Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قراءة في "البيان رقم 1" للتحالف... عشية بزوغ "فجر اليمن"

رسمت مضامين الخطاب ثلاث دوائر لتسبيب المعركة: الدفاع عن المملكة ومقدساتها وإسناد استعادة الدولة اليمنية وحماية أمن الملاحة الدولية  

منطلقات جديدة لدعم السعودية جهود تحرير اليمن، مثل استهداف الحوثي الحرمين الشريفين.(بيانات مفتوحة)

ملخص

البيان أضاف إلى الأساس اليمني سبباً سعودياً مباشراً اكتسب خلال الأسابيع الماضية ثقلاً متزايداً، فقد وضع محاولة استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة في صدر مبررات ما سماه "الإجراءات الضرورية واللازمة"، إلى جانب الاستهداف المتعمد للمدنيين والأعيان المدنية في الرياض وأبها وخميس مشيط وجازان ونجران والطائف وينبع، ومحاولات استهداف السفن السعودية جنوب البحر الأحمر وباب المندب.

لم يحمل البيان الذي أصدرته قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، عشية انطلاق عملية "فجر اليمن"، رقماً رسمياً، لكنه أدى عملياً وظيفة "البيان رقم 1": لم يتحدث عن محاور التقدم أو بنك الأهداف أو خرائط الميدان، بقدر ما وضع أمام الرأي العام، الأساس السياسي والأمني والقانوني للمرحلة الجديدة.

ومن اللافت أن البيان صيغ بلغة "الاستمرار"، لا بلغة إعلان حرب جديدة. فاللواء تركي المالكي تحدث عن "استمرار" تقديم الدعم العملياتي الكامل للقوات المسلحة اليمنية، و"استمرار" الوقوف مع الحكومة الشرعية، ثم عاد في خاتمته ليؤكد استمرار وقوف المملكة مع اليمن حتى استعادة الدولة ومؤسساتها، وهي صياغة تضع "فجر اليمن" امتداداً للمهمة التي تأسس عليها التحالف، لا حرباً منفصلة عنها.

ورأت في ذلك الحكومة اليمنية على لسان وزير الإعلام فيها معمر الأرياني "مرحلة جديدة في معركة استعادة الدولة، وتطهير كامل التراب الوطني من ميليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني، وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كل شبر من أرض اليوم".  

مكة والمدينة في صلب التسبيب

لكن البيان أضاف إلى الأساس اليمني سبباً سعودياً مباشراً اكتسب خلال الأسابيع الماضية ثقلاً متزايداً، فقد وضع محاولة استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة في صدر مبررات ما سماه "الإجراءات الضرورية واللازمة"، إلى جانب الاستهداف المتعمد للمدنيين والأعيان المدنية في الرياض وأبها وخميس مشيط وجازان ونجران والطائف وينبع، ومحاولات استهداف السفن السعودية جنوب البحر الأحمر وباب المندب.

وكان استهداف الحرمين الشريفين، والسيطرة على المضيق، أحاطا العالم الإسلامي والدولي بحجم التهديد الذي يشكله الحوثي، على نحو لم يكن يستوعبه اكثيرون.

وبذلك لم تعد صياغة التحالف تحصر المعركة في سؤال من يحكم صنعاء، وإنما أضافت إليه سؤال أمن الأراضي السعودية والمقدسات والملاحة الإقليمية، بعد أسابيع اختارت فيها الرياض بدرجة كبيرة الاعتراض والدفاع واحتواء آثار الهجمات.

يمكن من هنا قراءة توقيت البيان باعتباره انتقالاً من الاكتفاء بمواجهة الصواريخ والمسيرات بعد إطلاقها إلى استهداف البيئة التي ينتج منها التهديد، وهو معنى تظهره عبارة المالكي عن "اتخاذ الإجراءات العملياتية كافة لردع هذه الميليشيات ووقف انتهاكاتها الجسيمة".

ويكتسب الحديث عن الحرمين بعداً إضافياً عند العودة للمادة الـ33 من النظام الأساسي للحكم في السعودية، التي تنص على أن "تنشئ الدولة القوات المسلحة، وتجهزها من أجل الدفاع عن العقيدة، والحرمين الشريفين، والمجتمع، والوطن". وهنا يلتقي النص الدستوري الداخلي مباشرة تقريباً مع لغة البيان الذي جعل مسؤولية حماية الحرمين والمواطنين والمقيمين والمقدرات الوطنية جزءاً من تسبيب التحرك.

اليمن أولاً.. واستعادة الدولة غاية المعركة

أما المنطلق الأقدم في البيان فهو يمني. فقد عدد التحالف انتهاكات الحوثيين من حصار داخلي وتهجير قسري وتجويع ونهب للموارد وتسخيرها للمجهود الحربي، إلى جانب تجنيد الأطفال وتمزيق النسيج الاجتماعي والإساءة إلى شيوخ القبائل، وهو ما ينفيه الحوثي في سياق خطابه الذي اعتاد فيها تجاهل التقارير اليمنية والدولية الموثقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجاءت الخلاصة السياسية لتؤكد، على استمرار دعم القوات المسلحة اليمنية حتى "إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة ومؤسساتها الوطنية". وهي الغاية نفسها التي أعاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تثبيتها مع إعلان "فجر اليمن"، حين جعل استعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء وإنهاء الانقلاب عنواناً للعملية.

وتعيد هذه الصياغة القرار 2216 لقلب المشهد، فالقرار طالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي استولوا عليها، وتسليم الأسلحة التي أخذوها من المؤسسات العسكرية والأمنية، والامتناع عن تهديد الدول المجاورة وتجنيد الأطفال.

ولهذا لا يبدو استدعاء "استعادة الدولة" في البيان مجرد شعار عسكري، بل إحالة إلى مرجعية سياسية وقانونية ظل التحالف والحكومة اليمنية يستندان إليها منذ بداية الحرب، حتى وإن تغيرت خرائط السيطرة وموازين القوة خلال السنوات اللاحقة.

باب المندب.. الدائرة الثالثة

الدائرة الثالثة التي رسمها البيان تتجاوز السعودية واليمن إلى البحر الأحمر وباب المندب، فالتحالف جعل إنهاء تهديد الحوثيين للملاحة هدفاً قائماً بذاته، واعتبر استمرار ذلك التهديد تقويضاً للأمن الإقليمي والدولي وحرية التجارة العالمية.

وبذلك جمع البيان في خريطته السياسية بين ثلاثة أمكنة ذات دلالة مختلفة، صنعاء بوصفها عنوان استعادة الدولة، ومكة والمدينة بوصفهما عنوان حماية المملكة ومقدساتها، وباب المندب بوصفه عنوان أمن الملاحة الدولية.

بهذا المعنى، جاء "البيان رقم 1"، وإن لم يحمل هذا الاسم رسمياً، أقرب إلى مذكرة تسبيب للمعركة منه إلى بلاغ عسكري عنها. فقد حاول أن يجيب قبل أن تبدأ العمليات على السؤال الأثقل: لماذا الآن؟

وجاءت الإجابة في رواية التحالف مركبة من سنوات النزاع اليمني، وأسابيع من الهجمات على المملكة، ومحاولات استهداف الحرمين والمدن والأعيان المدنية، واستمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر. ومن ثم تبدو "فجر اليمن" انتقالاً من إدارة الخطر واعتراضه إلى محاولة تغيير البيئة التي تنتجه.

ترجمة الميدان والسيناريوهات

في الداخل اليمني، بدا صدى البيان لافتاً لدى أوساط قبلية رأت فيه تحولاً منتظراً بعد التصعيد الحوثي الأخير، وقال الشيخ ناصر القميشي، أحد مشايخ شبوة لـ"اندبندنت عربية"، إن البيان "نقطة تحول متوقعة"، إذ يأتي بعد استهداف الحوثيين للحرمين الشريفين، معتبراً أن ذلك "استهداف للأمة العربية والإسلامية"، وأن من حق السعودية "أن تدافع بكل ما أوتيت من قوة"، بعدما "تجاوزت الميليشيات الخطوط الحمراء". وأضاف أن استعادة الشرعية اليمنية "مهمة جداً لليمن وللمملكة وللإقليم والعالم"، لما يمكن أن يترتب عليها من تعزيز أمن الملاحة البحرية بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

وعن مستقبل المعارك بعد دخول السعودية بثقلها إلى جانب القوات الحكومية، قال اللواء المتقاعد أحمد الميموني لـ"اندبندنت عربية" إن المشهد يتجه إلى "طور متصاعد من حيث كل طرف يسعى إلى فرض إرادته على الطرف الآخر"، مضيفاً أن إعلان عملية "فجر اليمن" سيضع الحوثيين تحت ضغط متزايد.

 ويرى الميموني أن كفة القوات الشرعية تبدو أرجح لأسباب عدة، في مقدمها "الدعم والمساندة الجوية للقوات الشرعية اليمنية من تحالف دعم الشرعية في اليمن"، إلى جانب "تماسك متصاعد في جهة الحكومة الشرعية بين القيادة السياسية والقوات العسكرية والأمنية في الداخل"، فضلاً عن "الإنهاك المستمر لقوات الحوثي خلال الفترة الماضية نتيجة انتشارهم في أماكن واسعة ومكشوفة".

وأضاف أن استمرار تقدم القوات الحكومية من شأنه "إفقاد الميليشيات الحوثية القدرة على إعادة التنظيم وحرمانهم من عنصر المبادرة"، في وقت يسعى الحوثيون، بحسب تقديره، إلى التمسك بالمواقع الاستراتيجية وطرق الإمداد الرئيسية والتقدم باتجاه باب المندب.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية انطلاق "فجر اليمن" ميدانياً، بغطاء جوي من تحالف دعم الشرعية، مؤكدة سيطرة قوات العمالقة ودرع الوطن على باب المندب ومطار ذو باب وقطع الطريق إلى المخا، مع محاصرة مئات العناصر الحوثية. وقال المتحدث العسكري إن 1122 عملية استهداف في جبهات عدة أسفرت عن تحييد 1747 عنصراً وتدمير 364 آلية، فيما أفاد التحالف بتدمير 324 هدفاً عالي القيمة بمشاركة نحو 100 مقاتلة. ونفى مصدر حوثي هذه التقدمات، فيما تهدف العملية وفق رشاد العليمي إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل