ملخص
لم تعد الذاكرة الجمعية بحاجة إلى مؤسسات رسمية لترميزها أو متاحف مادية لحفظها، بل أصبحت تدار عبر شبكات أرشفة شعبية لا مركزية. يقوم الجيل الشاب بالتقاط الصور للميادين قبل الهدم، وإنشاء خرائط تفاعلية تشمل السير الذاتية وصور النصب المهدومة.
في ساعات الفجر الأولى، حين كانت نسمات أكتوبر (تشرين الأول) الباردة تتهادى فوق تلال الضفة الغربية، لم يكن الصوت الذي شق صمت مخيم الجلزون شمال رام الله صوت اشتباك بالرصاص الحي، بل كان الزئير الهيدروليكي الحاد لجرافة عسكرية ضخمة من طراز دي 9، وهي تسير في شوارع المخيم تحت حراسة مشددة من عشرات الآليات والجنود المدججين بالسلاح. هذه الترسانة العسكرية بأكملها لم تكن تتقدم لهدم ثكنة أو مقر أمني بل لهدم "نصب تذكاري" خصص لتخليد أسماء أبناء المخيم، الذين قضوا برصاص الجيش الإسرائيلي.
ومن خلف نوافذ المنازل المتلاصقة في الجلزون، يراقب الأهالي ذلك المشهد الممتلئ بالمفارقة، جيش كامل يستنفر آلياته الثقيلة لمواجهة كتلة من الأسمنت والرخام. وفيما تباشر المجنزرة تجريف الحجر وطمس ملامح الصرح، يتردد في أزقة المخيم سؤال اختصر المشهد بأسره، "أي رعب هذا الذي تدخله الصورة والاسم في قلب المؤسسة العسكرية حتى تساق الجرافات لمقاتلة ذاكرة حجرية؟".
ببساطة إن ما شهده مخيم الجلزون ليس حدثاً معزولاً، بل هو امتداد ميداني مباشر لحملة عسكرية واسعة النطاق أطلقتها المؤسسة الإسرائيلية في مختلف محافظات الضفة الغربية، تستهدف بالهدم والتجريف الشامل النصب التذكارية والجداريات والصروح والرموز الوطنية. فهناك لا تدور المعركة في جبهات العتاد العسكري، بل في مسرح الفضاء العام، وتستهدف "هندسة المكان"، و"إلغاء الذاكرة الجمعية".
بحسب البيانات الميدانية والقرارات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي، فإن هذه الحملة لا تدار بصورة عشوائية، بل تستند إلى بنك أهداف شامل أعدته المؤسسة الأمنية يضم نحو 50 نصباً وصرحاً تذكارياً موزعاً على مختلف محافظات الضفة الغربية. وقد بدأت التطبيقات العملية لهذه الخطة بتجريف صروح رئيسة في نابلس وجنين وطولكرم وبلاطة ويعبد وأبو فلاح، وصولاً إلى اقتحام ميداني ضخم في مخيم الجلزون برام الله. وهذا الاتساع المبرمج يعكس قراراً سياسياً وأمنياً بألا يترك أي فضاء عام في الضفة الغربية يحمل إشارة أو رمزاً للذاكرة الجمعية من دون طمس أو تجريف.
عسكرة العمران
تتعدى العمليات الإسرائيلية الجارية مجرد إزالة "مظاهر تحريضية" كما تدعي الإدارة العسكرية الإسرائيلية، بل إنها تعبر في جوهرها عن مفهوم "عسكرة العمران" وإعادة الهندسة العكسية للجغرافيا الفلسطينية. بالنسبة إلى الجيش فإنه من خلال استهداف الساحات والدوارات والميادين العامة سيفرغ العمران الفلسطيني من أي حمولة تاريخية أو رمزية.
ففي الفكر الاستعماري، يجب أن يكون الفضاء العام محايداً، خاضعاً للرقابة المباشرة، ومفرغاً من أي أبعادٍ سياسية قد تشكل "بؤر تجميع" للذاكرة الجمعية. ويرى مراقبون أن تجريف الصروح في جنين ونابلس وطولكرم ويعبد ليس مجرد عملية هدم مادي، بل هو محاولة لتفكيك البيئة البصرية وتجريد الشارع الفلسطيني من هويته القومية والوطنية. بل تحاول هذه السياسات بالتزامن مع تقطيع أوصال الضفة بالحواجز، تحويل القرى والمدن إلى كتل أسمنتية معزولة عن بعضها بعضاً، وتحويل المدن الفلسطينية إلى مساحات استهلاكية وممرات حركة وظيفية مفرغة من المعنى السياسي، تشبه بطبيعتها نظام "البانتوستات" التاريخي.
إن محو اسم المقاتل الفلسطيني أو رسمه عن جدار الشارع يهدف بالأساس إلى منع تشكل السردية المتصلة بين أجيال المكان الواحد. ويتطابق هذا السلوك الميداني مع ما تطرحه أبحاث علم الاجتماع العمراني حول السيطرة الاستعمارية، حيث تؤكد الدراسات التحليلية للسياسات المكانية أن السلطات الاستعمارية لا تكتفي بالسيطرة على الأرض الجغرافية وحسب، بل تسعى جاهدة إلى فرض التحكم في كيفية إدراك السكان لمحيطهم، مجردة المكان من رمزيته لسهولة تدجينه وتحويله إلى بيئة خاضعة كلياً للضبط الأمني.
هشاشة القوة
تظهر المشاهد الميدانية داخل الضفة الغربية التناقض الصارخ حين تحاط الجرافات العسكرية الثقيلة بكتائب من المشاة أو القوات الخاصة المجهزة بآليات مدرعة، من أجل هدم صرحٍ تذكاري في قرية كفر اللبد أو بلدة يعبد أو نابلس أو رام الله. هذا الاستنفار المكثف يعكس حجم الإدراك الإسرائيلي للخطورة المعنوية التي يمثلها "الرمز"، حيث تتحول الكتلة الأسمنتية البسيطة في الميدان إلى مصدر تهديد دائم للمنظومة الأمنية.
وأثبتت التجارب الميدانية على مدار العقود الماضية، أنه فور انسحاب الآليات العسكرية من الميدان، يسارع الشبان والأهالي إلى رفع علم جديد، أو كتابة الأسماء على الجدران المهدومة، أو وضع أحجار بديلة. في إشارة إلى أن السيطرة العسكرية على الجغرافيا لا تعني بالضرورة السيطرة على الوعي. ومع كل عملية إزالة لميدان أو صرحٍ تذكاري، ينتقل الرمز فوراً من جغرافيا الشارع المحدودة إلى الفضاء الرقمي المفتوح عبر منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الأرشفة الرقمية. صور الهدم ذاتها تتحول إلى مقاطع مرئية وتصاميم ثلاثية الأبعاد تستعرض ملايين المرات عالمياً. وهكذا، فإن المحاولة العسكرية لمحو أسماء المقاتلين في قرية نائية تجعل من هذه الأسماء ترنداً عالمياً عابراً للحدود والرقابة العسكرية.
أرشفة شعبية
ولم تعد الذاكرة الجمعية بحاجة إلى مؤسسات رسمية لترميزها أو متاحف مادية لحفظها، بل أصبحت تدار عبر شبكات أرشفة شعبية لا مركزية. يقوم الجيل الشاب بالتقاط الصور للميادين قبل الهدم، وإنشاء خرائط تفاعلية تشمل السير الذاتية وصور النصب المهدومة.
هذا التحول ينقل المعركة من "حرب على الحجر" إلى "حرب على البيانات والوعي الافتراضي"، وهي جبهة تمتلك فيها المجتمعات الشعبية مرونة تفوق الترسانات العسكرية التقليدية. وتنسجم هذه الحملة مع تحركات سياسية وعسكرية أوسع تسعى إلى فرض حال من "الردع النفسي الاستباقي" على المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية.
وتؤكد التغطيات الميدانية والبيانات الصادرة عن المؤسسات الإعلامية الرسمية والمحلية الفلسطينية أن الحملة التي ينفذها الجيش الإسرائيلي تضع ضمن بنك أهدافها هدم وإزالة نحو 50 نصباً وصرحاً تذكارياً موزعة في مختلف المحافظات. ويرافق عملية الهدم توزيع مناشير تحذيرية ميدانية وإرسال رسائل تهديد للأهالي لمنع إعادة تشييد النصب. والهدف من هذه الإجراءات نقل جزء من الضغط النفسي ومشاهد التجريف والبنية التحتية المدمرة إلى مدن الضفة لفرض حال من الصدمة واليأس النفسي الاستباقي.
نتيجة عكسية
على العكس من الهدف المرجو أمنياً، تشير القراءة السياسية والميدانية الفلسطينية إلى أن هذه السياسات تؤدي إلى نتيجة عكسية. كيف لا وعملية الهدم تخلق "نقطة احتكاك جديدة"، إذ تتحول عمليات التجريف نفسها إلى مواجهات ميدانية واشتباكات شعبية مع القوات المقتحمة، مما يعيد شحن الميدان وتجديد دافعية الحجر الرمزية والشعبية بدلاً من تحييده.
ووفقاً لتصريحات وبيانات رسمية صدرت عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية، فإن هذه الحملة تصنف في الإطار العسكري كعملية لـ"مكافحة التحريض وتفكيك البنية التحتية المعنوية للمجموعات المسلحة"، معتبرين أن وجود صروح وتذكارات للشهداء في وسط الساحات المفتوحة يمجد الأعمال العسكرية ويغذي دافعية الشباب الفلسطيني للانخراط في المواجهات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في مقابل التبرير العسكري، يفند مركز "شمس" للإعلام والحقوق والديمقراطية في بيانه الحقوقي هذه الإجراءات، موضحاً أن استهداف الجيش الإسرائيلي للنصب التذكارية يمثل خرقاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، وبصورة خاصة للمادة (27) من اتفاقية لاهاي لعام 1907 التي توجب حماية الموروث الثقافي والرمزي.
وشدد المركز في تحليله الحقوقي على أن تدمير هذه الرموز الوطنية "لن يفلح في صناعة تاريخ طارئ للاحتلال، بقدر ما يكشف عن عجز المؤسسة العسكرية عن حسم الصراع السياسي في وجه كتل الحجر والرموز المعنوية". وتتقاطع هذه القراءة مع توثيقات الهيئات الحقوقية المحلية، التي تؤكد أن تجريف الممتلكات ذات القيمة المعنوية والتاريخية يعكس سياسة عقاب جماعي محظورة بموجب المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة.
قصة تتجدد
عندما غادرت الجرافات العسكرية دوار المخيم تاركة خلفها ركاماً من الأسمنت والحصى المتناثر، لم يكن المكان خالياً كما ظن ضابط القوة المقتحمة. فبعد ساعاتٍ قليلة، تقدمت طفلة صغيرة تحمل وردة حمراء وضعتها فوق كومة الركام، بينما كان شاب آخر يلتقط بهاتفه المحمول صورة للركام ليعيد نشرها مع أسماء المقاتلين الفلسطينيين عبر شبكات التواصل.
ويرى مراقبون، أن الحملة العسكرية الإسرائيلية على النصب التذكارية والرموز الوطنية في الضفة الغربية أثبتت أن المنظومة الإسرائيلية التي تجد نفسها في حال حرب مع "الذاكرة والحجر" منظومة تعاني أزمة إستراتيجية عميقة. فالرخام والحجر ليسا سوى أوعية مادية للذاكرة، والأوعية قد تهدم وتجرف، لكن السردية التي أوجدتها تبقى حية وتتشكل في أشكال جديدة تارة في الشارع، وتارة في الفضاء الرقمي، وتارة في وجدان أجيال متعاقبة. وهكذا، تبدو "هندسة المحو" مجرد محاولة لاستبدال المعنى بالركام، بينما يظل المعنى العصي على التجريف يصوغ جغرافيا الوعي الفلسطيني من جديد.