ملخص
عرض مهرجان الجونة السينمائي في افتتاح دورته التاسعة فيلمين يتناولان قضايا المرأة هما: "كل شيء عن كورين" و"البارح العين ما نامت"، فماذا يناقشان؟
تصدرت قضايا المرأة فعاليات مهرجان الجونة السينمائي في دورته التاسعة، التي انطلقت منذ ساعات، وتنوعت المشكلات بين طموح النساء والقهر المجتمعي والتضحية بالمرأة بسبب التقاليد والأعراف الظالمة.
وعرض المهرجان في افتتاحه الفيلم الفرنسي "كل شيء عن كورين"، الذي يتناول مشكلة نسائية وفي الوقت ذاته تتعلق بصناعة السينما والفن، وهي عدم تكافؤ الفرص، وتأخر تحقيق الأحلام، والعقبات التي تواجه المرأة في عالم الفن والتمثيل.
وتدور أحداث الفيلم حول كورين ماكلو، التي تجسد شخصيتها إيزابيل أوبير، وهي ممثلة تؤدي أدواراً ثانوية، ولم تُواتها فرصة الحصول على عمل جيد تحقق من خلاله أحلامها الفنية والإنسانية.
تجربة إنسانية في حياة امرأة
تعاني كورين كثيراً بسبب الظروف الصعبة، وتقع في نوبات من الإحباط والرغبة في الإقلاع عن حلمها كممثلة، لكنها تحاول المواجهة والوقوف مجدداً لاستكمال ما تتمناه. تنقلب حياة كورين ويتغير مسارها عندما تلتقي الممثلة الشهيرة ساندرين كيبرلان، إذ تتحول المواجهة الأولى بينهما إلى صداقة غير متوقعة تقلب الموازين وتفتح أمام كورين أبواباً جديدة تضعها في منطقة أكثر أهمية في عالم الفن، إذ تجد نفسها أخيراً قادرة على الحصول على فرصة حقيقية، وإيجاد مكان لها داخل الأوساط المرموقة للسينما الفرنسية.
تميز الفيلم بخفة الظل والبساطة في تناول قضية مهمة ومؤرقة تخص المرأة التي تحاول تحقيق طموحها في عالم شديد القسوة على كثير من النساء، ولا يمنح العدالة الكافية.
ويحسب للمخرج مارك فيتوسي أنه تناول من خلال المرأة قضية العمل والمثابرة والسعي وراء الطموحات على رغم أنها تجربة إنسانية يمكن أن تحدث للجميع، لكنه تعمد أن تخص امرأة ليضفي عمقاً مزدوجاً يتعلق بأزمات النساء في العمل ورد فعلهن الأكثر حساسية ووضوح في مواجهة الخيبات والرفض وضياع الأمل.
وعبر فيتوسي من خلال المرأة عن الحياة الحالمة التي لا تكف عن منح السعادة والأمل مهما ساد الظلام والإحباط، وجعل الممثلة رمزاً للمقاومة والوصول إلى المكانة لينتهي بعمل درامي كوميدي يغوص مباشرة في كواليس صناعة السينما الفرنسية ومشاعر وأحلام النساء في الوقت ذاته.
على رغم شاعرية وخفة ظل الفيلم الفرنسي الذي قدمه المخرج العالمي مارك فيتوسي انتقل المهرجان في قضايا المرأة لمنطقة أكثر ظلامية من خلال الفيلم الفلسطيني اللبناني "البارح العين ما نامت" للمخرج الفلسطيني الألماني راكان مياسي، وهو أول عمل له، ويأتي عرض الفيلم بمهرجان الجونة بعد مشاركته بمهرجان مراكش الدولي للفيلم، وبعد عرضه العالمي الأول في قسم "نظرة ما"، ضمن الاختيار الرسمي لـ"مهرجان كان السينمائي" للعام الحالي 2026.
قهر المرأة بالتقاليد المجتمعية
ويلقي الفيلم الضوء على واحدة من أخطر القضايا الإنسانية في عدد كبير من البلاد العربية، وهي قهر المرأة والتضحية بها بسبب التقاليد المجتمعية، وإجبارها على الزواج كنوع من الإنقاذ للعائلة في كثير من الأحوال دون منحها أي فرصة للاختيار.
ويبدو الفيلم في ظاهره قصة بسيطة تدور داخل مجتمع بدوي متسلط في سهل البقاع على الحدود بين لبنان وسوريا، إذ تتهم إحدى الفتيات وتدعى قمرة بعد علاقتها مع شاب وتركه لها للزواج بأخرى بأنها تسببت في إحراق شاحنته، ويشتعل الخلاف بين عائلة الشاب وعشيرة الفتاة بعد اختفائها وسيطرة حال من الغموض.
يحاول أهل الفتاة البحث عنها في كل مكان، ويكلفون ابن عمها ياسر لينطلق في رحلة للعثور على أي أثر يقود للابنة المفقودة، أو يساعد في الوصول إلى سرها سواء حية أم ميتة. يتوغل ياسر في رحلة البحث، لكنه يتعرض لواقعة مؤسفة تقلب الأمور رأساً على عقب، إذ تصطدم شاحنته بشاب وتتسبب في قتله.
تتصاعد الأمور وتصل إلى منعطف خطر ومعاكس في الاتجاه، وبدلاً من البحث عن قمرة المختفية يجد ياسر نفسه محاطاً بالأحقاد وأجواء الثأر والانتقام من عائلة الشاب الذي تسبب في مصرعه من طريق الخطأ.
ودون إنذار يورط أهل القرية جواهر وريم شقيقتي ياسر في تصفية الثأر ليكونا جزءاً من تسوية الخلاف، من دون أن يسأل أي منهما عن رأيها فتجد الفتاتان نفسيهما أمام مصير فرض عليهما باسم الصلح. تضطر الفتاتان إجبارياً للرحيل من منزلهما لبيت شيخ قبيلة القتيل والإقامة عنده، والانتظار لحكمه، حيث يفاجئهما بأنه منعاً لإسالة الدماء على إحداهن القبول بزواج ابن من أهل القبيلة، وفي حال المصاهرة يمكن حقن الدماء.
تجد الفتاتان نفسيهما في موقف تضحية إجباري عندما يجلس عدد من الرجال منهم كبار في السن في جلسة يجب أن تنتهي باختيار زوج في لحظات. وعلى رغم أن لكل من جواهر وريم حياة خاصة، ومشاعر تخص أشخاص آخرين، تضطر جواهر للتضحية بنفسها والزواج من رجل لا تعرفه حفاظاً على حياة شقيقها ومنعاً للثأر من عائلتها.
وفور موافقة جواهر يطلق شيخ القبيلة سراح الفتاة الأخرى ريم، بينما تظل الثانية سجينة في بيت عالي الأسوار بعد مقايضة حريتها وحياتها بالسلام الذي تفرضه تقاليد المجتمعات المتعنتة، بخاصة ضد المرأة، حيث تعد النساء جزءاً مباحاً من صفقات السلام والمصالحة.
وصرح مخرج الفيلم راكان مياسي بأنه استمد فكرة العمل من قصة حقيقية تخص جدته الراحلة التي حكت له أنها أجبرت على الزواج في الـ14 من عمرها إنقاذاً لحياة عائلتها التي كانت تتعرض للخطر، وكان عليها أن تضحي بنفسها وكأنها جزء من صفقة يجري فيها الدفع بالنساء لتحمل أثقال وأوزار مجتمع ذكوري متعنت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم مرور سنوات على حكاية جدة المخرج فإنه أكد في تصريحاته الصحافية أنه لم ينسَ ما حدث، وعندما عاد إلى سهل البقاع بعد سنوات من الغربة فوجئ أن هذه التقاليد لا تزال مستمرة، وشعر أنه عليه مواجهتها وتقديمها في عمل يهديه لجدته هي وكل الفتيات اللاتي تزوجن قسراً سواء بسبب العادات والتقاليد، أو طبقاً لأحكام القبائل والعشائر. وأشار المخرج إلى أنه صور الفيلم بالكامل في سهل البقاع خلال عام 2025، بمشاركة ممثلين غير محترفين ودون سيناريو مكتوب مسبق.
وقال المخرج إنه رفض الاستعانة بممثلين محترفين في الأدوار الرئيسة بالعمل، بل استعان بأسرة حقيقية مكونة من أب وأم وأبناء، وأمضى وقتاً طويلاً في التعرف عليهم ودراستهم وفضل بذل مجهود مع أشخاص حقيقيين، وليسوا محترفين، لأنه أراد الابتعاد عن الأداء التمثيلي التقليدي والاقتراب قدر الإمكان من التلقائية والصدق.
وبالنسبة إلى البطلتين الأساسيتين جواهر وريم قال إنه كان يسألهما أثناء التصوير عن الطريقة التي كانتا سيتصرفن بها فعلياً في المواقف المختلفة التي تمر بها أحداث الفيلم لو حدثت لهما في الحقيقة، ثم يعيد بناء المشهد وفق إجاباتهن، سعياً إلى تقديم واقع أكثر صدقاً وأقرب إلى حياتهن اليومية، موضحاً أن عملية التصوير كلها مع باقي الممثلين كانت تقوم على الحوار مع الشخصيات الحقيقية أكثر من الالتزام الصارم بالنص المكتوب.
وعن نهاية الفيلم الغامضة وعدم كشف مصير الفتيات خاصة قمرة وجواهر قال المخرج إنه تعمد ترك نهاية الأبطال مبهمة وغامضة، لأنه يفضل الحكايات التي لا تكشف كل شيء للمشاهد بصورة مباشرة، بل تترك له مساحة للمشاركة وإكمال التفاصيل بنفسه، لأنه مغرم بالرواية التي يغزلها الجمهور بمخيلته حتى تترك التجربة أثراً أكبر لأن المتلقي سيكون إجبارياً جزءاً من التجربة في هذه الحالة.
واختتم مياسي حديثه عن الفيلم بقوله إن الهدف لم يكن تقديم إدانة أو دفاع عن أحد، بل طرح سؤال إنساني أوسع يتعلق بالعلاقة بين الفرد والعشيرة، وشغله كثيراً هاجس طوال التفكير في صناعة العمل وهو أيهما أهم الفرد أم العشيرة، بخاصة أن نظام العشائر منتشر بالعالم العربي وله تقاليده، لكنه لم يرغب في تقديمه من زاوية أحادية، ولم يتعمد شيطنة شخصياته أو إصدار أحكام أخلاقية، لأن البشر في النهاية هم نتيجة تقاليد مجتمعهم، وتحكمهم بيئاتهم وأعرافهم، ويجدون أنفسهم يحاربون لتنفيذها قواعد عشائرهم الصارمة من دون أن يقصدوا الشر في حد ذاته.