Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أفريقيا القلقة تبحث واقعها المعقد في أصيلة المغربية

المعادن الاستراتيجية ومصادر الطاقة والثروات الطبيعية أعادت القارة إلى قلب المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية العالمية

جانب من ندوة "التحديات الطاقية والمائية في أفريقيا والمشاريع الاستراتيجية: نحو جغرافيا سياسية جديدة" (اندبندنت عربية)

ملخص

سياسيون أفارقة وأوروبيون يقاربون "التحديات الطاقية والمائية في أفريقيا والمشاريع الاستراتيجية: نحو جغرافيا سياسية جديدة" في عالم التحولات

هل ستظل أفريقيا مصدراً للمواد الخام أم ستتمكن من الانتقال إلى مرحلة خلق القيمة داخل القارة نفسها، عبر التصنيع والتحويل والاستثمار في البنيات الإنتاجية والتكنولوجية؟

كان يمكن للمشاركين في ندوة "التحديات الطاقية والمائية في أفريقيا والمشاريع الاستراتيجية: نحو جغرافيا سياسية جديدة"، التي استهل بها موسم أصيلة الثقافي الدولي، فعاليات دورته الـ47، أن تصبح مداخلاتهم مجرد مقاربات داخل واقع افتراضي، أو حوله، أو عنه، لولا أنهم كانوا يسارعون بعد الاستهلال المتفائل من كل منهم، إلى العودة بسرعة نحو العالم المكبل بتحديات واستعصاءات فجة في واقعيتها.

وكانت الندوة قد انعقدت في ثلاث جلسات ممتدة، شارك فيها أكثر من 15 متدخلاً، بين أوروبيين ومغاربة عرب، يجمع بينهم أنهم جميعاً شغلوا مناصب سياسية في بلدانهم، أو كانوا أعضاء بارزين في مؤسسات أو منظمات دولية متخصصة، فيما تميز عدد منهم بخبرة علمية وعملية في موضوع البحث.

تحولات سريعة

استهل الكلام في مسألة التحديات المائية والطاقية، والجغرافيا السياسية الجديدة لأفريقيا، حاتم البطيوي أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، الذي وضع النقاش في سياقه العالمي الأوسع، مستحضراً التحولات السريعة التي تطاول موازين القوة، وتصاعد المنافسة حول الموارد الطبيعية والممرات التجارية ومجالات النفوذ.

إشارات البطيوي إلى عمق التحديات وتشعباتها، فصلها رئيس الجلسة البحثية الأولى وزير الشؤون الخارجية السابق بجمهورية الرأس الأخضر، فيكتور بورغيس، قائلاً إن هذه الرهانات تسهم في تشكيل جيوسياسية أفريقية جديدة، تطرح فيها الموارد الطبيعية والبنيات التحتية الأساسية وممرات الربط كرافعات حقيقية للقوة وإعادة ترتيب التحالفات.

فالدول الأفريقية مطالبة بحسب رأيه ببلورة "نماذج تنموية مستدامة ودامجة"، أساسها الاستقرار السياسي والحكامة الجيدة والتشاور الإقليمي والرأسمال البشري، كونها الضمانات الأساسية لنجاح هذه الدينامية.

الحضور الدولي

لكن المشكلة التي تظهر هنا تدل دلالة واضحة على حقيقة مشهد العلاقات الدولية المعقدة، ويوضحها وزير جمهورية الرأس الأخضر بقوله إن الفاعلين الجدد يأتون إلى أفريقيا، لكن كل فاعل على حده يعمل باستراتيجيته الخاصة من أجل الاستجابة لمصالحه. فهناك فرق بين طريقة عمل الأتراك والصينيين والروس، لأن كل واحد منهم كمستثمر وكفاعل اقتصادي يرعى مصالحه، وبالتالي ينبغي أن تكون هناك شراكات تدفع من أجل إقامة التوازن بين كل هذه القوى.

لكن على دول القارة الأفريقية مسؤولية تسبق مسؤوليات الجهات المانحة كما يقول ممثل وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة في المغرب ليلى بنعلي، وهي إنه على الانتقال الطاقي أن يوفق بين الأمن الطاقي والتنمية الصناعية وخفض الانبعاثات وتثمين الموارد الطبيعية، لا سيما الغاز والمعادن الاستراتيجية والطاقات المتجددة. ثم يأتي بعد ذلك تعزيز الاندماج الطاقي الجهوي والربط الطاقي البيني والاستثمارات والشراكات التكنولوجية أمراً أساساً لرفع التحديات المذكورة.

مشكلة أفريقيا التنموية خصوصاً في مجال تحديات الطاقة والمياه، تصبح أكثر تحديداً وتفصيلاً، في رؤية رومانو برودي رئيس وزراء إيطاليا السابق ورئيس المفوضية الأوروبية سابقاً، إذ إن مستقبل أفريقيا عنده يرتبط بالتكامل مع العالم الخارجي. ويسأل: التكامل، لماذا؟ لأن أفريقيا لا يمكنها أن تعمل وحدها، ومن ثَم فإن التكامل هو الحل الأمثل، أي التكامل التجاري وكذلك التكامل الاقتصادي والاستثمارات التي ينبغي أن تكون بشروط تدفع لمصلحة أفريقيا.

ويقول "إن الأمر الآخر هو تطوير التكنولوجيا حتى تكون هناك مواهب حقيقية في هذا المجال، أي قطاع التكنولوجيا. وهذا ليس بالأمر الهين لأننا نعرف أن أفريقيا مجزأة، فهناك 54 دولة، وبعض الدول فقط هي التي لديها عدد كبير من الأشخاص، ولدينا أسواق للتجارة كذلك مجزأة ومقسمة".

ويتابع "إذا ما نظرنا إلى الإحصائيات، نرى أنه من الواضح أن التجارة بين البلدان الأفريقية لم تتحسن مع مضي الأعوام. هناك تطور للصادرات، لكن ما أعنيه هو أنه حتى تصبح أفريقيا قوية اقتصادياً فنحن بحاجة إلى التكامل الإقليمي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فشل القوى الاستعمارية السابقة

ويتحدث برودي عن فشل القوى الاستعمارية السابقة في التعامل مع أفريقيا في حقبة ما بعد الاستعمار، ويقول "في الحياة العملية أو الواقعية، لا نزال نحمل إرث الحقبة الاستعمارية، وبالتالي هذا الأمر يصعّب من التحلي بهذه المقاربة الشمولية، ولا زلتُ أذكر حينما كنت رئيساً للمفوضية الأوروبية، لقد التزمنا بأن القوى الاستعمارية ستكون الطرف المباشر في التجارة والصادرات والواردات مع أفريقيا، ولكن فشلنا في ذلك، فلقد كانت تحدونا النوايا الحسنة بأن هذه البلدان على معرفة مسبقة بالواقع الأفريقي، وهذا ما أدى إلى فشل أوجه التكامل الاقتصادي الذي يجمع بين أوروبا وأفريقيا". ويقر بأن أوروبا بصورة واضحة تعيش في أزمة سياسية استثنائية الآن. عدد المستثمرين الأوروبيين في العالم أصبح متقلصاً عما كان عليه في السابق، وبخاصة في أفريقيا. هناك قوى جديدة أصبحت تنظر إلى أفريقيا بعين متجددة.

أما ميغيل أنخيل موراتينوس، وزير الخارجية الإسباني الأسبق والممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات، فقد حرص على قراءة مشهد تنمية الطاقة في أفريقيا في إطاره السياسي المعقد، ومما قاله: أنا أقطن في نيويورك، ألاحظ وأتتبع عن كثب كل التقلبات والأحداث وكل هذا الانفعال حول الجانب الجيوسياسي. وماذا نعني بكل ما هو جيوسياسي؟ نتكلم عن التكامل الجغرافي وعلاقته مع الجانب السياسي، ولكن ماذا يعني ذلك؟ عندما نتكلم عن الجغرافيا لا يقتصر الأمر على الخريطة، إنما نتكلم عن الحدود والأراضي والجبال والصحاري، ولكن هناك أموراً أخرى تهمنا، مثل الأراضي النادرة الموارد الطبيعية، وأيضاً المواد الأولية، وبطبيعة الحال الطاقة. لا يمكننا أن نراهن على التنمية خصوصاً في المجال الاقتصادي والسياسي، فمن يتحكم بزمام الأمور، خصوصاً في مجال النفط والغاز، يجعل المسألة شديدة التعقيد، وينقل في هذا المجال عن الكاتب والمفكر إدواردو غاليانو عندما يتسنى للدولة أن تنتج الغاز تجد نفسها بين المطرقة والسندان، تجد نفسها في مأزق حقيقي، لأن ذلك ينطوي على مشكلات كثيرة. يجب أن يكون هناك انتقال يحترم البيئة والكثير من الأمور، وفي ذلك الكثير من التناقض، لأن حتى الدول التي لم تنعم بهذه الموارد استطاعت تدبير شؤونها بطريقة جيدة، وهناك دول أخرى بقيت تابعة أو تخلفت عن الركب.

الموارد والأخطار

وفي رأيه أن المكانة المتنامية للموارد الأفريقية داخل الحسابات الدولية الجديدة، زادت الأخطار بدلاً من أن تقلصها. فالمعادن الاستراتيجية ومصادر الطاقة والثروات الطبيعية أعادت القارة إلى قلب المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، غير أن هذا الاهتمام المتزايد يطرح في المقابل تحدياً أساسياً يتمثل في ألا تتحول المركزية الجديدة أفريقيا إلى مجرد إعادة إنتاج لأنماط الاستغلال القديمة.

وهي رؤية يشاركه فيها رئيس الوزراء الموريتاني الأسبق سيدي محمد ولد بوبكربإشارت، الذي يرى أن أفريقيا قارة تمتلك احتياطات طاقية ومعدنية وشمسية ضخمة، لكنها لا تزال تعاني خصاصاً كبيراً في الولوج إلى الكهرباء، وتتحمل بصورة غير متكافئة تداعيات الاختلالات المناخية. وهذه المفارقة تعيد طرح السؤال في جوهره: هل ستظل أفريقيا مصدراً للمواد الخام، أم ستتمكن من الانتقال إلى مرحلة خلق القيمة داخل القارة نفسها، عبر التصنيع والتحويل والاستثمار في البنيات الإنتاجية والتكنولوجية؟

موسى فقيه محمد الوزير التشادي السابق ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي سابقاً، قرأ فكرة السياسة الجغرافية الجديدة في أفريقيا من واقع أن بلده تشاد لا تطل على بحر أو محيط، وبالتالي يمكنه أن يقارب المسألة في أبعادها القارية، متحدثاً عن مفارقتين: الأولى أن أفريقيا قارة زاخرة الموارد، في مقابل نقص كبير في الكهرباء، إذ إن هناك أكثر من 600 مليون أفريقي لا يحصلون على الكهرباء.

وزير التجارة والاستهلاك والمقاولات الصغيرة والمتوسطة في السنغال سابقاً عبد الكديم فوفانا، تحدث عن حق الدول في السيادة على مواردها وضرورة ألا يقترن ذلك بالعزلة القارية والدولية، وهي مسألة تكمن ضرورتها في خطورتها، وتلك مسألة أفريقية عامة.

أهمية ندوة "التحديات الطاقية والمائية في أفريقيا والمشاريع الاستراتيجية: نحو جغرافيا سياسية جديدة"، في موسم أصيلة، أنها دلت على المشكلات والخلاصات المترتبة عليها، من غير الاقتراب من الحلول، فالمعضلات التي يمكن قراءتها خلال الجلسات الثلاث، هي في طبيعتها سياسية مقترنة بالتحولات الجارية في المشهد الدولي، التي تجعل من قضايا العالم في حال سيولة دائمة، وهو واقع ينتج مزيداً من التحولات تجعل من الغوص فيه أشبه بالتجذيف في بحر افتراضي لكنه شديد الواقعية.

المزيد من متابعات