Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التلفزيون... رحلة الصندوق السحري من الأبيض والأسود إلى المُشاهد "سيد قراره"

8 عقود على أول بث ملون في فبراير 1938... والعالم يعيش الآن عصر الشاشة المتصلة بالإنترنت

الوصول إلى تقنية البث التلفزيوني بالألوان استغرقت سنوات خلال القرن الـ19 (أ.ف.ب)

لم يكن القرار سهلاً أو سلساً، أسابيع طويلة من المفاوضات والتدبيرات والترتيبات، أصوات المؤيدين كانت أغلبية ساحقة، لكن المشكلة أن الأقلية المعارضة هي التي بيدها تنفيذ القرار، عوامل اجتماعية وعوائق اقتصادية وحسابات لوجستية لم تخلُ من مقارنات مع "الناس اللي فوق" وتحذيرات من أنه لم يعد هناك ما يفرقنا عن "الناس اللي تحت" نجم عنها قرارٌ محوري وتحول مفصلي في حياة أسرة عبد المنعم، ففي يوم حار رطب في شهر يوليو (تموز) عام 1984، غادر مكانة الصدارة جهاز تلفزيون الأبيض والأسود الذي ظل محافظاً على موقعه الجغرافي بين أريكتين وأربعة مقاعد وعلى رأسه باقة من الورد البلاستيكية ينسدل منها شرشف مزركش في كل ليلة عقب السلام الوطني الجمهوري.

تقاعَد الجهاز العتيق بعد سنوات خدمته التي امتدت من عام 1962، واستقر به الحال في غرفة نوم عبد المنعم وزوجته، وحتى الشرشف الخاص به ووروده البلاستيكية التي ظلت تزين رأسه جرى تخصيصها للقادم الجديد الذي أطاح بالقديم من على عرشه.

 

صراع من أجل البقاء

التلفزيون القديم ظل يعمل سنوات طويلة في غرفة عبد المنعم ولكن على استحياء، حاول أن يقاوم وظل يصارع من أجل البقاء، "خبطة" قوية على رأسه كانت كفيلة بضبط الصوت المتحشرج والصورة المذبذبة، لكن بعد نحو عامين، تم إعلامه بأنه سيمضي ما تبقى له من عمر "مزنوقاً" بين "ثوم" التخزين وكراسات الأولاد المدرسية المتحوّلة إلى ركام في شرفة البيت، فقد جاء أخٌ صغير للوحش الرابض في غرفة الجلوس يحمل ملامحه وكذلك ألوانه المتعددة.

مسيرة التلفزيون الملوّن طويلة ومثيرة، سبقتها سنوات ليست كثيرة من البث باللونين الأبيض والأسود، قبل أن تأتي هذه الشاشات المدغدغة لرغبات الملايين المستهترة بجيوب المنهكين، وتطل على الجميع بألوان مبهرة تظهر لون عيني المذيعة، ولون بذلة المذيع، وألوان المقاعد والسيارات والبشر في المسلسلات والأفلام الجديدة ونشرات الأخبار والبرامج.

قرار عبد المنعم بهذا التحول كلفه 700 جنيه مصري (نحو 45 دولاراً أميركياً)، أي ما يزيد قليلاً على قيمة دخله السنوي، وانتقلت أسرته من الشاشة ذات اللونين وصعدت سلم الترقي الاجتماعي وانضمت إلى "الناس اللي فوق" من أصحاب الشاشات الملونة، ونأت بنفسها بعيداً نسبياً عن "عم خليل" البواب (حارس العقار) الذي لم ينضم إلى شريحة أصحاب الشاشات الملونة إلا في أوائل حقبة التسعينيات.

بيت العريس

القرار لم تكن له أبعاد اقتصادية وطبقية فقط، بل كان وثيق الصلة بمستقبل ابنته الكبرى التي عايرها خطيبها بالأبيض والأسود، لا سيما أن جهاز تلفزيون أسرته الملون كان قد مضى على وجوده في بيت العريس أربعة أعوام كاملة، والمثير هو أن ظهور الشاشات الملونة في مصر وعددٍ من الدول العربية لم يتأخر كثيراً عن ظهورها في الغرب، ففي أواخر ستينيات القرن الماضي، بدأ عدد محدود من الأسر البريطانية شراء الأجهزة الملونة باهظة السعر، لكن الضغوط هناك لم تكن كمثيلتها هنا، فالشاشات الملونة وما تطرحه من تجربة مشاهدة مثيرة وأقرب إلى الواقع، بالإضافة إلى سُبل الترويج والإعلان التي تدق على أوتار الاحتياج والمتعة لدى المتلقي، مع اختلاف مستوى الدخل وارتفاعه في بريطانيا مقارنة بدولة كمصر عوامل أدت إلى توسع الأسر البريطانية في اقتناء الشاشات الملونة، لكنها لم تكن عملية سريعة، لا سيما أن عدداً كبيراً من البرامج ظل يبث باللونين الأبيض والأسود لسنوات عدة.

جون لوجي بايرد

سنوات عدة استغرقتها جهود ومحاولات وابتكارات الوصول إلى تقنيات البث التلفزيوني بالألوان تعود إلى أواخر القرن الـ19، إلا أن اسم مهندس الكهرباء الاسكتلندي جون لوجي بايرد (1888-1946)، الذي ابتكر التلفزيون نفسه، هو الأكثر ارتباطاً بالعرض الملون الأول، ففي عام 1925، أنتج وبث وأرسل وجوه أشخاص واضحة المعالم، وفي العام التالي، قدّم عرضاً تلفزيونياً للأجسام المتحركة، وفي عام 1927، أنشأ شركته الخاصة ومضى قدماً في تطوير التلفزيون الميكانيكي، ونجح في نقل البث بين لندن وغلاسجو مستخدماً سلك الهاتف.

وظل بايرد يطوّر أبحاثه وتمكن في منتصف الثلاثينيات من استخدام أقراص المسح الضوئي، ومرشحات مصنوعة من لون أساس مختلف، بالإضافة إلى ثلاثة مصادر مختلفة للإضاءة، وفي فبراير (شباط) عام 1938، بُث أول عرض بالألوان ليرتبط الشهر الحالي بالبث التلفزيوني الملون حتى يومنا هذا.

مسلسل ملون لم يشاهده أحد

واستمرت التجارب والأبحاث ومحاولات البث الملون التي انتقلت إلى الولايات المتحدة، وفي يونيو (حزيران) عام 1951 الذي شهد بث المسلسل التجاري الملون الأول على "سي بي إس"، إلا أنه تقريباً لم يشاهده أحد، لأن الغالبية المطلقة من الأميركيين لم تكن تمتلك سوى أجهزة تلفزيون أبيض وأسود.

نيكسون وخروشوف

أرشيف مجلة "تايم" يخبرنا بحسب موضوع منشور في 3 أغسطس (آب) عام 1959 أن اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ورئيس الوزراء السوفياتي نيكيتا خروشوف، وكان ذلك في ذروة سباق الفضاء بين القوتين العظميين في صالة عرض شركة "آر سي إيه" لشاشات التلفزيون الملونة ضمن المعرض الوطني الأميركي المقام في موسكو، وقف فيه نيكسون يتحدث مع خروشوف بفخر شديد (عبر مترجم) وهو يشير إلى شاشات التلفزيون الملونة مركزاً حديثه على المنافسة التكنولوجية بين البلدين والتي كانا يتحدثان فيها قبل قليل، وقال "هناك أشياءٌ تقدمتم فيها أكثر منا، مثل تطوير محتوى صواريخ استكشاف الفضاء، لكن هناك حالات أخرى أثبتنا نحن فيها تقدماً عليكم، مثل التلفزيون الملون كما يبدو أمامك" وهو يشير إلى الشاشات المعروضة، واعتبر المراقبون حينئذ هذه الشاشات سلاحاً أميركياً ضمن أسلحة الحرب الباردة.

خروشوف لم يدع اللقاء يمر من دون أن يرد صاع التلفزيون الملون صاعين، وأخبر نيكسون بعد دقائق أن "الأميركيين يظنون أن الروس سيتعجبون لدى رؤية هذه الأشياء، لكن الحقيقة هي أن البيوت الروسية الجديدة مليئة بهذه الأشياء". يشار إلى أن خروشوف كان قد تذوق كذلك رشفة "بيبسي" بكثير من الريبة والتشكك.

 

 

الشاشات الملونة

التشكك في هذه الشاشات الملونة مضى قدماً، فبينما كانت الولايات المتحدة تفتتح محطات تلفزيونية قادرة على البث بالألوان، وبدأت صناعة الشاشات الجديدة في التوسع، كان القائمون على أمر الإعلام المرئي في أميركا يضربون عصفورين بحجر واحد، ألا وهو التلفزيون الملون، العصفور الأول تجاري حيث الترويج والتسويق للشاشات السحرية التي تنقل الواقع بألوانه مباشرة إلى غرفة الجلوس، والثاني سياسي حيث المباهاة بالثقافة الأميركية التي يتم بثها عبر الشاشات بكل صدق وواقعية وبالألوان الطبيعية ومن دون ستائر أو أحجبة، على عكس دول أخرى لا تملك ما تملكه الولايات المتحدة.

ما ملكته أميركا انتشر بسرعة كبيرة وغزا البيوت العربية، ولكن من أبواب مختلفة لا تشغل نفسها كثيراً بمسائل الترويج السياسي والانتشار الثقافي، إلى أن بزغ عصر الفضائيات عربياً، التي جاءت لتكلل تجربة المشاهدة الفريدة بالألوان التي نضجت وتطورت، ومع نضوج الألوان وتطورها، تطور كذلك استخدام المنطقة العربية للشاشات الفضائية الملونة.

وقد غزت الفضائيات الملونة الدول العربية منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين، وفي البدء كان الترفيه، حيث الأغنيات والمسلسلات وبرامج المسابقات، ثم ظهرت الإخباريات التي تحول الكثير منها فيما بعد إلى الاستقطابات وغسل الأدمغة وتحويل كفة الرأي العام لخدمة أغراض وتحقيق غايات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شاشات الربيع

وأثبتت الأحداث أن الفضائيات والألوان المبهرة ليست مجرد شاشات ترفيه وإخبار، ولكن لها قائمة طويلة من الأدوار الأخرى غير المعلنة، وبين ثورات ربيعية تحولت إلى خريفية،  ومحاولات إنقاذ لجماعات دينية تحولت إلى سياسية، فإن شاشات عربية عدة حلت محل الأحزاب، وجلست في موقع المتحدث الرسمي باسم أنظمة دول أخرى، واحترف البعض الآخر أدوار الإشعال والإشغال والإلهاء والإخماد والترويع والتسكين والإخبار بحساب والإعلام بأهداف.

أهداف هذا الجهاز المسمى "الصندوق السحري" حيناً و"صندوق الدنيا" حيناً و"الشاشة الفضية" دائماً هيمنت وسيطرت، ووصل الحال ببعضها إلى الوقوف على قدم المساواة أمام دول والدفع لإشعال حروب وتأجيج فتن تظل مشتعلة لسنوات، قنوات إخبارية تعلن أنها وحدها مصدر الخبر اليقين، وأخرى تؤكد أنها دون غيرها ملكة الترفيه، وثالثة دينية تدق على أوتار الطائفية وتحفر المزيد من القبور في المساحات الشاغرة بين هذه الفتن وتلك، وهلم جرا.

 

 

أفلام الأبيض والأسود

ووسط هذه الأدوار الرهيبة والكبيرة التي تلعبها الشاشات التي تفاخر بأنها تأتي بالحقيقة المجردة إلى غرفة الجلوس، وأخرى بأنها تنقل الحدث وقت وقوعه، وثالثة بأنها تنقل المشاهد إلى عوالم أخرى غير تلك التي يعرفها، إذ بالشاشات الملونة تأخذ خطوة نحو الوراء ليعاود الأبيض والأسود الظهور بل والاكتساح.

وبينما العالم يحيي الظهور الأول للعرض التلفزيوني الملون في هذا الشهر، تحقق قنوات متخصصة في عرض القديم من أفلام الأربعينيات والخمسينيات باللونين الأبيض والأسود، وإعادة بث برامج عصر المحطات التلفزيونية القديمة، شعبية كبرى تزيد مع تنامي المشكلات السياسية والفيروسات المرضية والعقبات الاقتصادية والتعقيدات الاجتماعية.

اجتماعياً، صار التلفزيون مكوناً رئيساً في حياة بلايين البشر حول العالم، وبحسب دورية "تي في تكنولوجي" الأميركية، فإن 1.4 بليون أسرة في العالم تمتلك جهاز تلفزيون واحد على الأقل، أي نحو 79 في المئة من مجموع الأسر عالمياً، وكل الأسر في العالم الأول تمتلك جهاز تلفزيون واحد على الأقل، و69 في المئة من الأسر في العالم الثالث تمتلك واحداً على الأقل.

لكن في الألفية الثالثة، لم يعد المقياس بمن يملك كم شاشة تلفزيونية، أو مدى وضوح الصورة أو نقاء الألوان، فقد تطور الوضع كثيراً منذ احتفى العالم في مثل هذه الأيام قبل 82 عاماً ببث العرض الملون الأول، وتطور الوضع من كون هذه الشاشة السحرية جامعة للأسرة حول فيلم واحد وبرنامج مفضل إلى شاشة رهيبة، يسمونها ذكية، تنقل كل فرد إلى عالم يختاره، وليس عالماً يجده عبر الدق على "ريموت كونترول" يتجول به بين قنوات محددة بمحتوى معروف مسبقاً، إنه عصر التلفزيون المتصل بالإنترنت، أو تلفزيون البث.

 

 

المشاهدة بحسب الطلب

" نتفليكس" وأقرانها من الشركات التي تبث محتوى تلفزيونياً بحسب الطلب المدفوع مسبقاً غيرت وجه المشاهدة في خلال سنوات قليلة جداً، وما شيدته الشاشة الفضية من قواعد مشاهدة أسرية، وانصياع للمواقيت المحددة لمشاهدة المحتوى المرغوب وغيرها قلبه تلفزيون البث المدفوع رأساً على عقب.

إمرة المعلومات

ثقافة معولمة جديدة خلقتها "نتفليكس" والشركات المثيلة لها، حيث قاعدة مشاهدين عريضة لا تعترف بالحدود الجغرافية أو الهويات الوطنية أو العادات والتقاليد والقيم والمبادئ الخاصة بهذا الإقليم دون ذاك، وبدلاً عن دولة ما تتحكم في محتوى تلفزيوني، أو حتى شركة أو رجل أعمال يؤسس قناة تظل تحت أعين جهات رقابية وتوجيهية في الدولة، إذ بشركات خارج الحدود تبث محتوى للكوكب لا يقع تحت سيطرة الدول، لكنه يقع تحت إمرة المعلومات من الألف إلى الياء أو Data.

ماذا يشاهد المتلقون؟ ومتى؟ ولأي مدة؟ حاضر المشاهدة التلفزيونية ومستقبلها شخصي، وانتقائي، وربما يتحول المحتوى في المستقبل القريب ليضم المتلقي صانعاً لما يشاهد ومحدداً لدفته، ورغم أن تجربة حلقة "باندرسناتش" في مسلسل الخيال العلمي "المرآة السوداء" حيث المشاهد يتخذ قرارات يتحدد على أساسها سير الأحداث لم تتكرر، إلا أنه يُتوقع أن يشهد مستقبل المشاهدة التلفزيونية الكثير من التفاعل والمشاركة وربما الإغراق من قبل المشاهد.

وتظل الشاشة الفضية تنضح بالكثير، بين فيلم أبيض وأسود يبكي على أطلاله الذين عاصروا ترحيل التلفزيون العتيق واستقبال الجديد بالألوان الطبيعية، وأداة صراع في الحرب الباردة حيث تتغلب صواريخ الفضاء على "البيبسي" والشاشة الملونة، وفضائيات تتحكم في مصائر دول وتؤجج الصراعات في أخرى وثالثة تدخل في مواجهات مع أمم كبرى، ومشاهدة بالطلب والدفع المسبق وتؤسس لثقافة معولمة، حيث المشاهد سيد نفسه وصانع محتواه ومحدد بروتوكول مشاهداته بديلاً عن "لمة" الأسرة على أريكة مساء يوم الخميس، وبغض النظر عن اختلاف دور الشاشة، تظل مكوناً رئيساً في جهاز العروس، مع الأخذ في الاعتبار أن الأجهزة الكهربائية مسؤولية العريس.