Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشر الراهن يجعل الحياة وحشية في فيلم "ريزدنت إيفل"

المخرج زاك كريغر يدمج بين الخيال العلمي والديستوبيا والذكاء الاصطناعي والرعب

العالم يتوحش في فيلم "ريزدنت إيفل" (ملف الفيلم)

ملخص

من لعبة يابانية صدرت على أجزاء وصممت للبلايستيشن، في قمة مجد هذا الأخير خلال النصف الثاني من عقد التسعينيات الماضية، إلى سلسلة أفلام أميركية تستلهم عالم اللعبة وتستكشف شخصياتها المعبرة عن المنظور الهوليوودي للبطل منقذ العالم، يتشكل عالم "ريزدنت إيفل" (بالعربية: الشر المقيم) طوال سنوات، وصار له جيش من المحبين.

الفكرة التي يعبر عنها هذا العالم، بكثير من الاختزال، تتمحور حول علماء شركة "آمبريلا" (المظلة) الذين يعملون على تخليق فيروسات، شديدة العدوى، غير أن خطأ يحدث ويترتب عليه تسرب أحدها خارج المعمل. إثر ذلك التفشي يصبح البشر وحوشاً مشوهة، أقرب إلى زومبي، لا هم لها إلا تخريب مزيد من الأجساد البشرية إلى ما لا نهاية. إنه نوع من الشر المقيم فعلاً، حيث يبدو ألا خلاص من عالم "ريزدنت إيفل" الديستوبي.

يشهد هذا العام صدور فيلم سينمائي جديد بالاسم نفسه "ريزدنت إيفل"، غير أنه لا يحمل أي ترتيب ضمن سلسلة الأفلام الشهيرة، مما يعني أنه مستقل إلى حد كبير سردياً وجمالياً عن الأفلام الأخرى. مع ذلك من المفترض أنه مستوحى بشكل ما من العالم القديم. أما نحن، كمتفرجين عاديين من غير رواد الألعاب، فلا يزال لدينا أسباب لمشاهدة الفيلم الجديد، المستلهم من عوالم مركبة تمزج بين أكثر من نوع سينمائي، بينها الخيال العلمي، والديستوبيا، والذكاء الاصطناعي إلى جانب طبعاً الرعب.

ما يلفت هذه المرة هو تصدي صانع السينما زاك كريغر، صاحب عملين من أهم أفلام الرعب في السنوات الأخيرة مخرجاً وكاتباً، وكانا الأنجح في شباك التذاكر العالمي، هما Barbarian 2022، والثاني Weapons 2025.

بلغت إيرادات "ريزدنت إيفل" الجديد 280 مليون دولار حول العالم حتى الآن، وهو أعلى رقم حققه زاك كريغر كمخرج، متجاوزاً حتى إيرادات فيلمه السابق Weapons، الذي صنع طفرة تجارية في النوع آن عرضه السينمائي. وبارتفاع إيرادات الفيلم الجديد، فإنه أيضاً يجاوز نجاحات الأجزاء السابقة من السلسلة.

كريغر ليس فقط ماهراً في صناعة أفلام رعب تمنح متفرجيها تجربة مشاهدة خاصة وممتعة سينمائياً إلى أقصى الحدود، بل يريد أن يروي كذلك حكايات مهمة عن العالم الذي نحياه، ويقدم نوعاً من نبوءة عن المستقبل. في "همجي" مثلاً، حكى شيئاً عن الإساءات الجنسية للنساء، وتنبأ – بطريقته وطريقة النوع السينمائي – بالوحوش، إذ يطلقها عدم المحاسبة والإفلات من العقاب، من تقويض للمجتمع كاملاً.

وفي "أسلحة"، وهو الذي جرب فيه طرقاً مبتكرة لسرد الحكاية نفسها، تحدث، ضمن موضوعات أخرى، عن نرجسية الأجيال الأكبر، وحرصها على البقاء، ولو على حساب الأجيال الأصغر، لينتهي الفيلم بمشهد فيه من الكوميديا، ما يرينا انتصار الصغار على الكبار لا محالة.

ولذا فإن إقدام كريغر على صناعة فيلم "ريزدنت إيفل"، وليس هو مبتكر عالمه، أو بمعنى أدق فيلم غير أصيل يبقى محل سؤال. من ناحية ثانية، من الصعب ألا يرتفع سقف توقعاتنا الفنية تلقائياً، بمجرد رؤية اسم صانع الفيلم على الأفيش، قبل حتى المشاهدة، ومن الطبيعي أن نتساءل ما الذي سيتبقى من هذه الآمال؟

عالم شرير آخر

يشترك كريغر في كتابة سيناريو الفيلم هذه المرة مع سيناريست آخر هو شاي هاتين. ويبدو أنه حاول أن يتخلص إلى حد كبير من تأثير أفلام ريزدنت إيفل السابقة، أو لعله في الأصل لم يكن من متابعيها. إن بطله بريان (يؤديه أوستن آبرامز) هو إنسان عادي، ليس عالماً ولا مقاتلاً مبهراً، يعمل في توصيل الطرود، بسيارته غير المجهزة للسير في الطرق الجليدية. وهو بحسب ما نسمعه من حوار تليفوني مع رفيقته ميشيل، متردد في شأن طفله المستقبلي، ولا يتخذ قراراً حاسماً إن كان يريد إبقاء الحمل أم إجهاضه.

عوضاً عن مواجهة هذا السؤال يقبل بريان، بتوصيل طرد عاجل إلى مستشفى راكون المركزي، من دون أن يعرف محتوى الطرد، لكنه يقدر حساسيته. ومدينة راكون هي مسرح لأحداث الشر في الأفلام السابقة وفي اللعبة الأصلية. هكذا ينطلق بريان في رحلته الليلية التي لا يطلع فيها نهار، مرتكباً في طريقه عديداً من الحماقات، ومضيئاً على جانب مهم من شخصيته، إنه إنسان أخرق، يتصدى إلى مهمة تفوقه قدراته بكثير. وببساطة أكثر هو شخص عادي في ظروف غير عادية، وكي يزداد الطين بلة، فهو لا يعرف أصلاً طبيعة الظرف الاستثنائي الذي تورط فيه.

يخلق الفيلم من هذا المزيج تأثيرات مخيفة، لكن أيضاً كوميدية، وصوت الكوميديا مرتفع بشدة في الفيلم، إلى درجة أن المخرج اعترف بأنه قد عمد إلى حذف بعض الجمل الحوارية، في المونتاج الأخير، كي يخفف من هذا التأثير.

إلى ذلك ندرك كمتفرجين، على خلفية خبرتنا المزدوجة مع نوع الرعب، ومع عوالم "ريزدنت إيفل" إن الشر يتقدم في الزمن المحيط بالبطل الخائب في سرعة مذهلة. حين تسلم بريان الطرد من المستشفى، كانت الحركة هناك غير عادية، لكن ليس بصورة فجة. رأينا جرحى كثيرين، إلا أن العالم، كما نعرفه، وكما يعرفه بريان، كان لا يزال قائماً. وكلما تقدمت سيارة بريان، التي ترتجف على الطريق الجليدي، وكلما تعثرت أيضاً، حين يصدم المرأة المتخشبة، وحين يعرج على البيت المعزول، وقد تحول سكانه وحتى كلبهم، يكون الشر قد انتصر أكثر، وحصد أرض راكون كاملة بما في ذلك وجهة بريان الأخيرة.

تجربة اللعبة

مشاهدة "ريزدنت إيفل" هي أيضاً تجربة معايشة للعبة. من جهة، يجبر المتفرج على التماهي مع بريان، في تحركاته، واختيارات الأماكن التي ينتقل إليها، والأسلحة التي يحملها. وبريان، يماثل المتفرج في عاديته. هو لا يملك معلومات عما يحدث، بينما كانت الأفلام السابقة مكتظة بالمعلومات والحبكات الفرعية، وأنه يتعامل مع النتيجة النهائية لانتشار الفيروس، وليس مشغولاً بالسؤال الذي نهضت عليه الأفلام السابقة: ما الذي حدث تحديداً، وأدى إلى انتشار الفيروس، ومما يتكون هذا الفيروس حقاً؟ إن بريان، والمتفرج من خلفه، والمخرج قبلهم، وكما يمكن لأي إنسان عادي، لو تورط في تجربة بهذه العبثية، لا يهمهم جميعاً سوى سؤال: كيف سينتهي هذا الكابوس، إن كان سينتهي أصلاً؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتجربة الانخراط في اللعب، تتشكل من صورة متقطعة أحياناً ذات طابع غير واقعي في بعض التقاطاتها، وفي المنظور من وجهة نظر الشخصية وهي تتقدم إلى المجهول، وحتى في عبارة صريحة يصيح بها بريان قرب نهاية الفيلم: "واو... إنها لعبة فيديو!". هذه التجربة تقرب المتفرج من تجربة اللعبة، بقدر ما تغربه وتفصله عنها. وهو خيار للتسلية طبعاً، وأسلوب في الحكي، لكنه فوق ذلك موقف من عالم، لم يعد الموت فيه أسوأ الخيارات الممكنة، حيث الشر شديد التفاهة في الأصل، ومجاني، لكنه محزن للغاية، وباعث على الحداد لا إزاء العالم كما كان يمكن أن يكون، لكن إزاء الحياة الشخصية العادية والبسيطة، وقد صارت في حد ذاتها مستحيلة.

الموقف من الحكومة

إن تجربة المشاهدة بما فيها من "دمقرطة" للبطولة، إن جاز التعبير، لا تستعير في الواقع من العوالم القديمة للعبة إلا علامات بسيطة. منها على سبيل المثال الكلب الأسود المتحول، والإقفال التي يجدها بريان في كل مكان ولا يستطيع مع ذلك أن يفتحها بسلاسة. ولا يشغل كريغر باله، يتأسس عالم يمكن بناء أجزاء تالية عليه مستقبلاً. ولو أن بعض المتحمسين يترقبون الإعلان عن هذه الخطوة.

وقد يدفع النجاح في شباك التذاكر إلى الشروع في تحقيقها فعلاً، لكن حسب الأخبار المتداولة، اشتغل كريغر على السيناريو بصورة مستقلة عن السلسلة، حتى إذا فشلت مفاوضاته مع شركة "سوني" منتجة الفيلم وألعاب البلايستيشن، تسنى له تحويله إلى فيلم يخصه وحده.

لكن ما الجديد الذي تقدم هنا في رؤية الشر؟ لعل الأبرز هو التجرؤ المباشر على الإشارة إلى ضلوع الحكومة المركزية في التأسيس لهذه الديستوبيا، فالمشروع البحثي الذي أجرته "آمبريلا" كان بالشراكة مع السلطات الرسمية، ومن صحيح أن الفيلم لا يخبرنا مباشرة علة هذه الشراكة المريبة، مرة أخرى لأن سؤال لماذا؟ لا يعني بطل الحكاية، إلا أنه يذكرنا بالفرضية المشابهة التي طرحها العام الماضي مسلسل It: Welcome to Derry المأخوذ عن رواية ستيفن كينغ الشهيرة. وخلاصتها أن الحكومة الأميركية قررت أن تضع يدها على الشر، الذي يتجسد على هيئة هذا المهرج المرعب ساكن المجارير والمتربص خصوصاً بالأطفال والمراهقين، كي توظفه كسلاح مخيف يجبر المواطنين على الانصياع للأوامر اتقاءً للخراب الذي يمكن أن يحدث.

كريغر يذهب خطوة أبعد، إذ يعارض حتى صناع المسلسل السابق، ويرى أن الشر منيع وسوف يبتلع لا محالة كل شيء، غير أننا لا نعرف على وجه التحديد إن كانت النتيجة النهائية تقع ضمن مخططات الحكومة، أم تخرج عليها. إنها فقط خلاصة مرعبة بالنسبة إلى بشر عاديين متوحدين تماماً مع موقف بريان العاجز والإنساني. على العموم، تبقى تجربة مشاهدة "ريزدنت إيفل" شيقة، مقبضة ومثيرة في بعض الأحيان للمخاوف المرضية (فوبيا التعرض للدماء، أو خصوصاً فوبيا المرتفعات)، وهو إن لم يكن أفضل فيلم صنعه كريغر حتى الآن، يظل ربما الأفضل ضمن سلسلة أفلام "الشر المقيم" السابقة.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما