ملخص
قد تنجح "قمة موسكو" في تحقيق نتائج دبلوماسية وتجارية معتبرة، فالقدرة على جمع عدد كبير من الدول الأفريقية حول مائدة واحدة سبق أن ثبتت خلال القمتين السابقتين، لكن معيار نجاحها الحقيقي لن يكون عدد الاتفاقات ولا حجم الأرقام المعلنة، بل بقدرتها على الإجابة عن ثلاثة أسئلة: هل ينعكس ما يُتفق عليه على الاقتصادات الأفريقية في صورة صناعة وتشغيل وقيمة مضافة؟ وهل يخضع تنفيذه لآليات متابعة شفافة؟ وهل تمنح الشراكة الأفارقة صوتاً حقيقياً في تحديد أولوياتها؟
يلتقي قادة أفريقيا وروسيا في موسكو يومي الـ 28 والـ 29 من أكتوبر (تشرين الثاني) الجاري، في ثالث قمة بين الجانبين، وأكد الطرفان الموعد والمكان في بيان مشترك، أعقب المشاورات الرفيعة المستوى بين "مفوضية الاتحاد الأفريقي" ووزارة الخارجية الروسية، وأعلنت موسكو في يوليو (تموز) الماضي أن 30 دولة أفريقية أكدت حضورها، إذ من المنتظر أن تقرّ القمة خطة عمل جديدة لمنتدى الشراكة للفترة 2027 - 2029.
ولا تبدو هذه القمة امتداداً آلياً لسابقتيها، فقد انعقدت "قمة سوتشي" عام 2019 في مناخ دولي يغلب عليه التفاؤل بتنويع الشراكات، وانعقدت "قمة سان بطرسبرغ "عام 2023 تحت ظل الحرب في أوكرانيا وتعثر مبادرة حبوب البحر الأسود، أما "قمة موسكو" فتنعقد بعد نحو أربعة أعوام من الحرب، وفي لحظة تتراجع فيها بعض أدوات التنمية الغربية في القارة، وتتزاحم فيها القوى الساعية إلى موطئ قدم أفريقي، وهي تنعقد أيضاً بعد انتكاسة أمنية في مالي، أعادت طرح سؤال الصدقية الأمنية الروسية.
والسؤال المحوري ليس ما إذا كانت روسيا باقية في أفريقيا، فحضورها أصبح واقعاً مؤسسياً ودبلوماسياً لا يمكن تجاهله، بل السؤال: هل تستطيع هذه الشراكة أن تتحول من تراكم للتفاهمات والإعلانات إلى منظومة قابلة للقياس والمساءلة، تخدم أولويات أفريقية قبل أن تخدم حسابات التموضع الدولي لأي طرف.
يمكن القول إن أهم ما أنجزته القمتان السابقتان إطار مؤسسي لم يكن موجوداً من قبل، فقد أسس "إعلان سوتشي" منتدى للشراكة تكون القمة هيئته العليا وتنعقد كل ثلاثة أعوام، وتتخلله مشاورات سياسية على مستوى وزراء الخارجية، ثم جاء المؤتمر الوزاري الثاني للمنتدى في القاهرة في ديسمبر (كانون الأول) 2025، ليؤكد استمرار هذا المسار.
ولا يقل هذا الإنجاز أهمية عما يقابله من تحفظ، فالمنتدى لا يزال إطاراً للحوار أكثر منه جهازاً للتنفيذ، وقد تراكمت وثائق كثيرة، منها 92 اتفاقاً ومذكرة خلال قمة 2019، قُدرت قيمتها الإجمالية بقرابة تريليون روبل، و161 اتفاقاً بعد قمة عام 2023، إضافة إلى خطة عمل تضم 181 بنداً.
لكن آليات المتابعة لم تنتج حتى اليوم حصراً شاملاً يبين ما نفذ وما هو قيد التنفيذ وما لم يبدأ، وهذه نقطة أشارت إليها أدبيات مصرية وأفريقية عدة، ويعترف بها الجانبان ضمناً حين تتحدث وثائقهما الأخيرة عن تحديد الفجوات القائمة ومعالجتها، وكذلك تغير مضمون الأجندة من قمة إلى أخرى، فقد ركزت "قمة سوتشي" على الجانبين السياسي والاقتصادي، وانتقلت "قمة سان بطرسبرغ" إلى الأمن بمعناه الواسع، فشملت الأمن الغذائي والطاقة وأمن المعلومات ومكافحة الإرهاب، ورفض العقوبات الأحادية والتدابير القسرية، وكان لافتاً أن إعلان 2023 ربط بين الغذاء والطاقة والسيادة، وهو ربط يعكس بوضوح تأثير الحرب وأزمات الأسواق في أولويات الجانبين.
أما "قمة موسكو" فيقول المنظمون إنهم يريدونها قمة اقتصادية في المقام الأول، تتمحور حول التجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والتعليم، وفي هذا السياق تقول الأرقام إن هناك نمواً حقيقياً بين روسيا والأفارقة، فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا من نحو 18 مليار دولار عام 2022 إلى نحو 27.8 مليار دولار عام 2024، ثم استقرّ قرب 27.7 مليار عام 2025، لكن هذه الأرقام لا تكتمل دلالتها من دون النظر إلى هيكلها وسياقها، فالتجارة شديدة الاختلال، وخلال عام 2024 بلغت الصادرات الروسية إلى القارة نحو 24.3 مليار دولار، في مقابل نحو 3.5 مليار دولار واردات روسية من أفريقيا، أي ما يقارب سبعة أضعاف، ولا تتجاوز حصة أفريقيا نحو 3.9 في المئة من التجارة الخارجية الروسية.
وتتركز الصادرات في سلع بعينها، تتصدّرها الحبوب التي استحوذت على نحو 87 في المئة من الصادرات الزراعية الروسية إلى القارة، وبينها القمح الذي بلغت شحناته إلى أفريقيا أكثر من 21 مليون طن خلال موسم 2023 – 2024، وكذلك تتركز جغرافياً في عدد محدود من الأسواق، تتقدمها مصر والجزائر وليبيا وكينيا وتونس، أمّا الصادرات الأفريقية إلى السوق الروسية فتدور في معظمها حول القهوة والفواكه المدارية والمنتجات الزراعية، ولا تحمل قيمة مضافة صناعية.
تكتسب هذه الأرقام وجهين متناقضين، فمن جهة تعني أهمية القمح الروسي أن اضطراب الإمدادات يؤثر مباشرة في الأمن الغذائي، بخاصة في شمال القارة وشرقها، وأن روسيا شريك لا غنى عنه لدول عدة، ومن جهة أخرى فإن هذا الاعتماد نفسه قد يتحوّل إلى هشاشة إذا لم يقترن بتنويع مصادر الإمداد وبناء قدرات إنتاج محلية.
وتتحدث موسكو عن بلوغ 40 مليار دولار في حجم التبادل، ثم 50 إلى 60 ملياراً بحلول عام 2030، غير أن بلوغ الأرقام لا يكفي، فما يهم الاقتصادات الأفريقية هو طبيعة التبادل، فهل يفتح أسواقاً لمنتجات أفريقية مصنعة؟ وهل يرتبط بنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة؟ وهنا تبدو بعض المبادرات الروسية، مثل التوسع في الاستثمار والمشاريع المشتركة وتطوير المسارات اللوجستية وتشجيع المنتجات الأفريقية، خطوات في الاتجاه الصحيح، لكنها لم تبلغ بعد حجماً يغير بنية العلاقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثم إن القياس مع المنافسين مهم، فقد تجاوزت التجارة الصينية - الأفريقية، بحسب التقديرات المتاحة، 290 مليار دولار عام 2024، أي نحو 12 ضعف التجارة الروسية - الأفريقية، وهذه الفجوة لا تعني أن موسكو لا تملك ما تقدمه، فلديها مزايا نسبية في الطاقة النووية والحبوب والأسمدة والتعدين والأسلحة، لكنها تعني أنها لا تستطيع أن تقدم حزماً تمويلية وتنموية متكاملة، بحجم ما تقدمه قوى أخرى، والأجدى لموسكو أن تتخصص في ما تتقنه، وأن تربطه بشراكات إنتاجية، لا أن تنافس في ما يفوق قدراتها.
وفي مجال الطاقة تتجلى الفرصة والتحدي معاً، فمشروع الضبعة النووي في مصر، الذي تبلغ كلفته نحو 30 مليار دولار ويغطي القرض الروسي نحو 85 في المئة منها، يضم أربع وحدات من طراز (VVER-1200) بقدرة 1200 ميغاوات لكل منها، ومن المتوقع اكتماله قربة نهاية العقد، وتبرز قيمته في أنه يتجاوز عقد الإنشاء إلى برامج التدريب والصيانة وإمدادات الوقود، أي إلى علاقة طويلة الأمد، وقد وقعت شركة "روس آتوم" مذكرات تعاون نووي مع نحو 20 دولة أفريقية، لكن النجاح يتوقف على التمويل والحوكمة وبناء الكوادر الوطنية، وعلى أن لا يتحول التعاون إلى توريد تقني بلا توطين معرفي، فالتجارب الناجحة هي التي تضمن مكوناً محلياً واضحاً ونقلاً فعلياً للمعرفة.
تظهر المواقف الروسية داخل مجلس الأمن، حول السودان وليبيا وجنوب السودان والصحراء الغربية، أن موسكو تتبنى مقاربة تقوم على رفض العقوبات، وتفضيل التعامل مع المؤسسات القائمة، وهذه مقاربة تلقى ترحيباً لدى بعض الحكومات، لكنها لا تجيب عن سؤال حماية المدنيين، ولا عن سؤال المساءلة، وهما سؤالان يهمان الشعوب بقدر ما يهمان الحكومات.
ما الذي ينبغي أن تخرج به القمة؟
إذا أرادت القمة أن تتجاوز منطق الإعلانات، فثمة خمس أولويات تبدو جديرة بالنقاش، أولها مراجعة ما سبق قبل إضافة التزامات جديدة، أي أن ينشأ نظام شفاف لحصر الاتفاقات الصادرة عن القمتين، وتصنيفها بين مُنفذ وجارٍ تنفيذه ومتعثر، مع جدول زمني ومؤشرات قياس واضحة.
وثانيها الانتقال من التجارة السلعية إلى الاستثمار والتصنيع، ويشمل ذلك تيسير نفاذ المنتجات الأفريقية المصنعة إلى السوق الروسية، وتعزيز مبادرات مثل "صنع في أفريقيا"، وإنشاء آلية تمويل ميسر تربط المشاريع المتفق عليها بمصادر تمويل فعلية، وهو ما طرحته أوساط بحثية مصرية خلال ندوة عقدت بهذا الصدد نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي كصندوق مشترك للتنمية والاستثمار، مع ربط هذه المشاريع بمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، حتى لا تتحول إلى حلقات إنتاج موجهة للخارج.
وثالثها، جعل نقل التكنولوجيا وبناء القدرات شرطاً تعاقدياً، في الطاقة النووية والمتجددة والتعدين والأسمدة، بنسب مكون محلي محددة وبرامج تدريب وشركات مشتركة داخل أفريقيا، لتصبح الشراكة مدخلاً لسلاسل القيمة المحلية، لا مجرد عقد توريد.
ورابعها، بناء مقاربة أمنية تتجاوز الدعم العسكري المباشر، عبر التنسيق مع "الاتحاد الأفريقي" والمنظمات الإقليمية، ودعم قدرات التدريب ومكافحة الإرهاب في إطار أممي وأفريقي، وربط الأمن بالتنمية وبناء مؤسسات الدولة والمصالحة السياسية، فتجربة الساحل تقول إن الحلول العسكرية وحدها لا تصنع استقراراً دائماً.
وخامسها، الاستثمار في الشراكة المجتمعية عبر المنح الأكاديمية ومراكز الأبحاث المشتركة، والتبادل الثقافي والإعلامي المتكافئ، بما يتيح لمؤسسات المجتمع المدني الأفريقي أن تشارك في تقييم الشراكة، لا أن تكتفي بتلقي نتائجها.
ختاماً، قد تنجح "قمة موسكو" في تحقيق نتائج دبلوماسية وتجارية معتبرة، فالقدرة على جمع عدد كبير من الدول الأفريقية حول مائدة واحدة سبق أن ثبتت خلال القمتين السابقتين، لكن معيار نجاحها الحقيقي لن يكون عدد الاتفاقات ولا حجم الأرقام المعلنة، بل بقدرتها على الإجابة عن ثلاثة أسئلة: هل ينعكس ما يُتفق عليه على الاقتصادات الأفريقية في صورة صناعة وتشغيل وقيمة مضافة؟ وهل يخضع تنفيذه لآليات متابعة شفافة؟ وهل تمنح الشراكة الأفارقة صوتاً حقيقياً في تحديد أولوياتها؟