Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النقد الإدراكي يواجه غزو الذكاء الاصطناعي للسرد العربي

مقاربة ثلاث روايات منها "زقاق المدق" في كتاب الناقد محمد شوشة

أبعاد الفكر الإدراكي (جامعة روما)

ملخص

في  كتابه "الأخلاق والسرد من منظورالنقد الإدراكي"، يدعو الناقد المصري محمد سليم شوسة إلى مزيد من الانخراط عربياً في درس وتطبيق آليات مقاربة النصوص الأدبية "إدراكياً"، في ظل تنامي الاكتشافات عن عمل الدماغ البشري ومحاولة محاكاتها اصطناعياً، ويختبر تصوراته في هذا الصدد على ثلاث روايات.

ينطلق محمد شوشة أستاذ الأدب العربي في كلية دار العلوم في جامعة الفيوم المصرية في كتابه "الأخلاق والسرد من منظور النقد الإدراكي" (دار العين) من ملاحظة زدياد أهمية الدراسات الإدراكية عموماً، والنقد الأدبي الإدراكي بصورة خاصة، بعد التأكد من شمولية العلوم الإدراكيةcognitive science  ودقة مداخلها إلى حقول علمية عديدة والربط بينها من دون افتعال. ويرى شوشة في هذا الصدد أن الإدراكيات تمكنت من سد الفجوات المتوهمة بين علم النفس والخطابات الأدبية والعلوم الاجتماعية، وكذلك العلوم العصبية، وعلوم اللغة وغيرها من الحقول، "والأهم أن هذا الارتباط بين تلك الحقول ينبع من حاجات طبيعية ويبدو متسقاً مع التطورات والاكتشافات البحثية".

وعلى رغم أن الإدراكيات ترسخت في النقد الغربي، وبخاصة الأميركي، منذ ثمانينيات القرن الماضي - يقول شوشة - فإنها "لم تزل غريبة وغير مستوعبة عربياً". ويضيف أن اللحظة الراهنة مع ثورة الذكاء الاصطناعي، "لن تترك الوقت الكافي للنقد العربي لتأملها من بعيد، وستفرض علينا استجلاب هذه النظرية وستصدمنا بمعطياتها ونتائجها كل يوم مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في حياتنا، وانتشار كثير من أسراره واكتشافاته حول عمل الدماغ البشري ومنظومة الإدراك عند الإنسان، في محاولة نقلها إلى الآلة وصناعة الروبوتات".

الخير والشر

اختار شوشة التركيز في هذا الكتاب على البعد الخاص بالأخلاق وتأثيرها أو فاعليتها في السرد والبنية القصصية، وهو بعد يتصل بالمجتمع في جانب منه، لأن المجتمع هو الذي يطرح القيم الأخلاقية وفق تصورات محددة للخير والشر وما يجوز وما لا يجوز، أوالمباح والممنوع والمحرم، ولكنها في الوقت نفسه ذات طابع نفسي أو ذات صلة نفسية عميقة، لأن الأخلاق تشكل المواقف النفسية في السرد، وتشكل تحيزات الشخصيات ومشاعرهم ودوائر صراعهم ونزاعهم حول الرغبات والمعتقدات أو الانتماءات.

ويؤكد شوشة في المدخل النظري لدراسته التي تضمنها هذا الكتاب، أنه توخى استثمار التراكم المعرفي الكبير الذي حدث في النقد الأدبي في الثقافة الغربية في حقلي سوسيولوجيا الأدب والإدراكيات، وصولاً إلى مرحلة تطور العلوم العصبية وتداخلها مع دراسة اللغة معملياً وتشريحياً في منعطف الدراسات الإدراكية نحو التجريبية، ووصول الدرس الأدبي والنقدي إلى ذروة من البينية في التخصصات، والإفادة من عدد من التخصصات العلمية المختلفة لتوخي إضاءة أكثر شمولاً للخطاب الأدبي، وأكمل فهم ممكن له. وفي ما يتصل بالارتباط بين الأدب والأخلاق، أوضح أنه قديم في نظر الفلاسفة والنقاد، بداية من أفلاطون، إلى فلاسفة العصور الوسطى وفلاسفة المسلمين وأدبائهم. ويضيف أن ذلك استمر حتى العصر الحديث الذي استقر على التصور الإدراكي للأدب، أو لدراسة الخطابات عموماً.

الفرد والجماعة

ومن ثم تتجه هذه الدراسة نحو مقاربة أحد الأبعاد المهملة نسبياً في نقد الإبداع الأدبي العربي عموماً، والروائي منه بصورة خاصة، وهو البعد المتمثل في تأثير الأخلاق في إنتاج ذلك الإبداع. وهو جانب في غاية التركيب والتعقيد، لأسباب عديدة، أولها أن الأخلاق تمارس تأثيرها في القصص والحكايات شكلاً ومضموناً. تمارس دوراً عميقاً في القصص نفسها بوصفها مادة أولية، في الحياة، أي قبل تشكلها في خطاب سردي، ذلك لأن الأخلاق جزء من السمات الأساسية لأي مجتمع أو ثقافة، كما أنها جزء من البنية العقلية والمعرفية التي تحكم المجتمع وتشكل أنماط السلوك والحركة فيه، وتقود الفرد والجماعة على السواء.

والسبب الثاني هو أن الأخلاق تمارس دورها على البنية السردية كذلك أو حين تتحول القصص والحكايات إلى خطاب سردي، وتتجسد في وضعيات واستراتيجيات سردية. ثم في مرحلة لاحقة من البحث المتقدم في البنية السردية يتأكد دور الأخلاق أو المنظومة القيمية عموماً في توجيه عملية التلقي واستجابات القراء وتفاعلهم مع السرد وشخصياته. وكذلك فإن فحص هذا البعد يرتبط بفحص مبدأين مهمين من مبادئ الفن هما المحاكاة Mimesis والتمثيل Representation . وهكذا - يقول شوشة - فإن مقاربة فاعلية الأخلاق في الخطاب الروائي هي دراسة بلاغة السرد والبنية السردية، "بالضبط على نحو ما هي دراسة تتجاوب مع منطلقات ما بعد البنيوية وأفكارها المركزية من الانشغال بالسياقات الاجتماعية للتداول السردي، وتشتغل على النواتج الإدراكية وتوظف معطيات العلوم العصبية، كما تشتغل على التلقي والخبرة القرائية، وذهنية القارئ وتجاربه في صورته الافتراضية أو النمط المثالي للاستقبال".

تنظير وتطبيق

قسم شوشة دراسته إلى مدخل نظري وثلاثة فصول، في المدخل حاول بتكثيف شديد استعراض ملامح النقد الإدراكي وأهم مصطلحاته وإجراءاته، وكذلك علاقته بالأخلاق والخطاب السردي، وتسليط الضوء على أبرز مصطلحات هذا الحقل، ومساره وإجراءاته في فحص العمل السردي بصورة خاصة، والمنافذ التي يمكن النظر عبرها إلى بنية الخطاب الروائي ووحداته السردية. في الفصل الأول قارب رواية "وكسة الشيخ" للمصري كمال رحيم، وكرس الفصل الثاني لمقاربة رواية "زقاق المدق" لنجيب محفوظ. ومن ثم جرب المقاربة الإدراكية متعمداً في ساحتين تبدوان مختلفتين على مستوى الفاصل الزمني، فالرواية الأولى صدرت عام 2023 وصدرت الثانية عام 1947.

وخصص الفصل الثالث لرواية "الاستدارة الأخيرة" للكاتب الكويتي أحمد الزمام والصادرة عام 2024. وتعكس الروايات الثلاث اختلافات على المستويات السياقية والثقافية، أفادت عبر تتبع الأنساق القيمية لكل منها، في إضاءة الخطاب السردي على نحو كبير. في الفصل الأول حاول شوشة تلمس الملامح الإدراكية ونواتجها الجمالية والدلالية، عبر مقاربته لرواية "وكسة الشاويش"، ليصل إلى التفسير الأفضل والأشمل والأعمق للخطاب السردي، "بما يمثل اعتباراً وتقديراً للجوانب المادية والتجريبية في الخطاب السردي ولغته وحيله واستراتيجياته، في ضوء بحوث تتصل بنواتج علم النفس الإدراكي والعلوم الاجتماعية، وغيرها من العلوم التي تسهم في إضاءة الخطاب الروائي بصورة ذات طابع علمي". وانشغل الفصل الثاني برصد علاقة الأخلاق بتشكيل الهوية الفردية والجماعية، عبر مقاربة رواية "زقاق المدق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واتضح لشوشة في خلاصة هذا الفصل أن النظر إلى الجوانب الإدراكية والحسية والتنوع بين التجريدي والحسي / المادي يسهم في تفسير النص الروائي، "بصورة أفضل وأشمل وأعمق". كما يسهم في رؤية العالم الروائي في ضوء تنوعه بين فاعلية القيمة المجردة وبين الغريزة الحسية، "وهو ما يسهم في فهم الشخصيات والنماذج الإنسانية بصورة أفضل وأعمق". كما يسهم في بيان المتطور من تلك الشخصيات، والثابت أو الجامد، وبيان كيف تتحول الشخصية لتكون رامزة إلى فكرة أو إلى نسق ثقافي عام، من دون أن تفقد خصوصيتها أو جماليتها بوصفها نموذجاً إنسانياً حيوياً.

المعرفة المشتركة

وناقش الفصل الثالث الصراع الجندري وثنائية الخير والشر، عبر مقاربة رواية "الاستدارة الأخيرة". وعمد شوشة أن يكون هذا الفصل تطبيقياً خالصاً، بعدما عرض لأبرز التنظيرات بصورة وافية في المقدمة وفي المدخل النظري للدراسة وفي الفصلين الأول والثاني. وفي خاتمة الكتاب، أوجز شوشة حصاد رحلته البحثية تلك، ومنه ما يتصل بالأثر الجمالي للقيم الأخلاقية في صناعة السرد وتشكيل خطابه، بما يشكل المعرفة المشتركة بين المتلقي وذلك الخطاب، "أي أن عقل المتلقي يألف السرد بناءاً على ما فيه من قوانين ضمنية وتصورات من العقل الجمعي عما يمثل الخير وما يمثل الشر".

ورأى أنه عبر هذه المعرفة المشتركة يكتسب السرد معناه، "أو بمعنى أدق يصبح من الأساس له معنى عبرها، ويصبح قادراً على إثارة عاطفة المتلقي ونحفيز مشاعره واستفزازها وتشكيل انحيازاته". كما خلص إلى أن القيم الأخلاقية الضمنية في كل عمل هي المشكل الأعمق والحقيقي لهوية الشخصية الروائية، إذ عبر هذه القيم تستمد الشخصية أهم سماتها وتكتسب تصنيفها على ميزان الخير والشر، ويكتسب الفعل الروائي أو الحدث كذلك تصنيفه على سلم الصواب والخطأ، أي يتحدد موقعه من مشاعر المتلقي ويتبين إذا ما كان سيلقى قبولاً أو رفضاً على المستوى النفسي.

وهكذا - يقول شوشة - تبدو بعض الشخصيات الروائية وفق هذا المنظور أكثر ميلاً إلى التجريد والنزعات المثالية، في حين تبدو شخصيات أخرى أكثر احتفاء بجانبها الحيواني أو المادي أو تصبح أكثر ميلاً إلى نزعات بدائية ووحشية. وهذا يعني، يضيف شوشة، أن اكتشاف ما هو قديم أو حتى بدائي متجذر في تكوين الشخصية، وما هو حديث، لا يعني بالضرورة التمييز بين الخير والشر، إذ ربما تكون بعض النزعات البدائية أقرب للفطرة، وأقرب لأن يتم تصنيفها في دوائرالقيم الخيرة، والعكس صحيح حين تكون بعض النزعات الحداثية في دوائر الشر أو تصنيفاته.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة