ملخص
5 عروض تنافست في الصيغة الأولى من مهرجان سلمية لمسرح الديودراما، وشاركت في هذه التظاهرة فرق من إدلب وحمص وحلب ودرعا وحماة. وتوزعت العروض على خشبتي السينما ومركز سلمية الثقافي.
احتوى برنامج المهرجان على محاضرات وندوات نقدية عن المسرح والتغيير بإشراف المخرج عجاج سليم، وترأست الفنانة جيانا عيد لجنة التحكيم بعضوية الممثلين حسام الشاه وزيد الظريف، فيما كرّم المهرجان كلاً من الفنانين زيناتي قدسية وكاميليا بطرس وهبة زهرة وكرم شعراني والكاتب جمال آدم.
صدّر القائمون على المهرجان ما يشبه بياناً عن هذا النوع من الأداء الثنائي، فوصفوه على صفحة المهرجان بأنه "ليس مجرد وجود ممثلين اثنين على الخشبة، وليس قالباً واحداً ثابتاً، إنما هو في جوهره قيام بنية درامية ثنائية، يتولد فيها الفعل والتأثير والصراع أو المواجهة بين طرفين أو قطبين دراميين، وقد يكون الطرف الثاني شخصية مستقلة، أو حضوراً نفسياً أو متخيلاً أو رمزياً، متى كان فاعلاً في بناء الحدث وتحريك مساراته".
هذا الفهم لمسرح الديودراما انعكس تنوعاً في عروض التظاهرة (مؤسسة الآغا خان-مديرية المسارح والموسيقى) التي افتتحتها مسرحية "الرسم الأخير" لفرقة صدى سلمية، وتروي مأساة رسّام يجد نفسه في صراع داخلي مع رسومه. العرض الذي كتبه الأديب المصري عصام نبيل وأخرجه وصمم ديكوره ولعب بطولته محمد شعراني، كان قد قُدِّم سابقاً تحت عنوان "بورتريه". وفيه مقاربة سورية لأسطورة "بغماليون" اليونانية في نسختيها الإنجليزية لجورج برناردشو، والعربية لتوفيق الحكيم. وبدلاً من أن يروي العرض صراعاً داخلياً بين مثّال ومنحوتته التي حققها بعد نفوره من نساء مدينته، يلجأ الشعراني إلى حكاية رسّام يجد نفسه في صراع مع عفاف (جودي الشعراني) المرأة الخارجة من إحدى لوحاته.
يقع صلاح في حب فتاة اللوحة، ثم لا تلبث أن تختفي بعد تعرضها للاعتقال، ليعيش الرسام ذكرى "محبوبته" المتخيلة التي تعود للسكن داخل إطار اللوحة بعدما خرجت منها. لكن الفنان يعود لمناجاتها للخروج من هذا القفص اللوني الذي أودعها فيه، مطالباً بمنحها الحرية التي دفعت من أجلها أثماناً باهظة.
صراع ذهني
حاول الشعراني أن يقدم ما يشبه حوارية بينه وبين الممثلة الشريكة، لكن هذا لم يمنع من تراخي الإيقاع والنزوع إلى ما يشبه صراعاً ذهنياً أكثر منه درامياً، فيما أضر توليف نصوص شعرية (ريما محفوض) برشاقة الحوار بين الممثلين، والتحول في مواضع كثيرة من العرض إلى أسلوب المناجاة والخطابة. لا سيما في لحظات التوجه إلى الجمهور ونداء الرسّام على عفاف كي تعود من غيابها على رغم كل ما لاقته من تعذيب في معتقلات البعث، مما أوقع التجربة في المباشرة الفنية، وأخرجها من حيز الحوار إلى المونولوجية (خطاب الذات).
فرقة المسرح الجامعي في مدينة حمص شاركت في اليوم الثاني من المهرجان بعرض تحت عنوان "رانديفو"، للمخرج حسين ناصر. بزغت "رانديفو" من معنى كلمة اللقاء باللغة الفرنسية، أو الملتقى بين شخصين في زمان ومكان معينين. هذا اللقاء أسقطه العرض على صيغة الموعد بين ممثلتين وجمهور في زمان ومكان محددين. "الآن وهنا" كشرط فني للمسرح، وهو كما يصفه القائمون على العرض بأنه "رانديفو" من نوع مختلف بين ممثل ومتفرّج.
يروي العرض الحمصي حكاية فتاتين تقعان في حب فنان غريب الأطوار. إنانا (أليسار إسبر) تصر على الانتحار شنقاً بعد سفر حبيبها، وتردد على الدوام عبارات مؤثرة لكل من الشاعرة الإنجليزية سيلفيا بلاث والأديبة الأميركية فرجيينا وولف. أما صديقتها نورا (ندى الجوخدار) التي درست الفلسفة مع رفيقتها في السكن فتصر على تذكيرها بآراء شريكها الخائن وبنظرته الأفلاطونية للمرأة.
سعى مخرج "رانديفو" عبر سينوغرافيا (إبراهيم الشيخ حسن) إلى خلق مساحة من بياض دمج فيها مرايا معلقة مع مشنقة ومقاعد واطئة. وذلك وفق توتر دائم بين بطلتي العرض، مواكباً تصاعد الحالة الدرامية بموسيقى حية على آلة الكلارينيت (علي الصالح) وفقرات راقصة (سالي الأحمد). في حين استند الأداء إلى مفارقات كثيفة في دلالتها مع مواد بصرية، لا سيما في مشهديات أُسقطت على شاشة في عمق الخشبة. عكس المخرج من خلال ذلك مشاهد لحمائم ميتة رافقتها مقاطع مع قصيدة "يطير الحمام" لمحمود درويش وغناء مارسيل خليفة، وصولاً إلى لحظة الكشف عن خداع عازف الكلارينيت بعد عودته المفاجئة من ألمانيا، وإبرامه موعداً مع كل من الفتاتين في زمنين مختلفين، لكن في المكان نفسه الذي نسج عبره الموسيقي الطائش مكائده للإيقاع بهما، وتحويل نظريته الأفلاطونية إلى ممارسة يومية في إغواء النساء وخداعهن.
من حماة وإدلب حضرت فرقة "شغف" وقدمت هي الأخرى عرضها الثالث بعنوان "نادي الضحك". النص الذي كتبه العراقي عمار نعمة جابر استحال إلى ستة تمارين روحية من إخراج مهند زيداني وتمثيله برفقة الفنان محمد التلاوي. يروي العرض حكاية ساعي بريد غرائبي أقرب إلى شخصية مفستوفيليس شيطان "الدكتور فاوست" لغوته. يستدرج هذا الساعي الغرائبي رجلاً وحيداً لإبرام صفقة عبر طقوس ما يسميها "نادي الضحك". المكان الذي يغصُّ بالنساء الجميلات، وتقبع في سهوله الخضراء شتى أنواع النعيم والدعة.
الدروس الستة
رويداً رويداً يقع الرجل في أفخاخ ساعي البريد الذي يقترب من صورة المخلص. لكن هذا الأخير وعبر دروسه الستة في كيفية الانتساب إلى نادي الضحك، يسفر عن تعاليم شيطانية تبرر القتل وتشرع كل أنواع الفساد والرذيلة، وصولاً إلى دفع الرجل لأن يصبح قناصاً عبر10 رصاصات يوجهها تباعاً من نافذة بيته، نحو شاعر في مقهى، وأخرى نحو بقّال الحي، وثالثة نحو أولاد يلعبون الكرة، ورابعة نحو متسول، وخامسة نحو امرأة في حافلة، وهكذا دواليك حتى الرصاصة الـ10 التي تصيب قديساً يدعو للرجل بالرحمة على رغم أنه قام بتصفيته.
صاغ المخرج مهند زنداني كل هذه التمارين والدروس في القتل كأمثولة عن آليات التطرف في المجتمعات العربية، وكيف يتم تجنيد الأشخاص واللعب على غرائزهم وفق ثنائية الثواب والعقاب. لكن المقولة في "نادي الضحك" فاقت كل الحلول الإخراجية التي وظفها مخرج العرض. الإضاءة الفاقعة واللوحات الرمزية في عمق الخشبة تزامنت مع مواجهة بين مهرج بقناع مسرح البانتومايم ورجل مُسن يتوكأ على عصا. مفارقة الشكل سعى من خلالها الإخراج إلى جعل التمايز واضحاً بين الشخصيتين، لكنها في الوقت نفسه أوحت بجو منقبض ومتجهم كما جرت العادة في معظم التجارب التي تتناول علاقة الإنسان بالغيب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إلى ذلك قدمت فرقة "بيرويا" من حلب عرضاً بعنوان "أدرينالين" وهو من تأليف محمد ياسين، وإعداد وإخراج فادي محمد سعيد. تدور قصة العرض حول أستاذ جامعي (جهاد خربوطلي) يصرف معظم سنوات عمره على بحثه العلمي، مهملاً علاقته بأفراد أسرته، ومتنكراً لكل ما يحول دون نجاح نظرياته الأكاديمية. إلا أن الباحث الخمسيني لا يلبث أن يقع في عقدة الذنب وتأنيب الضمير (عمر الدهبي) الذي يتجسد هنا في شخص شاب يناقش معه قرار عزلته عن أقرب الناس إليه. وبعد مماحكات كثيرة بين البروفسور وضميره المجسد يذعن الرجل لعاطفته وذكرياته مع ابنه وزوجته، وما تخلل ذلك من عودة إلى الأيام الخوالي.
المعالجة اقتضت من مخرج "أدرينالين" التركيز على أداء ممثليه، والاتكاء أكثر فأكثر على ديكور واقعي تمثل في مكتب البروفسور وكرسيين، في حين لم يعول العرض الحلبي على الإضاءة إلا لنقلات فلاش باك (الخطف خلفاً) لاستعادة مراحل من حياة الأستاذ الجامعي، وكيف بددت بحوثه كل المشاعر التي ربطته يوماً ما بمحيطه الاجتماعي.
ولعل أبرز عروض المهرجان كانت مع مسرحية "هذيان" المأخوذة عن نص "اثنان" للأديب السوري خليل الرز، وأخرجه وأدى بطولته الفنان فراس المقبل برفقة الفنان يوسف أبو حمد. تدور أحداث العرض (فرقة حاتم علي- درعا) حول كاتب يفقد السيطرة على إحدى شخصياته، وبعد صراع مرير معها، تتمكن هذه الشخصية من قتل مؤلفها. تتداعى إلى مخيلة الكاتب شخصيات مثل الشرطي والرجل السكير والطبيب، لكنها جميعاً سوف تتحد في صورة شخصية عصابية تحاصر الكاتب في بيته، وتنتزعه من عالم الواقع إلى أجواء محاكمة علنية تدينه، وتجعل هذه الشخصية من مصائر شخصيات روائية أخرى بمثابة دليل إدانة لمؤلفها.
هذه الإدانة دفعت مخرج "هذيان" نحو خيار التقشف في السينوغرافيا إلا من كرسي وطاولة صغيرة، فيما بدا الكاتب وشخصيته في زي أبيض كدليل على هذا الالتباس بين كائنات النص ومؤلفها. تبدو الكتابة هنا هي موضوع الصراع، وهذا كان من الصعب التحايل عليه إلا عبر الاعتناء الواضح بأداء الممثلين وتدويرهم للعبة تبادل أدوار الجلاد والضحية، مما أسهم في إسقاطات ماهرة على آلية إنتاج العنف والنظريات التي تشرعن ذلك من خلال استحضار مقولة المفكر الألماني كارل ماركس (1818-1883): "العنف هو القابلة القانونية التي تولّد المجتمعات الحديثة من رحم المجتمعات القديمة".