ملخص
تحولت قضية شاحنة المتفجرات التابعة لـ"حزب الله"، التي ضبطت في ضهر البيدر، إلى اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها وتطبيق قراراتها بحظر الأنشطة العسكرية للحزب. وفيما تتضارب المعلومات حول استنابات قضائية محتملة بحق أربعة مسؤولين في الحزب، تبرز أسماء يعد الاقتراب منها تجاوزاً لخطوط حمر.
يتحول ملف الشاحنة التي ضبطت في منطقة ضهر البيدر البقاعية شرق لبنان والمتجهة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى اختبار فعلي لقدرة الدولة اللبنانية على تطبيق القانون وقرارات الحكومة، من حصر السلاح وحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ"حزب الله"، إلى استعادة قرار الحرب والسلم.
خصوصاً بعدما أعلن عضو كتلة "حزب الله" النيابية النائب حسن فضل الله أن الشاحنة وما فيها ملك للحزب، مما أعطى القضية بعداً سياسياً يتجاوز مضمونها الجزائي، كاشفاً أنهم قادوا اتصالات في الأيام الماضية لإعادة الشحنة لهم.
وفي موازاة تشديد رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام على أنه لا تهاون في هذه القضية، وأن التحقيقات ستستكمل حتى النهاية، تفيد مصادر دبلوماسية بأن الملف بات محل اهتمام أميركي وأوروبي، وأن أداء السلطات اللبنانية فيه سيكون تحت المجهر الدولي.
وفي سياق متصل، جرى تداول معلومات لم تحسم ولم تصدر في بيان رسمي، تفيد بأن الرئيس عون وجه استخبارات الجيش إلى التوسع في التحقيقات، وأن النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج بادر إلى إصدار استنابات قضائية إلى الأجهزة الأمنية لتوقيف رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب حسين العبدالله ومساعده علي أيوب، إضافة إلى مذكرات جلب بحق شخصين آخرين يتوليان مسؤولية في الحزب، على خلفية علم الأربعة بالشاحنة ومسؤوليتهم عنها.
غير أن خبر الاستنابات، الذي يشكل سابقة في تعاطي الدولة مع القضايا الأمنية المتصلة بالحزب، لم يؤكده القضاء ونفاه الحزب على لسان النائب إبراهيم الموسوي، الذي كتب على منصة "إكس"، "أوقفوا تخرصاتكم وترهاتكم وإشاعاتكم الكاذبة... لا استنابات قضائية بحق أحد من الحزب".
وترافقت هذه التطورات مع تلويح "حزب الله" بتصعيد داخلي وتحرك في الشارع لمجموعات "القمصان السود" (عبارة باتت تشير للتحركات الشعبية التي يقوم بها عناصر مؤيدون للحزب)، في تذكير مباشر لأحداث السابع من مايو (أيار) 2008، حين اقتحم عناصر الحزب بلباس أسود العاصمة بيروت وشوارعها، رداً على قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك تفكيك شبكة الاتصالات التابعة له ومصادرتها.
لماذا حسين العبدالله؟
يعد رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في "حزب الله" شخصية قيادية ذات مكانة حساسة ورفيعة داخل الهيكل التنظيمي للحزب، وبرز اسمه أخيراً في الواجهة السياسية والإعلامية في ملف الشاحنة التي ضمت مواد متفجرة مثل الـ"سي 4". ويعد شاغل هذا المنصب، حسين العبدالله، الذي تسلمه خلفاً للقيادي البارز وفيق صفا، متقدماً في الترتيب التنظيمي ضمن الدائرة الأمنية والسياسية الضيقة للحزب، نظراً إلى أن وحدة الارتباط والتنسيق تمثل صلة الوصل الأساس واليومية بين قيادة الحزب والدولة اللبنانية بأجهزتها العسكرية والأمنية والقضائية الرسمية.
وقد ارتبط اسم العبدالله بهذا الملف بحكم طبيعة مهامه الميدانية والأمنية، إذ أشارت التقارير إلى إجرائه اتصالات مكثفة مع قيادات عسكرية وأمنية لاحتواء الموقف واسترداد الشحنة فور ضبطها، وهي محاولات اصطدمت بالإجراءات الرسمية، مما أدى لاحقاً إلى تطورات ومتابعات قضائية شملت طلب توقيفه ومساعده على خلفية المعرفة المسبقة بتلك الشحنة وتدبير شؤونها.
وبناءً على ذلك، فإن موقعه لا يقتصر على كونه متقدماً في الصف القيادي الثاني فحسب داخل "حزب الله"، بل يمثل واجهة أمنية شديدة الحساسية تتقاطع بصورة مباشرة مع إدارة الأزمات والتعامل مع مؤسسات الدولة اللبنانية.
هل تجرؤ الدولة وتمضي بالاستنابات؟
إذا صدقت النيات الرسمية والمعلنة في المضي بقضية شاحنة المتفجرات حتى النهاية، وانتقل الملف من مستوى التصريحات إلى إجراءات قضائية تطاول أسماء محددة في بنية "حزب الله"، فنحن أمام تحول نوعي في مقاربة الدولة. ويرى مراقبون أن قيمة القرار لا تُقاس بتنفيذه الفوري بقدر ما تكمن في السابقة التي يرسخها، وفيها باتت تفتح الدولة ملفات كانت تعد محظورة. أما الاختبار الفعلي فيتمثل في قدرة المؤسسات القضائية والأمنية على الصمود أمام الضغوط، وفي استعداد القوى السياسية لتوفير الغطاء لها. وإذا بقيت القرارات حبراً على ورق، فسيقرأ ذلك تكريساً لمعادلة "الحصانة الميدانية" التي يتمسك بها الحزب، وعودة إلى ما قبل قرارات الخامس والسابع من أغسطس (آب) الماضي والثاني من مارس (آذار) الماضي، التي أكدت أن العمل العسكري للحزب مخالف للقانون، وأقرت خطة الجيش اللبناني لحصرية السلاح.
وفي هذا السياق، قال النائب جورج عقيص إن نقل متفجرات على مراحل وفي مواقع متعددة داخل الأراضي اللبنانية، من دون أن يضبط أي منها في طريقه إلى الجنوب، يستوجب معالجة جدية تدفع الأجهزة الأمنية والقضائية إلى اتخاذ إجراءات فعالة وسريعة. وإلا فإن ذلك يعني أن الأمور عادت إلى ما قبل الخامس والسابع من أغسطس، حين كان الحزب مسيطراً على القرارين السياسي والأمني في البلاد. وأوضح عقيص أن عدم إحالة هذه الجريمة إلى المجلس العدلي سيشكل مأخذاً على الحكومة، كاشفاً عن أن العمل جار على الملف، وأن وزير العدل عادل نصار جدي في السير بالإحالة. وأضاف أن كل القوى السياسية الممثلة في الحكومة ستكون أمام اختبار الموافقة على مشروع الإحالة أو رفضه في جلسة مجلس الوزراء المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الحكومة أمام اختبار
وبصفته قاضياً سابقاً، اعتبر عقيص أن عدم إصدار استنابات قضائية بحق القياديين العسكريين في الحزب سيكون بدوره موضع ريبة ومؤاخذة، إذ إن عملية بهذا الحجم لا يمكن أن تُتخذ على مستوى مسؤولين محليين، بل في إطار القيادة العسكرية للحزب. وبما أن هذه القيادة ممنوعة من العمل بموجب قرار الحكومة في الثاني من مارس (آذار) الماضي الذي حظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية، فإن ما جرى يشكل خرقاً لقرار الحكومة، فضلاً عن مخالفته قانون الإرهاب وقانون العقوبات.
وانطلاقاً من مبدأ "الآمر الناهي"، لا يمكن لعملية بهذا المستوى أن تتم من دون علم الأمين العام للحزب نعيم قاسم، يقول عقيص، أو المسؤول الأمني والعسكري الأعلى المكلف من قبله بقيادة العمليات، وختم عقيص بالتأكيد أن المستغرب ليس إحالة القضية إلى المجلس العدلي، بل عدم إحالتها، مؤكداً أن القضاء قادر على تصعيد الملاحقات إلى حدود كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات، وملاحقة كل من يتبين أنه قرر العملية أو سهلها أو ارتبط بها أو أمر بتنفيذها، أياً يكن موقعه.
ملاحقة المسؤولين في الحزب... خط أحمر
في مقلب "حزب الله"، يجزم الصحافي والكاتب السياسي حسن الدر بأن الاستنابات القضائية لم تصدر بعد، معتبراً أن تسريب خبر النية بإصدارها كان مقصوداً لجس نبض الحزب وقياس رد فعله والشارع المؤيد له، فكانت التظاهرات والتجمعات التي شهدتها بيروت ليل أول من أمس الجمعة. وكشف عن أن النية انصرفت إلى إصدار استنابات بحق أربعة أسماء لا اسمين فحسب، وأن الاسمين اللذين لم يرد ذكرهما في الإعلام يشكلان، على حد تعبيره، "خطاً أحمر كبيراً جداً".
وأكد الدر أن تحرك ليل أول من أمس، حين خرج مناصرون للحزب على دراجات نارية في بعض مناطق العاصمة بيروت، حمل رسالة واضحة من الحزب تفيد بأن ملاحقة مسؤوليه خط أحمر لن يقبل به. أما عن توسيع التحقيقات، فرأى أنه شأن يعود إلى الأجهزة المتخصصة، مذكراً بأن الحزب أعلن سلفاً، على لسان النائب حسن فضل الله، مسؤوليته عن الشاحنة والمواد التي كانت فيها، وأنه "لا شيء مخفياً".
في المقابل، يرى الكاتب السياسي نبيل بو منصف أن سلوك الدولة في قضية شاحنة المتفجرات يمثل نقلة نوعية، بدءاً من كشف الشاحنة ومصادرتها ورفض تسليم محتوياتها والتحقيق مع العنصرين الحزبيين اللذين كانا ينقلانها، وصولاً إلى التأكيدات العلنية الصادرة عن أعلى المستويات، من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى وزير العدل والقضاء والأجهزة الأمنية، وكلها تدل، بحسب قوله، على ألا تراجع عن التحقيق، وأنه يتوسع، وأن استنابات قضائية قد صدرت.
ويعد أن ذلك يبعث على التفاؤل بترجمة قرار الدولة منع كل سلاح خارج إطار الشرعية، ومنه نقل المتفجرات الذي يعد في كل الأحوال جريمة جزائية يعاقب عليها القانون، فكيف إذا جاء في مخالفة لقرار صادر عن مجلس الوزراء.
تفاؤل حذر
غير أن بو منصف يحذر من أن هذه الإشارات الإيجابية لا تلغي دواعي الشك في أن تمضي الأمور إلى خواتيمها، لأن التجارب السابقة لا تشجع على الاطمئنان إلى أن الدولة ستذهب حتى النهاية كلما توصلت إلى خيوط جديدة. ويرى أن أبلغ دليل على مشروعية هذا الشك أن أنصار الحزب حين نزلوا إلى الشارع، لم نلمس تعاملاً حازماً معهم كما كان يفترض. ويضيف أن أخطر ما قد يحصل هو أن يلقى هذا الملف مصير ملفات مماثلة سابقة، خصوصاً أن الحزب بدأ يظهر وجهاً تهديدياً تجاه السلطة والدولة والأجهزة الأمنية، وذلك بعد اعترافه العلني بملكية المتفجرات ومطالبته بإعادتها إليه، وكأنه يقول إنه لا يعترف بقرارات السلطة التي لم تعد تعترف به مقاومة.
فالسلطة، بحسب بو منصف، لا تتعامل مع هذه المتفجرات بوصفها سلاحاً للحزب، بل مواد مشبوهة يجب التحقيق فيها حتى النهاية. ويخلص إلى أن الاحتمالات متكافئة، "50 في المئة"، فهو لا يجزم بأن الدولة ستتراجع لكنه يرى أن من حقنا الشك في اللحظة الراهنة، في انتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة.