Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 عبد الكريم برشيد: التجريب لا يمكن أن يعيش إلا في مناخ الحرية

الكاتب المغربي الذي أسهم في ترسيخ النص المسرحي العربي جامعا بين التراث والحداثة

المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد (اندبندنت عربية)

عبد الكريم برشيد واحد من الرواد المسرحيين العرب. نصوصه الإبداعية وكتبه النقدية والنظرية تمثل مرجعاً رئيساً في الحركة المسرحية المغربية والعربية، وأفكاره تُناقش في الجامعات العربية وفي المنتديات التي تحتفي بأبي الفنون. أسس تياراً مسرحياً وأصدر في إطاره بيانات متعاقبة وكتباً ذات طابع تنظير يمثل: "حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي"، "فلسفة التعييد الاحتفالي"، "الاحتفالية: مواقف ومواقف مضادة"، و"الاحتفالية في أفق التسعينات". فضلاً عن كتبه التنظيرية، وتجاوزت مؤلفاته الستين عملاً ما بين نصوص مسرحية ودراسات نقدية.

عبد الكريم برشيد أو "الحكواتي الأخير" رجل مولع بالتراث العربي، لذلك جاء كثير من أعماله محاولة لإعادة إحياء هذا التراث، وبعثه في حياتنا الراهنة. ونذكر هنا مسرحياته: "ابن الرومي في مدن الصفيح"، "امرؤ القيس في باريس"، "عنترة في المرايا المكسرة"، "ابن رشد بالأبيض والأسود"، "ليالي المتنبي" وغيرها.

عمل مندوباً لوزارة الثقافة، ومستشاراً للوزير. حصل على دبلوم الإخراج المسرحي من أكاديمية مونبولييه الفرنسية، ثم على دكتوراه حول تيارات المسرح العربي المعاصر، فضلاً عن شواهده الجامعية في الآداب وعلوم التربية.

وإذ نحاور، في "اندبندنت عربية"، هذا المسرحي المغربي المعروف بمناسبة صدور كتابه الجديد "التيار التجريبي في المسرح العربي الحديث" عن الهيئة العربية للمسرح، نفتح معه أبواب النقاش حول حدود التجريب وموقفه من التقنيات الحديثة، وتصوره لمفهوم الأخلاق في الفن، محاولين أن نقف معه عند تحولات المسرح وأهله وجمهوره ما بين الأمس واليوم. ونشير إلى أن حوارات برشيد غالباً ما تترك وراءها كثيراً من النقاش والسجال، بسبب انتصاره الدائم لقيم جمالية بعينها، ولإيمانه بأن الحرية لها حدود لا ينبغي القفز عليها، هو الذي لا يضيره أن يوصف بـ"المحافظ"، معتزاً بأن الدول العظمى دول محافظة، لأن لديها تراثاً وتاريخاً وحضارة ينبغي الحفاظ عليها.

سألت برشيد في البداية عن وضع المسرح في زمن كورونا. فقال بنبرة فيها كثير من الحسرة: "هذا هو الزمن الذي كنت أحاول أن أهرب منه. بشرتُ بالاحتفالية والتلاقي والحوار، وكنتُ مع الحلقة والموسم والسوق المغربي الأسبوعي والتظاهرات الثقافية المفتوحة. وقد جاء هذا الوباء ضد كل هذه الأشياء الجميلة. ما نعيشه هو موت مقنع، البقاء في البيت والحذر من الناس والابتعاد عن كل أشكال الحياة الحقيقية. نأمل أن نعود قريباً إلى الحياة وإلى قاعات المسارح".

الأيديولوجيا تسيء للمسرح

عدت مع برشيد إلى كتابه الجديد، وأردت أن نعرف إن كان للتجريب بعد قطري، بمعنى أن التجريب في المغرب مثلاً لم يكن هو نفسه في بلدان المشرق، فأكد أن مفهوم التجريب مفهوم علمي، وهو آلية ومنهجية علمية، وفي العلم ليس هناك ما هو قطري. العلم واحد، لكن التجارب هي التي تختلف. والأصل في الإنسان هو أنه كائن تجريبي، كما أن كل الحضارات تأسست بفعل تجريبي. يشرح برشيد رأيه: "اكتشف الإنسان العجلة والنار بفعل تجريبي، واستطاع أن يبني هذه الحضارة من خلال الذي جربوا، ونحن نستفيد الآن من تجاربهم. وفي الثقافة المغربية الشعبية لدينا مثل يقول: اسأل المجرب ولا تسأل الطبيب. وفي كل المجالات خبراتنا هي نتيجة لتراكم تجارب".

يصر برشيد على وضع مفهوم التجريب في سياقه التاريخي وضمن شروطه الموضوعية: "التجريب ليس وليد اليوم، وليس نتاج المجتمع الصناعي الجديد. ذلك أن لكل فترة تاريخية تجريبها الخاص، على قدر الأسئلة المطروحة فيها. لنقف عند الشعر مثلاً، فحين ينتهي الشاعر من كتابة نص ما يطرح السؤال التالي: ماذا بعد؟ هذا الـ"ما بعد"، هو بداية التجريب. فالشاعر يريد أن يطور تجربته بشكل مختلف. التفكير في نص جديد مغاير للسابق هو دخول في التجريب".

يتوقف برشيد في كتابه الجديد عند العلاقة بين التجريب والأيديولوجيا. ولكن هذه العلاقة هل هي بالضرورة سلبية، وهل أساءت الأيديولوجيا للمسرح. لكن الرجل بدا حاسما في فكرته: "المسرح هو أبعد ما يكون عن الأيديولوجيا. الأيديولوجيا هي المعتقدات، وهي التي تعطيك المعرفة في وصفة ثابتة، وتختصر العلم في شعارات، في حين أن التجريب عكس الثبات، إنه مخاطرة. فالفعل التجريبي الناجح يسبقه كثير من التجارب الفاشلة. والآن كي نصل إلى لقاح لفيروس كورونا استغرق الأمر أشهراً عديدة من التجريب. الأيديولوجيا تريح، في حين أن لا راحة في التجريب. التجريب هو دعوة إلى التجدد المستمر، إنه التشطيب وتمزيق الأوراق والكتابة على أوراق أخرى".

يعود برشيد إلى التراث العربي كي يستشهد بالشعر الجاهلي وما يسمى بالحوليات، "قصيدة شعرية واحدة تكتب في سنة. أليس هذا الفعل تجريباً؟ ماذا كان يفعل الشاعر في كل هذا الزمن؟ كان يختار صوره وعباراته ومواقفه، كما لو أنه يصمم عمارة ثم يبنيها ويؤثتها".

ثم يعود إلى التاريخ القريب ليتوقف عند نموذج المجتمع الروسي الذي كان ضد التجريب: "لقد هرب كل التجريبيين الروس إلى فرنسا. لأنهم كانوا مطالبين بالسير وفق عقيدة واحدة وإطار ثابت محدد سلفاً. لذلك فالتجريب لا يمكن إلا أن يعيش في مناخ الحرية. ما الذي جعل باريس هي عاصمة الثقافة؟ في مسرح المعقول مثلاً أتي يونسكو من رومانيا وبيكيت من إيرلندا وجورج شحادة من لبنان. لقد جاؤوا حاملين رؤية إلى العالم تحتاج إلى حرية".

يواصل برشيد مقارناته: "لنأخذ العبرة من الطيور المهاجرة. إنها تهاجر بحثاً عن مناخ ملائم لها. وعليه فالمبدع يبحث باستمرار عن مناخ للحرية. أوروبا حين اكتشفت الليبرالية لم تكن تنحو إلى الأيديولوجيا، بل كانت تسعى إلى الحرية. لذلك كل التيارات الفكرية الجديدة والفلسفات الحديثة تقريباً نشأت في الغرب، وتطبق خطأ في الشرق، وتموت فيه". ويضيف: "الفعل التجريبي ينطلق من لاشيء، تقاطعاً مع الإشكال السقراطي، اِعرف نفسك. أو كل ما أعرف هو أنني لا أعرف. هذا الفعل القائم على أنك ستدخل الكتابة وأنت لا تعرف أي شيء، وستكتشف كل شيء أثناء الكتابة، هذا هو التجريب في معناه الحقيقي".

المسرح خطاب وليس ديكوراً

ماذا عن التقنيات الحديثة وإدخال الموارد الرقمية إلى المسرح؟ سألت برشيد وأنا أعرف حساسيته من تكدير صفو المسرح بكثير من التقنيات الحديثة فقال: "الأساس في المسرح هو الخطاب. والتقنيات في المسرح هي شبيهة بالمحسنات البديعية في الشعر العربي. لكن التقنيات الحديثة ليست بديلة للخطاب المسرحي، بل هي مكملة ومجملة له. إنها قيمة مضافة. لكن الأساس هو المسرح نفسه. فأنا لا أذهب إلى المسرح لأشاهد الديكور، أو الأزياء. المسرح هو لقاء بعد موعد. الفرقة المسرحية تناديك: "تعال سنقول لك شيئاً". وأنت تأتي لتسمع شيئاً وتراه. وحين لا تعطيك المسرحية خطاباً مستساغاً وجميلاً فلن تعوض التقنيات ذلك".

ثمة فكرة سائدة ترى بأن المسرح لم يعد كما كان. لذلك سألت صاحب "منديل الأمان" إن كان جمهور المسرح قد تغير بين الأمس واليوم، فبدا له أن كل شيء في الواقع قد تغير. وهذا طبيعي، بالنسبة إليه: "النظام العالمي تغير بشكل كامل. نحن نعيش زمن العولمة، وهو زمن المختصرات والمختزلات. إنه زمن السندويتش في الطعام، كما في الفن. انتهى زمن المطولات الكلثوميات وناب عنها الفيديو كليب. في الغناء مثلاً انتقلنا من الاستماع إلى التفرج في الصورة. وأصبح معيار نجاح الأغنية هو عدد المشاهدات، في حين أن الأغنية كلمة تسمع ولحن يسمع. لقد انتقلنا من زمن الكلمات إلى زمن الأرقام. لم يعد الناقد هو المرجع الذي يحدد نجاح العمل من فشله، بل الأرقام هي ما يفعل ذلك، وأقصد هنا المشاهدات واللايكات. لقد تغير المجتمع، فأصبحنا أمام مسرحيات قصيرة وسريعة كأنها طلقات رصاص".

ويضيف برشيد: "الجمهور أيضاً لم يعد يحتمل أن يبقى ساعتين فأكثر. في مرحلة ما كان الجمهور يخرج إلى باحة الاستراحة بعد عرض الجزء الأول، ويناقشه قبل أن يعود لمواصلة الجزء الثاني. الخطاب أيضاً لم يعد واضحاً. صرنا نشاهد فقط صوراً وتعبيرات وإضاءات وإطلاق دخان. المؤلف تراجع دوره، فالكتابة لم تعد لديها تلك القوة والتأثير. لم يعد هناك من شكسبير في هذا العصر. هناك موجة من شعر الهايكو في العالم العربي الآن، وهذا ما يقع أيضاً في المسرح".

أحببت أن أتوقف معه عند المونودراما، التي أفرد لها فصلاً في كتابه الجديد، وأردت أن أعرف إن كانت هناك عناية بالمونودراما في العالم العربي. لكني وجدت لديه عتاباً خاصاً لأهل هذا الجنس المسرحي: "مسرح الممثل الواحد هو جنس فني قديم، والمسرح لا يقاس بعدد الممثلين. إذا تطلبت المسرحية أن يكون الممثل واحداً كمسرح الغربة والسجن والعزلة فهذا نفهمه. لا يمكن أن تكون مثلاً مسرحية عن حي بن يقظان أو روبنسون كروزوي إلا مونودراما. ولكن أن تتحول الاعتبارات إلى ما هو خارج السياق الفني فهذا ما نرفضه، كأن يصبح اختيار الممثل الواحد بسبب الهروب من الكلفة المادية والتحايل على الدعم المالي حتى لا يتم اقتسامه مع الآخرين. في مثل هذا الوضع تصبح المونودراما ظاهرة مرضية".

 يستطرد صاحب "عنترة في المرايا المكسرة": "إن المونودراما فن لا يؤديه في الأصل إلا الممثل الكبير والخطير، الذي يمكن أن يبقى ساعة أو ساعتين وحده أمام الجمهور. المونودراما ليست سهلة. إنها مسرحية كاملة بخطاب كامل يقف فيها ممثل واحد، لكنّ خلفه طاقماً حقيقياً من مخرج ومؤلف وسينوغراف وتقنيين يشتغلون في الكواليس".

الفن أخلاق

وجدت نفسي أصل إلى منطقة الحرج مع المسرحي المغربي، وأنا أطرح عليه السؤال الآتي: "يرفض كثيرون إدخال مفهوم الأخلاق إلى الفن. هل هذا في حد ذاته منزع تجريبي؟" فرد على سؤالي بسؤال آخر: "ما هي الأخلاق؟ لنعد إلى الفلسفة. كانت هناك فلسفة الجمال وفلسفة الأخلاق. الأخلاق قيم جمالية رمزية، مثل الصداقة والمحبة والإيثار والسخاء والعطاء. إنها قيم إنسانية بالأساس. وإنسانية الإنسان تنبع أساساً من جمالية قيمه. لهذا نجد اسم "الفنون الجميلة" عند الفرنسيين، لا "الفنون السيئة". في هذا الفن ينبغي أن تكون هناك جرأة. ما من شك. لكن جرأة العالم في العلم لا جرأة الجاهل. الفنان الحقيقي يكون مجرباً وجريئاً، يخطئ ويصيب. لكن ليست الجرأة هي أن تضرب الناس بالحجارة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعود برشيد إلى الشعر العربي القديم، الذي يكن له محبة كبيرة: "أبو نواس كان جريئاً، لكنه كان شاعراً جميلاً، ولم يكن يسيء لأحد. أبو العلاء المعري كان جريئاً، لكنه كان شاعراً مفكراً. الذين يطالبون بحرية الإبداع خارج كل الحدود لا يمكن أن يكونوا مبدعين. ما نسميه نحن الأخلاق كان سارتر يسميه الالتزام. علي أن أعرف حدودي وألتزمها. أن أوقف نفسي، لا أن يوقفني شخص آخر أو أية سلطة قامعة ومانعة".

أخيراً، وامتداداً لسؤال الأخلاق فاجأت رائد الاحتفالية بهذا السؤال: "أحياناً ينظر إليك على أنك محافظ. على ماذا يحافظ عبد الكريم برشيد"؟ أرسل ضحكة خفيفة وهو يجيب: "جميل جداً أن أكون محافظاً. فالأمم الكبيرة هي الأمم المحافظة. خذ بريطانيا مثلاً. لماذا هي محافظة؟ لأن لديها ما تحافظ عليه، كنوز ثقافية وفكرية وقيم تاريخية وحضارية. ومن لا يملك شيئاً لن يحافظ عليه. لدي طريق أحافظ عليه ومسار أؤمن به. لدي قيم أتمسك بها. تجربتي قطعت خمسين سنة ومازالت تتجدد. فالمحافظ ليس هو المتزمت. أنا أنتمي إلى المسرح الذي هو فن الحركة، بالتالي لا يمكن أن أكون ساكناً. بالمقابل لم يسبق يوماً أن مارست القمع على جهة ما. بالعكس مورس علي القمع، وأُلصق بي كثير من التهم. ما يغضب الناس هو أنني جئت في عصر الأيديولوجيا ولم أؤمن بها. في السبعينيات قلت لهم أنا لست يمينياً ولا يسارياً. أنا طليعي وأنتمي إلى الأمام الذي أنظر إليه، لذلك لا ألتفت لا إلى اليسار ولا إلى اليمين. الحذاء فردتان يمين ويسار. وأنا لا يهمني اليمين واليسار. بل يهمني المشي إلى الأمام".

المزيد من ثقافة