Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حورتي الصغيرة... " رواية قرغيزية عن الحب المضطرب

جنكيز آيتماتوف عاش المرحلة السوفياتية وفاز بجائزة لينين

الروائي القرغيزي جنكيز آيتماتوف (ويكبيديا)

ملخص

 رواية "حورتي الصغيرة ذات الشال الأحمر" للروائي السوفياتي القرغيزي جنكيز آيتماتوف، صدرت ترجمتها العربية عن دار الرافدين – بيروت، وهي كانت صدرت بالقرغيزية عام 1961، وترجمت إلى الروسية في العام نفسه. الترجمة العربية أنجزها ثائر زين الدين، ولا تزال، بعد أكثر من نصف قرن على صدورها، تحتفظ بقدرتها على طرح الأسئلة الكبرى.

جنكيز آيتماتوف روائي قرغيزي، سوفياتي سابقاً، حائز على جائزتي لينين والدولة، وله كثير من الروايات والمجموعات القصصية، التي تهتم بالجوانب الروحية والنفسية للإنسان، من جهة، وتعنى بالبيئة والطبيعة، من جهة ثانية. وقد جمع في حياته بين العمل الدبلوماسي بحيث عين سفيراً لبلاده في غير دولة أوروبية، وبين الأدب بحيث "يتكرر موضوع الحب في معظم أعماله الكبرى، بوصفه أحد أهم الأسئلة الوجودية المرتبطة بحرية الإنسان وكرامته ومسؤوليته الأخلاقية"، على ما جاء في مقدمة المعرب الضافية، وهو ما ينطبق على "حورتي الصغيرة ذات الشال الأحمر" بامتياز.

 في الخطاب الروائي، نحن إزاء ثلاث قصص، ولكل منها حيزها النصي وراويها وأحداثها ووظيفتها السردية، الأولى هي القصة الإطار التي يرويها صحافي خلال تكليفه مهمة صحافية، وتشغل الحيز الأصغر من الرواية المتمثل بالوحدتين السرديتين الأولى والأخيرة (12 صفحة)، فتشكل إطاراً خارجياً للقصتين الأخريين. الثانية هي القصة المحتوى، يرويها بطلها السائق إلياس أليباييف، وتشغل الحيز الأكبر في الرواية (163 صفحة)، وتشكل العمود الفقري فيها. والثالثة القصة المكملة للثانية والمتكاملة مع القصتين الأخريين، يرويها بطلها مشرف الطرق بايتيمير كولوف، وتشغل الحيز الأوسط فيها (26 صفحة). وبمعزل عن الأحجام وتعدد الأصوات واختلاف الأبطال، فإن القصص الثلاث تتكامل في ما بينها لتشكل النسيج الروائي العام.

 قصتا حب

 في الحكاية، تدور الأحداث في جبال تيان شان التي تتساقط فيها الثلوج معظم أيام السنة، وتتمظهر في قصتي حب، تبدأ إحداهما من حيث تنتهي الأخرى، وتشتركان في أحد طرفيهما المتمثل بالفتاة القرغيزية الجميلة أليس، وتختلفان في الطرف الآخر الذي يمثله سائق الشاحنات إلياس في الأولى، والمشرف على الطرق بايتيمير في الثانية. على أن الاختلاف بين القصتين لا يقتصر على الطرف الآخر من العلاقة بل يتعداه إلى طبيعة العلاقة نفسها، بحيث تنحصر في المشاعر العاطفية المتبادلة بين طرفي العلاقة، وتفتقر إلى الشعور بالمسؤولية، وتتسم بالمغامرة في القصة الأولى، مما يترتب عليه نتائج معينة، بينما يقترن الحب بالمسؤولية، ويتسم بالتضحية والرعاية والمشاعر النبيلة في الثانية، مما يترتب عليه نتائج مختلفة.  

 تبدأ القصة الأولى بلقاء بين طرفيها، عند جدول ماء، خلال تعطل الشاحنة التي يقودها إلياس إلى قرية أليس، ومحاولة الأخيرة مساعدته، فتقع في نفسه موقعاً حسناً، يعبر عن ذلك بقوله "لقد لامست أسيل قلبي، وأثارت كل ما في روحي من مشاعر" (ص 44)، وينجذب كلاهما إلى الآخر، حتى إذا ما انطلق بشاحنته من جديد، يصر على أن يقل أليس إلى منزلها، وما إن تبلغه، حتى يستعجلها صوت أمها لأن الخطاب قد وصلوا، وإذ يتكرر لقاؤه بها في الأيام التالية، ويشتد انجذاب أحدهما إلى الآخر، ويعلم باقتراب موعد زفافها المكرهة عليه.

يذهب إلى القرية قبل يومين من الموعد، ويفران معاً ليقترنا ويقيما في شقة صغيرة، قرب محطة الترانزيت، قدمها له صديقه في قاعدة الشاحنات عليبك، ويحتفي به زملاؤه في العمل باستثناء جانتاي الذي يتربص به، ويكيد له، ويشي به. ويعيش مع زوجته حياة مستقرة تتكلل بولادة طفلهما سامات، غير أن أموراً طارئة لم تكن في الحسبان ستطيح استقرار الأسرة، ولعلها ناجمة عن نزوع إلياس نحو المغامرة، فحياته سلسلة من المغامرات، على العكس من زوجته الجميلة، البسيطة، الهادئة.

 تبعات المغامرة

 وإذا كانت مغامراته تنتهي عادة بعودة الأمور إلى نصابها، فإن الأخيرة منها تترتب عليها تداعيات متتالية، تقلب حياته رأساً على عقب، ذلك أن تجرؤه على جر مقطورة في ممر دولون الجبلي، في محاولة منه لإثبات وجهة نظره أمام زملائه في العمل، وفشل المحاولة يعرضانه لسخرية الزملاء وتنمرهم، فيشعر بالمرارة والإحباط، مما ينعكس على علاقته بزوجته وصديقه عليبك، وسواهما، فيعكف على ارتياد المقهى وإغراق نفسه في الشرب، ثم يجد نفسه بين أحضان زميلته في العمل خديجة التي تريده لنفسها، حتى إذا ما علم زميله اللدود جانتاي بالأمر، يشي به لزوجته.

وحين تتأكد بنفسها من خيانته لها، تترفع عن عتابه، وتكتم الأمر عنه، وتتحين فرصة وجوده خارج المنزل، وتغادر مع طفلها، ليكون آخر عهده بها، وإذ لا يبذل ما يكفي من الجهد للعثور عليهما، تطلع له خديجة، من جديد، ويسافران للإقامة معاً في فرونزة، البعيدة من مركز عمله في ريباتشيه. غير أن اقتصار علاقة الحب بينهما على طرف واحد، وحنينه المستجد إلى جبال تيان شان، وبحيرة إيسيك كول، والسهوب المترامية عند سفوح الجبال، يدفعانهما إلى الافتراق طوعاً، فتغادر خديجة إلى الشمال، ويفعل هو إلى الجنوب عائداً إلى مركز عمله.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهنا، يكون له القدر بالمرصاد مرة أخرى، فبينما يقود شاحنته، وهو في حال سكر، في ممر دولون الجبلي، ذي الطقس العاصف، ترتطم بعوائق في الطريق، ويصطدم رأسه بالمقود، حتى إذا ما بادر بعضهم لإنقاذه، واصطحبه إلى منزله، يكتشف أن منقذه هو بايتيمير الذي كان قد ساعده ذات مغامرة، وأن زوجته السابقة هي ربة ذلك المنزل، وأن ابنه سامات يشبهه إلى حد كبير، وإذ يتظاهر الزوجان السابقان عدم معرفة أحدهما بالآخر حرصاً على مشاعر الزوج الحالي، فإن الأخير لا يفوته اكتشاف الحقيقة حين تسقط أليس رزمة الحطب من يدها لدى رؤية الضيف، غير أنه يتجاهل الأمر، ويزمع في قرارة نفسه أن يترك لها الخيار، كما وعدها عشية الاقتران بها، في موقف نبيل لا يتخذه سوى النبلاء من الناس. ولا تقل أليس عنه نبلاً حين ترفض عرض إلياس عليها الفرار معه مع طفلهما، في غفلة من الزوج، وبذلك، يستوي بايتيمير وأليس في النبل.

 تضحية ومسؤولية

 في المقابل، تبدأ القصة الثانية من حيث تنتهي الأولى، ذلك أن بايتيمير الذي كان عائداً بجارته العجوز من المستشفى، يلتقي في الطريق إلى الممر الجبلي بامرأة شابة تحمل طفلاً بين ذراعيها وصرة صغيرة، فيساعدها في الصعود إلى صندوق الشاحنة، ويتنازل لها عن مكانه قرب المقصورة كي يدرأ عنها الريح. وحين يأخذ الطفل في البكاء، وتكاد أمه تتجمد من البرد، يدخل الطفل تحت معطفه، ويخلع على الأم معطفاً آخر، حتى إذا وصلوا إلى موقع إقامته، يستضيفهما في غرفة صغيرة ملحقة بالدار التي يقيم فيها.

وحين يقف على وضعها، وهجرها بيت الزوج، واعتدادها بكرامتها، وبحثها عن عمل، ورغبتها في المغادرة، صبيحة اليوم التالي، يعرض عليها فرصة عمل في الموقع، ويقنعها بعدم المغادرة لا سيما أن فكرة رحيلها مع طفلها أشعرته بالحزن والوحشة، وهو الذي سبق له أن فقد أسرته في انهيار ثلجي، ولا يزال ينوء بتلك الواقعة، فتقتنع بعرضه وتقرر البقاء. ومع الزمن، يتعلق بالصبي، ويحب الأم، وهو ما يعبر عنه بالقول: "لقد تعلقت بالصغير... لقد أحببتها منذ اللحظة الأولى" (ص 182)، فأخذ الطفل يناديه "أبي"، وحين يبدأ بالمشي، تقول له الأم: "انظر! ابنك صار يمشي"، مما شكل إشارة من قبلها إلى موافقتها على الاقتران به، وصارا زوجاً وزوجة.

وهكذا، آتى الحب المقترن بالتضحية والحنو والمسؤولية ثماره المرجوة، وتمخض عن أسرة مستقرة لم يتمكن ظهور الزوج السابق المفاجئ في حياتها من زعزعة استقرارها، ذلك أن الحب الذي يبنى على الثقة والتضحية والوفاء والشعور بالمسؤولية محكوم بالاستمرار، وهو ما لم يتحقق في العلاقة السابقة التي يخون فيها الزوج زوجته، ويفتقر إلى الشعور بالمسؤولية إزاء أسرته، ولا يبذل الجهد الكافي للعثور عليها.

 بين حب سابق متبادل، يتخلى فيه الزوج عن بعض واجباته، ويرتكب الأخطاء القاتلة، وحب راهن يتحمل فيه الزوج مسؤوليته، ويحضن أسرته، ويضحي في سبيلها، تختار أسيل الحب الأخير، فترفض الفرار مع الزوج السابق، وتثبت وفاءها للزوج الحالي، وترتقي إلى مستواه في النبل والمروءة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة