ملخص
افتتح عرض "(ال) حلم... كوميديا سوداء" أيام قرطاج المسرحية في دورته الـ26 (تستمر حتى 29 الشهر الجاري)، وهو من تأليف جليلة بكار وإخراج الفاضل الجعايبي وإنتاج شركة "فاميليا". استقطب العمل اهتمام الجمهور والنقاد على حد السواء، ليس فقط لجرأته الفنية، بل لأنه عكس واقع المجتمع التونسي من خلال رؤية مسرحية نقدية حادة، ممتدة نحو ساعتين وعشرين دقيقة في قاعة الريو، في العاصمة تونس.
عنوان المسرحية "(ال) حلم..." ليس مجرد تسمية عابرة، بل يحمل طبقات متعددة من المعاني الرمزية، ويعد مفتاحاً أساساً لفهم رؤية جليلة بكار والفاضل الجعايبي. القوسان حول كلمة "الحلم" يرمزان إلى هشاشة هذا المفهوم وعدم ثباته، وكأن الحلم نفسه ليس مجرد وعد أو تطلع ثابت، بل تجربة غير مستقرة، محفوفة بالأسئلة والشكوك. أما النقاط الثلاث بعد الكلمة، فتوحي باستمرار هذا التساؤل، وبانفتاحه على احتمالات متعددة...
يحدد الجزء الثاني من العنوان "كوميديا سوداء" النبرة الفنية للمسرحية، موضحاً أن الضحك المبتسم، غالباً ما ينبع من مأساة الشخصيات والصراعات الداخلية في المجتمع. هذا التوصيف يهيئ المشاهد نفسياً للتقلب المستمر بين السخرية والألم، بين المرح والوجع، ويشير إلى أن العمل ليس مسرحية تقليدية للترفيه، بل تجربة فنية تتعامل مع الواقع الاجتماعي والسياسي بروح نقدية.
من منظور أوسع، يمكن قراءة العنوان كدعوة إلى التأمل في المجتمع التونسي: الحلم في هذا السياق ليس ضمانة للنجاح أو السعادة، بل اختبار للوعي، وكشف للهشاشة والانكسارات التي تحيط بالوطن والأفراد على حد السواء. إن هذه الرمزية تجعل من العنوان أكثر من مجرد تعريف للعمل، بل مرآة لجوهر المسرحية ومفتاح لفهمها قبل الدخول في تفاصيل القصة والشخصيات.
عمارة متصدعة وحلم هش
تدور أحداث المسرحية في عمارة المورو، مسكن متعدد الشخصيات يمثل فسيفساء المجتمع التونسي، حيث تتقاطع الحكايات الفردية مع الواقع الاجتماعي والسياسي. كل ساكن في العمارة يحمل أحلامه الخاصة، مخاوفه، وذكرياته المؤلمة، مما يجعل المكان ليس مجرد مسكن، بل مساحة تكشف عن التوتر الداخلي والانعكاسات النفسية للظروف المحيطة.
الترميم المستمر للجدران المتشققة في العمارة يظهر كطقس روتيني، لكنه ليس إصلاحاً حقيقياً، بل محاولة لتجميل السطح في حين ينهار الداخل. هذا التكرار يرمز إلى الجهود المتواصلة لإخفاء هشاشة المجتمع وإخفاء الألم الفردي تحت مظهر النظام، في حين تبقى الانكسارات والعيوب حاضرة بصمت.
العمارة تتحول إلى استعارة للوطن نفسه: بلد يسعى إلى الثبات، لكنه يئن تحت وطأة المشكلات المتراكمة، يحاول بناء ذاته من دون ضمانات، وكأنه يترنح بين الماضي المؤلم والمستقبل الغامض. من هنا، تصبح الشخصيات انعكاساً مباشراً لهذا الواقع: بعضها مثقل بالذكريات والهزائم، وبعضها الآخر يحاول التمسك بأمل هش لا يثبت على الأرض.
تضيف العمارة بعداً درامياً متداخلاً، إذ تتحول الغرف والفضاءات الداخلية إلى أماكن للتجارب المتعددة: المطبخ يصبح ساحة للجدل النفسي، السطح ملعباً للتأمل والانعزال، والدهاليز مسرحاً للصراعات الخفية والجرائم الرمزية. بهذه الصورة، تتحول القصة إلى سرد متعدد الطبقات، حيث يتقاطع الواقع الاجتماعي مع الرمز والخيال، ويصبح كل مشهد جزءاً من فسيفساء أكبر عن هشاشة الحلم واستحالة الاستقرار.
الكوميديا السوداء كنبرة مركزية
اختار الفاضل الجعايبي، بالتعاون مع جليلة بكار، أن تكون الكوميديا السوداء النبرة الأساسية للعرض، بحيث ينسجم الضحك مع الألم ليكشف عن تناقضات الشخصيات وهشاشة المجتمع التونسي. في هذا السياق، لا يأتي الضحك من موقف هزلي صرف، بل من مأساة الشخصيات، من صراعاتهم اليومية، ومن تفاعلهم مع فضاء مسرح متصدع يعكس التوتر الداخلي والخارجي. كل لحظة على الخشبة تتحول إلى مشهد متعدد الطبقات، يجمع بين الأمل والخيبة، بين السخرية والتأمل، مما يجعل الجمهور يعيش تجربة وجدانية مركبة.
الفضاء المسرحي نفسه يتحول إلى عنصر فاعل في بناء الكوميديا السوداء: الدرجات القديمة، الأبواب المتهالكة، المصابيح المتذبذبة، وبلاط الأرضية المهترئ ليست مجرد ديكور، بل مرآة لما يحدث داخل الشخصيات. الحركة الدقيقة للممثلين، التوقفات المفاجئة، ارتجاف الأجساد، والتردد في الكلام، كلها أدوات درامية تجعل الجمهور يشعر بالقلق والترقب، وكأن المكان نفسه يشارك في نقل التوتر النفسي والهشاشة الداخلية.
الديكور متعدد الوظائف أيضاً، المطبخ يتحول إلى سطح، غرفة تحقيق، وزقاق ضيق في آنٍ واحد، بينما كل عنصر صغير يحمل دلالة رمزية.
الإضاءة المتقطعة تلعب دوراً مركزياً في إبراز التناقض بين الواقع والحلم، بين الظل والنور، وتخلق شعوراً دائماً بالترقب والخطر الوشيك. الصوت، سواء كان موسيقى أو تأثيرات صوتية، يعمل جنباً إلى جنب مع الحركة، لتكثيف الإحساس بالغربة والانعزال، مما يجعل كل لحظة على الخشبة تجربة شاملة، تتجاوز الحوار المنطوق لتصبح لغة جسدية وصوتية ورمزية تكشف عن أبعاد جديدة للصراع الداخلي والخارجي للشخصيات.
النص والأداء التمثيلي
يركز نص جليلة بكار في "(ال) حلم... كوميديا سوداء" على اللحظة الداخلية أكثر من السرد التقليدي، فتتسم الجمل بالقصيرة والمشحونة رمزياً، وأحياناً تترك معلقة في الهواء لتعكس صمت الشخصيات وترددها. تتحول الاعترافات الفردية تدريجاً إلى حوار جماعي يعكس هشاشة الحلم الجماعي ومقاومته في الوقت نفسه فلا يظهر الحلم كنهاية مسبقة، بل كبداية لمواجهة الذات والواقع المجروح. في هذا الإطار، يبرز أداء فريق طاقم التمثيل الذي يضفي على النص أبعاداً جسدية وروحية متكاملة: جليلة بكار في دور "جميلة" و"نعيمة"، تشكل قلب العرض النابض، بينما يقدم جمال المداني شخصية "جمال عبدالناصر البيدوني" تجسيداً للانحراف الاجتماعي والنرجسية، ويجسد محمد شعبان دور "باديس" المتوحد، رمز الانعزال الداخلي والصراع النفسي، فيما يراقب منير الخزري في دور "الخنادقي" التفاصيل الدقيقة ليكشف عن هشاشة المكان، بينما تواجه مريم بن حميدة في دور "بية" الظلم وتوثقه على رغم هشاشة حياتها الشخصية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تتجلى براعة كل ممثل في استخدام جسده للتعبير عن التوتر والهشاشة والانتظار، بحيث تصبح الحركة الجسدية امتداداً طبيعياً للكلمات، تعزز الرمزية الدرامية للنص الذي تعكسه المسرحية. فالعمارة ليست مجرد مكان سكني، بل كيان حي يترقع ويشكو، لتصبح رمزاً للوطن والحياة اليومية الممزقة. ومن خلال هذا البناء، يصور الوطن كفضاء هش يتداعى لكنه يقاوم، يرمم لكنه لا يستقر. أما الحلم، فهو ليس وعداً مضموناً، بل تساؤل دائم عن الذات والهوية، سؤال عمن نحن وإلى أين نتجه، وعن إمكان تجسيد أمل صادق وسط الانكسارات.
المسرح نبض الشارع
جاء عرض "(ال) حلم... كوميديا سوداء" متوافقاً مع شعار الدورة الـ26 لأيام قرطاج المسرحية "المسرح وعي وتغيير... المسرح نبض الشارع"، ليؤكد الدور الحيوي للمسرح كفضاء ليس للترفيه فحسب، بل للمساءلة والتأمل في واقع المجتمع. المسرحية تقدم المسرح كمنصة للتجربة الفكرية والثقافية، بحيث يسأل المشاهد عن ذاته ومكانه ضمن فسيفساء المجتمع، ويضعه أمام تحديات الوعي الاجتماعي والسياسي.
في هذا السياق، يتحول المسرح إلى مساحة للمواجهة: مواجهة الانكسارات الفردية والجماعية، مواجهة الهشاشة الاقتصادية والسياسية، ومواجهة الأسئلة العميقة حول الهوية، العدالة، والحلم. الحلم هنا ليس شعاراً جمالياً يرفع على الخشبة، بل معركة ثقافية وفكرية واجتماعية، معركة تستدعي من الجمهور أن يتأمل، وأن يسائل الواقع، وأن يعيد النظر في إمكانات التغيير.
المسرح هنا ليس مجرد شاهد على الأحداث، بل مشارك في صياغة وعي المجتمع، فيصبح كل صوت، كل حركة جسدية، وكل لحظة صمت جزءاً من خطاب نقدي موسع.
بهذا المعنى، يعيد الفاضل الجعايبي وجليلة بكار تعريف المسرح ليس كفن منفصل عن الحياة، بل كفضاء يعيش المجتمع داخله، ويعيد صياغة سؤال الحلم: هل نستمر في إصلاح السطح الخارجي فحسب، أم نبدأ بترميم ما في داخلنا أولاً؟