ملخص
فاز الأكاديمي المصري الدكتور وائل فاروق، مدير المعهد الثقافي العربي في ميلانو، وأستاذ اللغة وعلوم الاتصال في جامعة القلب المقدس الكاثوليكية، بجائزة التميز الدولي للبحر المتوسط لعام 2025. وجاء في حيثيات الفوز أن فاروق "يجسد عمله، القائم على المعرفة والحوار والتعاون، قيم السلام والتضامن والوحدة المتوسطية التي تسعى جائزة البحر الأبيض المتوسط للتميز إلى الاحتفاء بها. يرعى الجائزة عدد من المؤسسات الإيطالية والأوروبية . وفازت هذا العام بالجائزة نخبة من أهل الثقافة والفنون والرياضة، من بينهم مدرب كرة القدم البرتغالي البارز جوزيه مورينيو (مدرب إنتر ميلان وريال مدريد وتشيلسي ومانشستر يونايتد سابقاً)، وإغناسيو بييرو خيمينيز مدير معهد سرفانتس، والمصممة المغربية هانيا حراتي، والفنانة التشكيلية التونسية إلهام سباعي شعبان، وإيلينا ميداكوفيتش مديرة متحف بلغراد وسواهم.
يؤكد وائل فاروق في حواره مع "اندبندنت عربية" أنه لا توجد قوة سياسية أو اقتصادية في عالمنا تستطيع أن تبلغ أهدافها من دون خلفية ثقافية. ولفت إلى أن جهود تدريس الأدب العربي في الغرب ينبغي أن تقدمه كأدب إنساني كي يتحرر من الصور النمطية الشائعة حول العرب.
وذكر فاروق عقب تسلمه الجائزة أن ما شجعه على قبولها، كونها لا تنتمي إلى مؤسسة أو لغة أو دولة واحدة، فهي تنتمي إلى البحر المتوسط الذي آمن به طه حسين كفضاء مسكون بالسرد، متعدد اللغات والهويات، لكنه يمثل وحده الإطار الجامع لحضارة الإنسان.
يتحدث فاروق حول أهمية الجائزة مؤكداً أنها جائزة للإبداع الذي يتجاوز تأثيره حدود النوع واللغة والموضوع، ليمثل إضافة في الفضاء العام الأوروبي، ونوه بأن منح الجائزة لا يكون باختيار لجنة علمية من وزارة الثقافة الإيطالية فحسب، وإنما يخضع الترشيح للتصويت داخل اتحاد الصحافيين المتوسطيين. كما أن لها دلالة خاصة في السياق الأوروبي، إذ لا تضع أوروبا كطرف في حوار مع آخر هو شعوب المتوسط كما جرت العادة، ولكنها تجعل المتوسط فضاء جامعاً لشركاء يتبادلون التأثير داخله.
مبادرات فريدة
شارك فاروق طوال ما يزيد على 15 عاماً، وهي فترة عمله في إيطاليا، في تأسيس مشاريع ومبادرات مهمة للتعريف بالثقافة العربية داخل الأوساط الأكاديمية الإيطالية والأوروبية بوجه عام، وأبرز تلك المبادرات تأسيس ورئاسة معهد الثقافة العربية في ميلانو، وعضوية منتدى ريميني الذي يعد أكبر المؤتمرات الأوروبية المعنية بالتواصل، وكذلك رئاسة تحرير مجلة جسور التي تصدر بالإنجليزية عن رابطة العالم الإسلامي.
يرى فاروق أن هذه المبادرات تلعب أدواراً مهمة لأنها تحدث في ظل عالم يتصاعد فيه العنف، ويتسارع نمو المد الشعبوي وهواجس الخوف من الآخر. وقال، "لا يليق أن نتحدث بلغة رومانسية عن حلم مدينة فاضلة يمكن أن نحققه بالحوار، كما يجب أن ننطلق من حقائق الواقع التي تقول إنه لا توجد قوة سياسية أو اقتصادية في عالمنا تستطيع أن تبلغ أهدافها من دون سردية ثقافية، وبطبيعة الحال لا وجود لسردية ثقافية لا تتقاطع مع السرديات الأخرى. وعدّ أن هذه التقاطعات السردية هي الفضاء الواقعي المادي للحوار الذي يساعد المتصارعين على عدم النظر تحت أقدامهم وتبصيرهم بالآفاق المفتوحة لمصالحهم ومستقبلهم.
يشدد الأكاديمي المصري على أن المبادرات التي عمل على تأسيسها جاءت استجابة لحاجة عملية في الواقع، إذ كان الهدف من الدورة الأولى لمهرجان الثقافة العربية عام 2014 هو إعطاء طلاب اللغة العربية بالجامعة الكاثوليكية بميلانو الفرصة للقاء الكتاب الذين درسوا بعض نصوصهم. وخلال المهرجان اكتشف الحضور أن ما يشغل الكاتب العربي ليس فقط ما يوضع الآن تحت لافتة كبيرة هي الأنثروبولوجيا، فالكاتب العربي تشغله أيضاً قضايا الإبداع وتطارده الأسئلة الجمالية.
أفق بديل
لفت الفائز بجائزة التميز المتوسطي إلى أن كل دورة من المهرجان تحرر جمهوره من الصور النمطية حول الإبداع الأدبي العربي، وتساعد الدارسين على إدراك أهمية هذا الأدب، ليس لأنه يتشابه معهم في الاهتمام بالأبعاد الجمالية، ولكن لأنه يختلف عنهم في طرح الأسئلة الجمالية.
وأضاف، "حالياً يدرك الجميع أن هذا الاختلاف يوسع أفق ما هو جمالي، فيحرر ما هو سياسي واجتماعي وثقافي من الأطر الضيقة التي وضعها الاستشراق، والتي ما لبثت تغير ألوانها من دون أن تتزحزح، لفتح فضاء لحضور أكبر لهذا الأدب كأدب إنساني عام، وهذا في رأيي أحد أسباب غياب العرب عن جائزة نوبل للآداب رغم استحقاق العشرات منهم لها.
وتابع: "لكل أمة صاحبة لغة وثقافة عريقة، في كل دولة من دول العالم، بيت يطرق بابه أبناء هذه الدول ليتعرفوا على هذه الثقافة من أبنائها وبأعينهم، فللصين معهد كونفوشيوس، ولألمانيا معهد غوته، ولإسبانيا معهد ثرفانتس، إلى جانب المركز الثقافي الفرنسي، والمجلس الثقافي البريطاني، وغيرهم كثير. والآن أصبح للثقافة العربية بيتان في إيطاليا والبرتغال."
ورداً على سؤال حول مشروعه النقدي الذي يركز فيه على الاهتمام بالنقد الثقافي والظواهر الأدبية وسياسات الأدب أكثر من دراسات النقد التطبيقي التي انطلق منها، قال فاروق: "انتمائي الحالي للأكاديميا الغربية، التي تعطي الأولوية لفهم الظواهر وتحليلها أكثر من المتابعة النقدية للأعمال الأدبية المفردة، وما جرى بالضبط أنني لا أكتب متابعات نقدية في الصحف السيارة لتوفير الوقت لهذا المشروع". ويستطرد مؤكداً أن هذا لا يعني عدم الاهتمام بالنقد التطبيقي، فـ"الدراسة النظرية تقتضي الانطلاق من النصوص". ويذكر أنه انتهى أخيراً من دراسة لظاهرة البطولة السردية للجثث في الرواية المعاصرة، من خلال التطبيق على أعمال المصرية نورا ناجي، والسوري خالد خليفة، والعراقيين حسن بلاسم وسنان أنطون.
يعمل فاروق في الوقت الحالي على مواجهة القوالب الجامدة التي يصب فيها الأدب العربي، ويضيف، "ألزمت نفسي بالكتابة عن مجمل أعمال كاتب واحد لتقديم تجربته الجمالية خارج الأطر النمطية لتلقي الأدب العربي في الغرب، وبالفعل نشرت أبحاثاً مطولة عن وديع سعادة ومنتصر القفاش، وفي سبيلي لنشر أبحاث عن أحمد يماني وأحمد عبداللطيف"
أحكام القيمة
من جهة أخرى يشجع طلابه في مرحلتي الماجستير والدكتوراه على اختيار عالم وتجربة أديب واحد لتقديمه للقارئ الغربي، موضحاً أن هذا النوع من الدراسات يستغرق وقتاً طويلاً في الكتابة، وأحياناً وقتاً أطول للنشر في المجلات العلمية.
يتجلى اهتمام فاروق في كتاباته النقدية بأحكام القيمة وتأكيد سؤال المعنى، بعدما لاحظ غياب المسافة النقدية بين إنتاج المعنى واجترار المعنى، بين الأصيل المبتكر والتقليدي المكرور، بتعبير آخر، بين كتابة توظف جماليات النوع الأدبي لمساءلة العالم وإعادة إنتاجه، وكتابة في مساءلتها لعالمها تغير شروط الكتابة وجماليات النوع الأدبي.
يقول : "لا أحد يريد عودة أحكام القيمة، ولكني أرى أن هذه المسافة غائبة تماماً في السياق العربي رغم التزام كل الآداب العالمية بها. لن تجد من يقارن مثلاً جي. كي. رولينج مؤلفة (هاري بوتر)، على رغم موهبتها المشعة ونجاحها المذهل، بـتووكارتشوك أو بـآني إرنو"
الذكاء الاصطناعي واللغة
يلمس المتابع لنشاط فاروق جهوده في العمل على تطوير مناهج تعليم اللغة العربية للأجانب باستعمال الوسائط الجديدة، ومن بينها الذكاء الاصطناعي، غير أنه لا يمنحه أولوية مطلقة، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس إلا أداة تكنولوجية جديدة، لذلك ينتقد تفويض فعل التفكير إليه، وهذا ما يؤدي إلى "الميديقراطية" بتعبيره.
ويشدد على أن نماذج اللغة الكبيرة تدرب على رصد الأنماط عبر كميات هائلة من البيانات، والإجابات التي تنتجها تميل إلى التوافق، من حيث الأفكار أو جودة الكتابة التي غالباً ما تكون مليئة بالكليشيهات.
يقول فاروق: "إن سر قوة شات جي بي تي هو قدرته على خلق نصوص مقنعة عن أي موضوع، لأي جمهور، لأنه مصمم ليعجب الجميع. ولكي يعجب الجميع، يجب أن يزيل كل ما يميز أو يربك، كل ما يخرج عن المألوف. والإبداع يكمن بالضبط في تلك (العيوب)، في التفاصيل غير المتناسقة والرؤى المختلفة"
دور إنساني
يراهن الأستاذ في الجامعة الكاثوليكية بميلانو على دور الأدب في الوصول إلى قلب الثقافة الإنسانية، إذ تستند الآداب، كما يقول، على حياتنا اليومية، وعلى عواطفها وأحداثها الواقعية مثل "العمل، والوظيفة، والحب، والموت، وكل الأمور الصغيرة التي تملأ الحياة" وبتعبيره، فإن الأدب ضرورة إنسانية تزداد أهميته كل يوم، إذا وضعنا في الاعتبار "ممارسات الحياة اليومية الافتراضية"، حيث يقضي مليارات الأشخاص بضع ساعات يومياً في صنع الصور ونشرها واستهلاكها"
كما تشير الإحصاءات إلى أن مستخدمي "إنستغرام" قاموا بتحميل 50 مليار صورة، بمعدل 995 صورة كل ثانية، ويتم تحميل 500 ساعة من مقاطع الفيديو على "يوتيوب" كل دقيقة، وينشر مستخدمو "فيسبوك" 350 مليون صورة فوتوغرافية كل يوم، بمعدل 4 آلاف صورة في الثانية، وتتم مشاركة مليار مقطع فيديو على "واتساب"، بينما يرسل مستخدمو "وي تشات" 205 ملايين رسالة فيديو كل يوم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا الطوفان الكاسح من الصور والمعلومات قادر على التهام رأس المال الجمالي البشري، حيث لن يبقى لنا إلا الذاكرة الاصطناعية، ولكنها لا تحوي إلا على معلومات، بينما الذاكرة البشرية تحوي معان. فأنت لو سألت شخصاً عما فعله أمس، لن يسرد عليك كل شيء قام به، بل سيكتفي بأمر واحد يعني له شيئاً. ذاكرة المعاني هذه هي فضاء الإبداع الأدبي، وهي الإمكانية الوحيدة التي يمكن أن تحول هذا الركام الهائل من المعلومات إلى معنى يخص الفرد والجماعة.
فتاوى الواقع الافتراضي
في أحدث مؤلفاته، قام فاروق، الفائز بجائزة التميز المتوسطي، بتحليل خطاب الفتوى الذي ينتجه المسلمون المقيمون في أوروبا. يركز كتابه: "الفتوى في العصر الرقمي" على أسئلة المستفتين وليس على خطاب الفتوى أو محتواها، كما يتناول ظاهرة الإفتاء من منظور خطاب الأسئلة المنشئة لها. وكتب المفكر الفرنسي أوليفييه أروا عن الكتاب مؤكداً أهميته الفائقة في الكشف عن آليات تفكير الأجيال الشابة من المسلمين في الغرب، كما كتب عنه كبير الباحثين في الجامعة الأوروبية لويس بلان.
يلاحظ فاروق وجود تحول عميق في سياقات خطاب الفتوى، وانتقاله من الواقع التقليدي والعلاقة المباشرة أو شبه المباشرة إلى العلاقة غير المباشرة التي أوجدها الواقع الافتراضي.
ويوضح أنه في كل كتب الفتوى يوجد غياب تام للفاعل الأصلي المحرك للفتوى، وهو السائل أو المستفتي، فلا وجود للسؤال ولا دور أو فاعلية للسائل، وهو ما يعني غياب البعد الشخصي في الفتوى، حيث تتحول إلى قضية عامة، ويتحول خطاب الفتوى في غياب السؤال إلى خطاب سلطوي يضيف إلى الشريعة ما تحتاج إليه السلطة، وليس ما يبحث عنه الأفراد. و تتحول الفتوى إلى مظهر للصراع الأيديولوجي والسياسي، وليس استجابة لرغبة الأفراد في التعايش بانسجام مع واقعهم المتغير.
من ناحية أخرى، تكشف لغة خطاب الفتوى هذا التحول العميق، حيث يشغل نص السؤال وهوية صاحبه مساحة معتبرة من متن الفتوى، في مقابل غياب اسم المفتي الذي يرد على السؤال، إذ نجد أن اسم المفتي نادراً ما يذكر في الإجابة.
هكذا تغيرت اللغة الاصطلاحية داخل الخطاب، بحيث أصبح "صاحب الفتوى" هو السائل، وليس الفقيه الذي يقدم الإجابة كما كان الأمر في السابق. مع ملاحظة أن السياق الافتراضي لخطاب الفتوى قلل كثيراً من حضور تلك العوالم الغرائبية المفترضة، وجعل الفتاوى أكثر التصاقاً بالواقع، ونلاحظ هذا في حرص كثير من الأسئلة على تحديد اسم البلد أو المدينة التي يعيش فيها المستفتي، أو نوع العمل أو العلاقة أو المرض الذي دفعه إلى طرح السؤال.