Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكثير من مسلمات اليوم كان سيبدو استثنائيا قبل 40 عاما

فيما تحتفل "اندبندنت" بمرور 4 عقود على تأسيسها، نعود بالزمن للوراء، لنستعرض كيف كانت حياتنا آنذاك، وما الذي كان سيبدو عصياً على التصديق في نمط الحياة الذي نعيشه اليوم

 الهواتف المحمولة طُرحت للمرة الأولى في المملكة المتحدة عام 1985، ولم يصبح استخدامها أثناء القيادة غير قانوني إلا في عام 2003 (غيتي)

ملخص

لو عاد شخص من عام 1986 إلى يومنا هذا، لأدهشه أن هاتفاً صغيراً في الجيب صار كاميرا ومصرفاً ومكتبة، وأن الصين أصبحت تصنع ربع السيارات الجديدة المبيعة في بريطانيا. لكن أشياء كثيرة لم تتغير كما قد نتوقع: ما زال الناس يقلقون من روسيا وكلفة السكن، وما زالت القطارات تتأخر والفقر حاضراً، فيما اختفت عادات قديمة وظهرت أخرى لم يكن أحد ليتخيلها.

في عام 1986، كان فيلم "بليد رانر" (Blade Runner) -  في نسخته الأصلية التي عُرضت في دور السينما قبل ذلك بثلاثة أعوام، لا يزال يحتل المرتبة السادسة بين أشرطة الفيديو الأكثر شعبية بصيغة "VHS" في متاجر تأجير الأفلام التي اختفت نهائياً نحو عام 2015.

في تلك الملحمة السينمائية الخيالية ذات الطابع الديستوبي والمستقبلي المتطرف، التي تدور أحداثها في لوس أنجليس عام 2019، كانت الأجواء تعج بسيارات طائرة، أو ما تُسمى "سبينرز"، ومع ذلك كان يتعين على من يحتاج لإجراء مكالمة فيديو عاجلة، وهو داخل إحدى تلك السيارات الطائرة، أن يتوقف عند كابينة هاتف عمومي.

لو أن زائراً آتياً من المستقبل عبر الزمن ظهر عام 1986، وهو عام الذي أُسست فيه "اندبندنت"، وقال إننا سنتمكن بحلول عام 2019 من إجراء مكالمات فيديو مجانية مع أي شخص في العالم، ولأية مدة نشاء، من دون كُلف تُذكر، لربما قيل له إن هذا الاحتمال ضرب من الوهم السخيف، حتى بمقاييس الخيال العلمي.

صحيح أن الهواتف المحمولة كانت قد بدأت بالظهور للتو في بريطانيا، لكنها كانت بحجم قالب طوب ووزنه، وقد أجريتُ أول مكالمة لي باستخدام أحدها خارج محطة بريستون للسكك الحديد عام 1986، وأنا في طريقي إلى مؤتمر حزب "العمال" في مدينة بلاكبول، وتلك المكالمة أثارت ذهول مجموعة من طالبات المدارس، فسألتني إحداهن إن كنت أحد أولئك الشباب المهنيين المترفين المعروفين بـ "يابيز".

كثير من تفاصيل الحياة لم تتغير في عام 2026، ولا تزال، على نحو يثير الدهشة، تشبه ما كانت عليه قبل 40 عاماً، فبعض المنازل وقطع الأثاث والملابس تبدو مألوفة تماماً، وكذلك لا يزال الفقر منتشراً على نطاق واسع، والقطارات ما برحت تتأخر، والحفر في الطرقات تؤرق الناس، ولوحات المفاتيح ذات تصميم QWERTY (الإنجليزي) لا تزال هي السائدة، وكذلك لا نزال نشعر بقلق إزاء كُلف السكن وظاهرة الاحتباس الحراري (الذي كانت رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر قد أولته اهتماماً خاصاً).

وفي عام 2026، لا يقل قلقنا إزاء النيات الروسية عمّا كان عليه، في ما يمكن تسميته "الحرب الباردة الأولى"، وهذا أمر لم يكن متوقعاً إلى حد كبير، لأن الاتحاد السوفياتي السابق كانت لديه في تسعينيات القرن الماضي علاقات ودّ وتعاون مع دول الغرب، قبل أن تعود روسيا، بوصفها الكيان الباقي بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، للعداء من جديد.

لكن هناك أموراً كثيرة ستبدو غريبة تماماً وغير متوقعة لشخص آت من عام 1986.

صعود الصين لن يكون أمراً يسهل استيعابه، ففي عام 1986 وعلى رغم بدء تطبيق إصلاحات الزعيم دينغ شياو بينغ، كانت الدولة لا تزال تُعرف باسم "الصين الحمراء"، بلداً فقيراً يخضع لنظام سلطوي لا يرحم، ومعزولاً عن الغرب، أما اليوم فالسياح الصينيون، وكثير منهم من الأثرياء وواسعي الاطلاع على العالم، يملؤون أرجاء العالم، على رغم أن البلاد لا تزال خاضعة لحكم شيوعي متشدد.

وفي عام 1986، كانت السيارة الصينية الوحيدة "شنغهاي أس إتش 760" مخصصة للمسؤولين الحكوميين وسيارات الأجرة، أما اليوم فيُصمم ويُصنع في الصين ربع السيارات الجديدة المبيعة في بريطانيا.

وصعود الصين لافت في حد ذاته، لكن ما كان سيبدو استثنائياً أيضاً لشخص من عام 1986 هو أن جميع دول الكتلة الشرقية السابقة تقريباً أصبحت اليوم رأسمالية وحرّة، باستثناء روسيا وكوريا الشمالية اللتين لا تزالان معزولتين، ففي عام 1986 كان الالتقاء بشخص ألباني أو مجري في الغرب أمراً مستحيلاً، أما اليوم فأصبح أمراً عادياً.

أما الانتشار الشامل للهواتف الذكية في مختلف أنحاء العالم وبين جميع الأجيال، فسيكون أمراً يستعصي على الفهم. هاتف تحمله في جيبك، وهو في الوقت نفسه كاميرا وتلفزيون وخريطة وصحيفة ومشغّل موسيقى ومصرف ومكتبة وهاتف لإجراء مكالمات الفيديو... أيعقل هذا؟

والأكثر إدهاشاً أن هذه الأجهزة الصغيرة المستطيلة، المتاحة بأسعار زهيدة نسبياً، تعمل أيضاً مترجماً فورياً للغات، ومكتبة لبيع الكتب، ومركزاً للتسوق، ومصرفاً، وأداة للأعمال المنزلية، ووكالة للسفر، وجهازاً للتحكم بالتدفئة المركزية، إضافة إلى كونها بوابات تتيح الوصول إلى مجمل المعرفة البشرية، ومئات الوظائف الأخرى، وكل ذلك في جهاز نادراً ما يُستخدم فعلياً لإجراء مكالمة هاتفية!

 

أما كيف تسبب الجهاز نفسه بتدمير الصحة النفسية لجيل كامل، وتقويض الخصوصية، وكاد أن يقضي على الديمقراطية، فتلك قصة أخرى سيكون شرحها لزائر من الماضي بإيجاز أمراً بالغ التعقيد، وينطبق الأمر نفسه على "الذكاء الاصطناعي التوليدي"، إذ إننا لم ندرك بعد سوى القليل من التأثيرات التي قد يحدثها خلال الـ 40 عاماً المقبلة.

وهناك تغيرات أخرى حدثت خلال العقود الأربعة الماضية، من شأنها أن تثير الدهشة والحيرة، على رغم أن معظمها كان تغييراً إلى الأفضل.

1.  لم يعد التدخين مسموحاً في الحانات والمطاعم والمكاتب والحافلات والقطارات والطائرات، وهو تحسن هائل في حياتنا، ويكاد يستحيل على من هم دون الـ 30 عاماً اليوم أن يتصوروا أن التدخين، حتى باستخدام الغليون، كان مسموحاً به على متن طائرة أو قطار من دون أن يمنعك أحد.

2. أصبح من غير القانوني، نظرياً في الأقل، أن تتقاضى المرأة أجراً أقل من الرجل في مقابل أداء العمل نفسه، وهذا مكسب بلا شك، وبالمثل يفترض أن تسهم العقوبات الجنائية على خطاب الكراهية في جعل المجتمع أكثر تحضراً، حتى وإن كان تطبيق القانون متفاوتاً.

3.  عناوين البريد الإلكتروني. كان إرسال رسالة بالبريد التقليدي حدثاً يومياً في الماضي، أما اليوم فقد لا نرسل رسالة ورقية إلا مرة واحدة في العام، وقد سألني شبّان أين ينبغي وضع الطابع البريدي عليها، وسألني موظف يعمل في متجر محلي، عندما طلبت شراء دفتر طوابع بريد من الدرجة الأولى، عما أعنيه أساساً بكلمة "طوابع". وكانت المؤسسات تخصص ساعات بعد الظهر لتدريب الموظفين على إرسال البريد الإلكتروني، أما أن يصبح البريد الإلكتروني نفسه اليوم في طريقه إلى الاندثار، فكان سيبدو أمراً لا يُصدق عام 1986، حين لم نكن نعرف أصلاً ما هو.

 

4.  اليورو. في عام 1986 كانت لكل دولة عملتها الخاصة، وكان القيام برحلة طويلة بالسيارة في "القارة"، مثلما اعتاد البريطانيون وصف أوروبا القارية، يعني أنك قد تضطر بسهولة إلى تبديل العملة خمس أو ست مرات، وكنا نستخدم الشيكات السياحية. أما اليوم، فنحن من بين الدول القليلة التي لا تزال تحتفظ بعملتها الخاصة ذات الطابع المميز، ولم تعد دفاتر الشيكات، أياً كان نوعها، موجودة، ففي عام 1986 كانت فكرة الدفع الرقمي عبر الهاتف ستبدو أشبه بالقول إنك تستطيع مشاهدة التلفزيون، باستخدام جهاز مايكروويف.

5.  حجم سياراتنا ومدى تطورها. وسيذهل الزائر الآتي من عام 1986 من الضخامة المفرطة للسيارات الحديثة، بقدر ذهوله من السيارات ذاتية القيادة، ففي عام 2026 أصبحت سيارة "ميني كاونتريمان" ذات الأبواب الأربعة أقصر بنحو 82 سنتيمتراً فقط، من سيارة "رولز رويس سيلفر شادو" موديل 1986.

 

6.  في عام 1986، لم يكن سؤال "ما المرأة؟" ليُفهم بوصفه ساحة صراع سياسي كما هي الحال اليوم، فقد كان القانون البريطاني يتعامل مع الجنس البيولوجي باعتباره أمراً ثابتاً منذ الولادة، حتى بالنسبة إلى الأشخاص الذين خضعوا لإعادة تحديد الجنس، لكن بعد 40 عاماً، أصبح تعريف الجنس والنوع الاجتماعي، وتحديد من تُعد امرأة بموجب القانون، من أكثر القضايا الثقافية إثارةً للجدل في بريطانيا.

7.  أكثر من 100 قناة تلفزيونية مجانية، إضافة إلى ملايين مقاطع الفيديو على "يوتيوب".

كان ذلك سيبدو محيراً تماماً لشخص من عام 1986، حين كان الترفيه المنزلي يقتصر على أربع قنوات تلفزيونية فقط، إلا عندما كانوا يستأجرون أشرطة فيديو "VHS"، ثم يدفعون غرامة إذا ما أعادوها متأخرين، أو من دون إعادة لف الشريط إلى بدايته.

8.  العمل من المنزل. كان العمل من المنزل سيبدو عبثياً لكثير من موظفي المكاتب عام 1986، فالمكتب كان مكاناً تذهب إليه، وتجلس فيه إلى طاولتك، وتستخدم هاتفاً ثابتاً، وتتبادل فيه المستندات الورقية مع زملائك. المكان كان صاخباً أيضاً، لأن الموافقة على أمر ما أو طرح سؤال كانا يقتضيان منك النهوض والتحدث إلى شخص وجهاً لوجه، أو عبر الهاتف.

كانت رائحة السجائر تفوح في المكاتب كذلك، ففي عام 1987 أعلنت وزارة الصحة أن الموظفين يُسمح لهم بالتدخين أثناء جلوسهم إلى مكاتبهم، باستثناء حالات معينة، ولم يُفرض حظر على التدخين في أماكن العمل المغلقة في مختلف أنحاء المملكة المتحدة إلا بعد ذلك بوقت طويل، تحديداً عام 2007، وهو أمر يستعصي على فهم أي شخص يعمل في مكتب اليوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

9.  إجراء حوار مقنع مع جهاز كومبيوتر. يمكنك اليوم أن تطلب من الحاسوب شرح مشكلة قانونية، أو المساعدة في التعامل مع اضطراب عاطفي، أو تأليف أغنية، أو ترجمة وثيقة، أو تحديد سبب عطل غسالة صحون، أو تشخيص حالات طبية، وأعرف يقيناً أن الأطباء يفعلون ذلك بقدر ما يفعله عامة الناس.

وسيكون من المفاجئ أيضاً اكتشاف قدرة "الذكاء الاصطناعي" على التحدث بنبرة واثقة وحاسمة، حتى عندما يكون مخطئاً.

10.  ألا تضل طريقك أبداً. في عام 2026، أصبح الضياع اختيارياً إلى حد بعيد، فهاتفك يعرف موقعك، ويقوم بتوجيهك صوتياً، ويقدّر وقت وصولك، ويعدل المسار عندما تزدحم حركة المرور، أما في عام 1986 فكان العثور على الشارع الصحيح يتطلب امتلاك كتيّب الخرائط "إي تو زد" (A to Z) - تصعب أحياناً قراءة خرائطه، ثم التوقف لسؤال غرباء عن الطريق.

11. الاستماع للموسيقى بضغطة زر. في عام 1986، كنت تذهب إلى متجر للموسيقى لشراء أسطوانة طويلة التشغيل(LP)  أو تسجل الموسيقى من جهاز راديو على أشرطة كاسيت، أما اليوم فيمكنك الاستماع فوراً لأي موسيقى تقريباً بجودة صوت عالية. وبالنسبة إلى شخص اعتاد انتظار بث أغنية طلبها من محطة إذاعية، نعم، كان ذلك يحدث فعلاً، فإن وفرة الموسيقى المتاحة اليوم، بلا حدود تقريباً، ستبدو أشبه بالسحر.

 

12. أكثر من نصف لاعبي منتخب إنجلترا هم من أصول سوداء أو من أصول مختلطة ذات جذور سوداء. في عام 1986، لم تكن تشكيلة إنجلترا المشاركة في كأس العالم لكرة القدم تضم سوى لاعبيْن أسوديْن هما جون بارنز وفيف أندرسون، أما اليوم فتعكس تشكيلة المنتخب الإنجليزي واقع بريطانيا التي أصبحت أكثر تنوعاً عرقياً بكثير.

أخيراً، ينبغي ألا ننسى التنوّع المذهل في الأطعمة غير البريطانية المتاحة اليوم، حتى في البلدات الريفية النائية. نعرف جميعاً أن عدد المطاعم الهندية اليوم يفوق عدد محال بيع السمك والبطاطا المقلية "فيش أند تشيبس"، لكن الزائر الآتي من عام 1986 سيجد نفسه أمام خيارات تبدأ بالمأكولات الأميركية واليابانية، مروراً بنحو 30 نوعاً من المأكولات الصينية، وصولاً إلى المطاعم الإثيوبية... والقائمة تطول، وسيشعر بالحيرة وربما بالارتباك أمام هذه الوافرة، لكنه على الأرجح سيُعجب بها أيضاً.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات