخائفة من فقد طفليها، معبرة عن آلاف الحالات لنساء مصريات يعانين مع قوانين ظالمة، ولا تسمع أصواتهن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في العام التالي سيعرض لها، في تعاون ثانٍ مع المخرج هاني خليفة فيلم "رحلة 404"، من سيناريو محمد رجاء. حقق الفيلم إيرادات مرتفعة في شباكي التذاكر المصري والسعودي، وكشف عن ممثلة تملك إمكانات فنية أكبر من التي حسبنا أننا قد عرفناها. صحيح أن دور عاملة الجنس السابقة، التي تبتغي توبة دينية، بالعناد مع محيط كامل لا يكف عن تذكيرها بالحياة القديمة، أثار تشنج البعض. إلا أن قوة أداء منى، تحديداً حين تترجم هذا التردد بين يقين الماضي اللامع، والارتياب المتزايد إزاء حياة لم تتشكل بعد، شدد مجدداً على تطور هائل في مسيرة نجمة بدأت قامتها تطاول نجمات السينما المصرية الخالدات.
هجوم جديد
في العام الماضي، عُرض فيلم "الست" من سيناريو أحمد مراد وإخراج مروان حامد، ولعبت فيه منى زكي دور أم كلثوم. دور صعب، لا فقط على مستوى الجهد المطلوب بذله لتقمصه وإقناع الجمهور، لكن لحال القداسة التي تحيط بكوكب الشرق حتى اليوم. احتذاءً بأفلام السيرة الجديدة في العالم، حاول صناع "الست" أن يركزوا على الجانب الإنساني الهش أو المظلم من مسيرة "هرم مصر الرابع"، واجتهدوا قدر استطاعتهم، غير أن هذا الاجتهاد لم ينل ما يكفي من إعجاب المتفرجين الذين أرادوا الفرجة على ثومة الأسطورة، لا الإنسانة كما كان يمكن أن تكون، وليس بالضرورة كما كانت فعلاً.
منى اجتهدت في حدود سياق العمل الفني، وربما ظلمها المكياج، أو توجيه المخرج بالأداء من طبقة صوت بدت مصطنعة، إنما يبقى العمل تجربة فنية حملت فوق ما تحتمل وكانت هدفاً جديداً للمتشنجين المتعصبين سواء من الجمهور أو حتى من النقاد.
ولعل تجربة فيلم "الست" تذكر بمسلسل "السندريلا" 2006 الذي جسدت فيه منى زكي دور سعاد حسني وأخرجه سمير سيف، والتجربة على طموحها لم تكون موفقة، وسرعان ما انتسيت ولم يعد أحد يأتي على ذكرها. ويبقى "الست" أفضل فنياً بمراحل عن السندريلا. وتؤكد التجربتان جسارة منى زكي الفنية وقد تبلغ أحياناً درجة المجازفة غير المحسوبة، لكن هل يمكن صناعة مجد حقيقي، هل يمكن ترك علامة في تاريخ الفن بناء فقط على الحسابات المضمونة، ومع الخضوع المسبق لرقابة مجتمعية تصادر الخيال بهذه القسوة التي نختبرها؟
"طالع نازل"
في "طالع نازل" الذي صدرت منه حتى الآن حلقتان، تتعاون منى للمرة الثالثة مع هاني خليفة، مخرج يبدو أنها على تواصل روحي معه، ويقودنا كل مرة إلى رؤية نسخة جديدة منها. ترتكز منى في أداء شخصية نورا على شعور الأخيرة العميق بالغبن، بعدما أحبت زوجها علي (محمد شاهين) وتفانت في صناعة مجده الفني كملحن، لتفاجأ لاحقاً بأنه متزوج في السر، وأن زوجته حامل، وهو الذي حرمها من الإنجاب، بدعوى اللاإنجابية.
نورا امرأة ضائعة، مجروحة بشدة من الخيانة والخديعة وسرقة العمر، لكنها أيضاً امرأة تحب، وربما متعلقة جداً بهذا الزوج النذل. في نهاية الحلقة الثانية، وبعد أن يكون السيناريو أسس العالم المحيط بها، وأرانا قلقها المزمن ومسعاها إلى تهدئته بالعلاج النفسي، تختبر نورا لحظة انهيار نفسي مع زوجها الحبيب. تأتي في الكلام على سيرة سندريلا، النموذج المضاد لها. فلئن كانت الأسطورة قد بدأت من امرأة في حال إذلال، لكن الحب يمكنها من استعادة عزها، فإن نورا على النقيض امرأة تهبط من العزة إلى الحضيض بعد الحب والخيانة. ويلخص الحوار كل هذه الحال في عبارة قصيرة أليمة، تقولها نورا حين يحاول زوجها التودد لها: "بس أنا مش سندريلا بتاعتك!".
وكأننا لسنا أمام منى زكي التي نعرفها، بل نورا المثيرة للشفقة إلى أقصى حد، لكن أيضاً المرعبة، التي تزرعنا رأساً في قلب حطامها، وتجعلنا نخشى عليها ونخشى منها. ربما ننتظر انتقاماً بطيئاً من نورا في الحلقات المقبلة، لكننا ننتظر من منى زكي نفسها مزيداً ومزيداً من التجريب والإخلاص والمجازفات.