Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"لا بانديرا": بين رواية ماك أورلان وسينما ما قبل الواقعية الشعرية في فرنسا

في خضم الحرب الإسبانية قبل تفاقمها ولكن على طريقة الجيران المغادرين

بيار ماك أورلان (1882 – 1970) (غيتي)

ملخص

يحتل فيلم "لا بانديرا" (La Bandera)، الذي أنجزه جوليان دوفيفييه عام 1935 كما أشرنا، مكانةً خاصة في سينما الثلاثينيات الفرنسية، انطلاقاً من تلك الرواية التي كان بيار ماك أورلان قد أنجزها ونشرها قبل ذلك بأربعة أعوام. وقد كتب دوفيفييه السيناريو بالاشتراك مع شارل سباك. ومنذ البداية يبدو أن ما يجمع الرواية والفيلم ليس مجرد الحكاية، بل ذلك العالم الماك - أورلاني المليء بالهاربين والمهمشين والجنود والمرتزقة، حين يصبح الماضي عبئاً لا يستطيع الإنسان التخلص منه.

فيلمان في تاريخ السينما الفرنسية ينظر إليهما دائماً على اعتبارهما علامتين أساسيتين في تاريخ تلك السينما حتى وإن لم يعتبرهما النقاد الكبار مأثرتين فنيتين كبيرتين، فهما حازا دائماً على تفضيل الجمهور العريض ولا يعاد عرض أي منهما منذ عقود طويلة، إلا ويتدافع المتفرجون لمشاهدته مع قسط كبير من الحنين. الفيلمان هما "لا بانديرا" وتعني "الراية" بالإسبانية (لكن الجميع يفضلون العنوان بلغته الإسبانية لما يحمله من دلالات) الذي حققه جوليان دوفيفييه عام 1935، و"رصيف الضباب" الذي حققه مارسيل كارنيه بعد ذلك بثلاثة بأعوام. ونذكر هنا بداية أن معظم متفرجي الفيلمين يعرفون أنهما معاً من بطولة نجم السينما الفرنسية بلا منازع طوال عقود كثيرة، جان غابان، لكن قلة فقط من أولئك المتفرجين يمكنها أن تتذكر أن كلاً من الفيلمين مبني على رواية لكاتب هو نفسه في المرتين، بيار ماك أورلان. ولما كان موضوعنا هنا هو أول الفيلمين "لا بانديرا" سنذكر أن الرواية التي اقتبس منها الفيلم صدرت أول الأمر عام 1931 لتكون من أول إصدارات ماك أورلان الذي كان يقترب من عامه الـ60 يومها، وهو الذي عاش حياة مغامرات ولا سيما في إسبانيا والشمال الأفريقي، إنما تحت اسمه الأصلي بيار دومارشي قبل أن ينتحل الاسم الآخر الذي سيعرف به حتى رحيله نحو عام 1970 وقد بات ذا شهرة كبيرة في أدب المغامرات الروائي، ولكن تبقى تينك الروايات أشهر أعماله وأهم ما اقتبسته السينما من تلك الأعمال.

مطاردة وسط المعارك

بشيء من الاختصار تدور الرواية من حول المدعو بيار غيلييت الذي يطالعنا منذ البداية بكونه قد أجهز في باريس إلى شخص من مدينة روان في الغرب الفرنسي، لأسباب ليست واضحة بالنسبة إلينا أول الأمر، مما يضطره إلى الذهاب إلى إسبانيا واللجوء إلى برشلونة هرباً من الشرطة الفرنسية التي انطلقت تلاحقه. وكانت الملاحقة أقرب إلى حصار بدا الهارب عاجزاً عن التصدي له وقد أمضه الجوع ولم يجد لنفسه مأوى. وهكذا يدخل متطوعاً في الفرقة الأجنبية التابعة للقوات العاملة في إسبانيا وسط احتدام المعارك والقتال هناك. وسرعان ما يتطوع على شاكلته في تلك الفرقة، فرنسي آخر هو فرناندو لوكاس الذي لن يلبث أن يلحق به وبفرقته حين تتحرك تلك الفرقة إلى شمال المغرب العربي حيث تقاتل الثوار الريفيين المنتفضين ضد الاحتلال الإسباني. وإزاء تلك الرفقة الغريبة يشتبه غيلييت بأن لوكاس إنما هو في حقيقة أمره، الشرطي الذي يطارده. وهكذا يحتدم صراع بين الرجلين يفاقمه أنهما معاً يحاولان كسب ود الراقصة المحلية عائشة. وهكذا تتحول المغامرة البوليسية إلى صراع شخصي وجودي لا ينتهي بالطبع إلا بموت غيلييت بالطريقة نفسها تقريباً التي كان قتل بها ضحيته أول الرواية.

 

من الرواية إلى الفيلم

إذاً، يحتل فيلم "لا بانديرا" (La Bandera)، الذي أنجزه جوليان دوفيفييه عام 1935 كما أشرنا، مكانة خاصة في سينما الثلاثينيات الفرنسية، انطلاقاً من تلك الرواية التي كان ماك أورلان قد أنجزها ونشرها قبل ذلك بأربعة أعوام. وقد كتب دوفيفييه السيناريو بالاشتراك مع شارل سباك. ومنذ البداية يبدو أن ما يجمع الرواية والفيلم ليس مجرد الحكاية، بل ذلك العالم الماك - أورلاني المليء بالهاربين والمهمشين والجنود والمرتزقة، حين يصبح الماضي عبئاً لا يستطيع الإنسان التخلص منه. صحيح أن الحكاية بسيطة وتكاد تكون خطية في ظاهرها: بيير غيلييت، الذي يؤديه جان غابان، يرتكب جريمة قتل، فيهرب إلى إسبانيا ويلتحق بالفرقة الأجنبية الإسبانية، أملاً أن يختفي وسط رجال لا يسألون كثيراً عن ماضي بعضهم، لكنه يكتشف أن الماضي قادر على اللحاق به حتى في الصحراء. ففيرناندو لوكاس، شرطي متخف في صفوف الفرقة، يطارده طمعاً في المكافأة. وبين الرجلين تنشأ تدريجاً واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في الفيلم: علاقة مطاردة تتحول شيئاً فشيئاً إلى نوع من التضامن الإنساني. وهنا تكمن قوة فيلم دوفيفييه، فهو، في رأي المعلقين على الفيلم، لا يعامل الفرقة الإسبانية بوصفها مجرد خلفية لمغامرة عسكرية، بل يحولها إلى عالم أخلاقي مغلق، يجد فيه الخارجون على القانون فرصة لإعادة اختراع أنفسهم. إن غيلييت لا يتحول بريئاً، لكنه ينتقل من موقع المجرم الهارب إلى رجل قادر على التضحية، ولذلك يمكن قراءة الفيلم كله باعتباره حكاية خلاص مؤجل: لا يستطيع البطل أن يمحو الجريمة، لكنه يستطيع أن يمنح نهايته معنى آخر، شديد الخصوصية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

البطل المناسب

لقد وجد النقاد يومها أن جان غابان مناسب تماماً لهذا الدور، فصورته السينمائية في تلك المرحلة "تقوم على الرجولة الشعبية الخشنة، وعلى شخصية تبدو قاسية من الخارج، لكنها تحمل في داخلها حاجة عميقة إلى الاعتراف والحب والخلاص". وتأتي علاقة غيلييت بعائشة، التي تؤديها أنابيلا، لتضيف إلى الحكاية بعداً عاطفياً، "غير أن الحب هنا لا يصبح خلاصاً رومانسياً مكتملاً، بل استراحة قصيرة قبل أن يستعيد القدر سلطته". ومن الناحية البصرية يستفيد دوفيفييه من الانتقال الحاد بين باريس والفضاء الصحراوي المغربي، فالمدينة في البداية فضاء للجريمة والمطاردة، بينما تصبح الصحراء فضاءً أشبه بالمصير. وقد صور جزء من الفيلم في إسبانيا والمغرب، مع الاستعانة أيضاً برجال حقيقيين من الفرقة الإسبانية، مما منح المشاهد العسكرية والصحراوية ملمساً واقعياً واضحاً. وهو ما كان ماك أورلان للتعبير عنه، قد استعان بأقصى ما تسمح له لغته الأدبية الجزلة في نصه المكتوب. ويمكننا أن نقول إن جزءاً كبيراً من شهرة هذا الكاتب قد قامت على تلك اللغة، ولكن كذلك على معرفته الدقيقة بالعالم الذي يصفه وتدور الأحداث داخل مضماره: عالم الفرقة الأجنبية التي نعرف أنه سرعان ما سيصدر عنه كتاباً غير روائي استفاد من شهرة الفيلم ليوزع على نطاق واسع ولو بعد صدوره بأعوام.

بعيداً من التبسيط

هذا بالنسبة إلى رواية ماك أورلان، أما بالنسبة إلى الفيلم، فإن ثمة من يرى أنه "يحتاج اليوم إلى قراءة نقدية مزدوجة"، فمن جهة، هو، في رأي هؤلاء "عمل عن الهامشيين والمهمشين أكثر مما هو احتفال بالمشروع الاستعماري"، وقد لاحظ متحف تاريخ الهجرة الفرنسي أن اختزاله في "سينما استعمارية" سيكون تبسيطاً، لأن اهتمامه الأساس ينصرف إلى المغامرة وإلى الشخصيات الشعبية. ومن جهة أخرى لا يمكن فصل الفيلم عن المخيال الاستعماري الفرنسي والأوروبي في الثلاثينيات، ولا عن صورة شمال أفريقيا بوصفها فضاءً للرجولة والمغامرة والموت. والأهم أن ماك أورلان نفسه كان مفتوناً بشخصية الفرقة الأجنبية لأنها تجسد، في نظره، الهامشية والمغامرة والقدرية، وكان قد قام قبل كتابة الرواية برحلة صحافية إلى إسبانيا والمغرب والجزائر، ثم نشر مشاهداته في كتابه المذكور أعلاه عن تلك الفرقة الأجنبية. وانطلاقاً من ذلك كله، يمكن النظر إلى "لا بانديرا" رواية وفيلماً، باعتبارها في جوهرها عملاً عن القدر أكثر مما هي عمل عن الحرب. الحرب ليست سوى الآلة التي تدفع الشخصيات نحو نهاياتها، وما يبقى في النهاية ليس الانتصار العسكري، بل ذلك السؤال الماك - أورلاني القاتم: هل يستطيع الإنسان، بعدما يقطع الصلة بماضيه، أن يبدأ حياة أخرى؟ جواب دوفيفييه في الفيلم يبدو متشائماً، لكنه ليس عدمياً تماماً: "الماضي لا يمحى، لكن الإنسان يستطيع أحياناً أن يمنح موته معنى، أو أن يجد في اللحظة الأخيرة نوعاً من الأخوة يعيد إليه شيئاً من كرامته".

اقرأ المزيد

المزيد من سينما