Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نبوءة جونز للغرب: مستقبل ينذر بالأسوأ

يرى المؤلف أن الإبادة الجماعية التي نفذتها إسرائيل في غزة جعلت الانحطاط بلا حدود أمراً مستساغاً

كتاب "سقوط الغرب: كيف فقدوه حقاً" لمؤلفه أوين جونز (اندبندنت عربية)

ملخص

بدلاً من أن توفر القيادات السياسية في الدول الغربية الحلول، فإنها تلقي باللوم على غير البيض من شعوبها. وينشر القادة السياسيون من ترمب وميلوني ونايجل فاراج وأصحاب المليارات من أمثال إيلون ماسك الحملات اليمنية بصورة شبه يومية.

"أنى نظرتم ثمة أعراض الانهيار"... هكذا يبدأ الصحافي البريطاني أوين جونز مقالة عنوانها "الغرب في سقوط حر، والأسوأ أننا عمدنا ألا ننصت للتحذير". فمن أعراض انهيار الغرب، أو سقوطه الحر، في رأي جونز، فوز اليمين المتشدد في ألمانيا أخيراً بانتخابات إقليمية بقرابة 40 في المئة من الأصوات في إحدى الولايات.

ومن الأعراض أيضاً أن فرنسا تستعد لاقتطاع 54 مليار يورو "60.5 مليار دولار" من الموازنة "بما يمكن أن يزيد الضغط على الأساس المعروف بالنموذج الاجتماعي الأوروبي". ثم يضاف إلى هذه الأعراض تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرة أخرى، وعلى مرأى ومسمع من قادة العالم كله في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بـ"محو" إيران، في الوقت الذي أضافت فيه هذه الحرب، عبئاً على فواتير وقود الشعب الأميركي تجاوز مئة مليار دولار.

يكتب جونز أنه "ما من أحد تقريباً يجادل في هذه الأعراض، ولكن الصراع الكبير في عصرنا هذا إنما هو الصراع على التشخيص. واليمين يحقق الفوز في هذا الصراع منذ سنين بقصة بسيطة يطرحها، وهي أيضاً، كما ثبت من انتخابات الولاية الألمانية الأخيرة، قصة شديدة الفعالية، خلاصتها أن الغرب ينتهي بسبب المهاجرين والمسلمين والمتحولين جنسيا و’اليقظة‘ و’الدولة العميقة‘. ولكن التشخيص الذي أطرحه مختلف".

تشخيص أوين جونز هذا هو موضوع كتابه الذي صدر بعنوان "سقوط الغرب: كيف فقدوه حقاً". وجونز أحد الكتاب والمفكرين السياسيين البارزين في المملكة المتحدة، ومؤلف بعض أكثر الكتب مبيعاً، منها "المؤسسة: كيف يفلتون من العقاب" و"الدهماء: شيطنة الطبقة العاملة". وفي مقالته سالفة الذكر يكتب جونز، "كنت كلما قلت لأصدقائي إنني أؤلف كتاباً عنوانه "سقوط الغرب"، اعتراهم القلق من تحولي إلى ليز تراس التي لم تبق في رئاسة الوزراء إلا بمقدار ذبول نبتة خس ثم لما تركت المنصب ألفت كتاباً بعنوان "عشر سنين لإنقاذ الغرب"".

يكتب بهباني شنكار ناياك مستعرضاً الكتاب عبر موقع يوروآسيا رفيو في الثالث من أكتوبر "تشرين الأول" الجاري، فيقول إن الكتابات كثيرة عن سقوط الغرب وأزمة الغرب والأخطار المحدقة به وزوال قيمه، وبالطبع عن إنقاذه. كما "تكثر الحملات السياسية الرجعية واليمينية الداعية إلى ’جعل بريطانية عظيمة من جديد‘ و’جعل أميركا عظيمة من جديد‘ و’أوروبا للأوروبيين‘ و’استرداد أوروبا‘ و’إصلاح بريطانيا‘ في الوقت الذي تعاني فيه شعوب العالم الغربي من مختلف أشكال الأزمات، من بطالة الشباب إلى فقر الأطفال، ومن التشرد إلى الدين والفقر المدقع من جراء ارتفاع كلفة المعيشة.

 

وبدلاً من أن توفر القيادات السياسية الحلول لهذه المشكلات، فإنها تلقي باللوم على غير البيض من شعوبها. وينشر القادة السياسيون من ترمب وميلوني ونايجل فاراج وأصحاب المليارات من أمثال إيلون ماسك هذه الحملات بصورة شبه يومية... فمن المسؤول عن سقوط الغرب؟ ليس المسلمون أو المهاجرون".

إجابة قاطعة. يعللها ناياك بأن المسلمين والمهاجرين "يعلمون في المستشفيات أطباء وممرضين، ويحافظون على بقاء وسائل النقل العام بوصفهم سائقي حافلات وقطارات وسيارات بالأجرة، وهم معلمون في المدارس، ومحاضرون في الكليات وأساتذة في الجامعات".

ويواصل سرد المهن وأماكن العمل ويذكر للمهاجرين والمسلمين إسهامهم في الاقتصاد بعرقهم وبضرائبهم ثم يقول إنهم برغم ذلك يتعرضون طيلة الوقت للشيطنة، في حين أن المسؤولية عن سقوط الغرب وأزماته إنما تقع على كاهل "الطبقات والنخب الحاكمة البرجوازية التي تأتي ثرواتها من العبودية ولذلك فإنها تروج عبودية حديثة بمختلف أشكال الرأسمالية واستغلال الشعوب والكوكب بصورة يومية".

ولنا في "الغارديان" مقال آخر عن الكتاب أقرب إلى المراجعة النقدية منه إلى منشور ناياك الاحتجاجي، يستهله هومان باريكات على صفحات الصحيفة البريطانية في الـ29 من سبتمبر "أيلول" الماضي، بقوله إن أوين جونز، الصحافي وكاتب العمود بالصحيفة نفسها شأن كثير من البريطانيين من مواليد ثمانينيات القرن الماضي، "قد نشأ وفي أذنيه أصداء شعارات توني بلير. كانت السياسات عند مطلع الألفية الحالية عبارة عن ترتيبات موقتة لكنها عدت خطأ حقائق أبدية: الانتصار الحاسم لأيديولوجية السوق الحرة، والتفوق العسكري الأميركي، والنظام العالمي القائم على القواعد. ومثلما يكتب جونز في كتابه الجديد، فإن هذه اليقينيات تحطمت خلال الربع التالي من القرن في غمار سلسلة من الإخفاقات الاقتصادية وكوارث السياسة الخارجية والأزمات السياسية".

يكتب جونز أن "الغرب في انحدار لأن نخبه بعد الحرب الباردة أعلنت نصراً لم تتعافَ منه قط. وروجت النموذج الاقتصادي الذي تنتقل فيه الثروة إلى أعلى بوصفه المستقبل الحتمي، وتعاملت مع جيش يبدو أنه لا يقهر وكأنه حر في إعادة تشكيل العالم الإسلامي. وهذان الاعتقادان كانا ملائمين بصورة رهيبة لمن انتفعوا بهما، ولكن النتيجة جاءت كارثية: فهي اقتصاد لم يعد قادراً على تحقيق التحسينات المستمرة في مستويات المعيشة أو الخدمات العامة، وتدخلات عسكرية غربية انتهت بالمهانة في كابول وبغداد وطرابلس والآن في مضيق هرمز" فضلاً عن أنه "في الخارج، باتت مزاعم التفوق الأخلاقي التي يتشدق بها الغرب رماداً تذروه الرياح، ومن أسباب ذلك إبادة إسرائيل الجماعية للشعب الفلسطيني في غزة. وبالداخل، أدى الإحباط واليأس الناجمان عن هذه الكوارث المتداخلة إلى صعود اليمين المتطرف بما يهدد الديمقراطية نفسها".

يكتب هومان باريكات أن مصطلح "الغرب" نفسه "باعتباره اختصاراً للولايات المتحدة والبلاد الغربية الثرية" بات غريب الوقع على الأذن، أو هو اصطلاح عفا عليه الزمن، وذلك "نظراً لازدياد النزعة الأحادية التي تحكم سلوك الإدارة الأميركية”. والحق أنها ليست "نزعة أحادية" فقط، تنال من الجماعية المفترضة في كتلة غربية، ولكنها نزعة عدوانية مثلما تبدى في مواقف ترمب من كندا، ومن غرينلاند، ومن "الناتو"، ومن أوكرانيا إن لم نكن نسينا بلداً أو بضعة بلاد.

ويضيف، "لكن المصطلح، في العقد الأول من القرن الحالي، كان جزءاً من المعجم، وكأنما نصف كوكب الأرض الغربي هذا كان فاعلاً سياسياً مستقلاً. ومن يعد النظر في الحروب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق لا يتذكر فقط حصائل الموتى المريعة "التي بلغ إجماليها نصف مليون وفقاً لتقديرات متحفظة"، إنما يتذكر أيضاً إخفاقها الاستراتيجي التام، وإخلاء مطار كابول خلال عام 2021 الذي يكتب عنه جونز أنه كان ’من أبشع صور الانحدار الأميركي التي شهدها العالم‘".

 

ويمضي في قراءته بقوله، "إنه فضلاً عن إثارة الاضطرابات في المنطقة، أضعفت هذه التدخلات النظام التشريعي الدولي، إذ يوضح جونز أن حلف شمال الأطلنطي (الناتو) أوجد سابقة حينما قصف يوغوسلافيا من دون تفويض من مجلس الأمن خلال عام 1999، وكذلك عند غزو العراق خلال عام 2003 من دون تفويض أيضاً، بما زاد من زعزعة الأمم المتحدة. وهذه السوابق هي التي جعلت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يغزو أوكرانيا بعد ذلك بذريعة مشكوك فيها، إذ بات بالإمكان نعت الاعتراضات الغربية بالنفاق. ولعل الأدعى للخزي بين أمثلة لامبالاة الغرب بسيادة القانون الدولي هو تأكيد رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر المتردد بأن من ’حق‘ إسرائيل أن تقطع الماء والكهرباء عن مليوني مدني في غزة ـ وهذه جريمة حرب ـ انتقاماً من هجمات ’حماس’ في السابع من أكتوبر عام 2023".

بجانب هذه الكوارث السياسية، يلفت جونز النظر إلى "قصة انحدار محلي للاقتصاد الغربي القائم على حال مزمنة من انعدام الأمن وعدم استقرار الوظائف"، مضيفاً أنه "في العقد الأول من القرن الحالي كانت السياسات التاتشرية التي اتبعها حزب العمال الجديد قد استنزفت أموال الشعب، إذ ’تحولت الخدمات الأساسية إلى أصول يراد بها أن تدر العوائد، فصار الركاب يدفعون أموالاً أكثر في قطارات أشد ازدحاماً، وتلوثت الأنهار والبحار في الوقت الذي أثقلت فيه شركات المياه كواهلها بالدين ودفع الأرباح‘. ثم حلت أزمة عام 2008 المالية، وإنقاذ البنوك، وجرى تمويل ذلك من خلال سياسات التقشف. وفي بريطانيا وغيرها يلاحظ جونز وجود ’علاقة بين عجز الحكومات المركزية عن التعامل مع الانحدار الاقتصادي بأي وسيلة ذات معنى، وبين صعود اليمين المتطرف’".

ويضم كتاب "سقوط الغرب" حوارات مع طائفة من شهود العيان والصحافيين والباحثين والناشطين، فمنهم مدير المتحف الوطني العراقي في بغداد، وموظف سابق في ليمان براذرز، ورئيس سابق للهلال الأحمر الأفغاني، وعالم الاقتصاد اليوناني يانيس فاروفاكيس، والكاتب المحافظ أندرو سوليفان الذي تاب عن تأييده لحرب العراق وقال، "لقد أخطأت في قضايا كبيرة، في أخلاقيتها وعمليتها والمنطق الذي قامت عليه".

يحكي جونز عن أحد من قابلهم خلال تجهيزه لكتابه، وهو دبلوماسي أميركي استشرف الانهيار القادم وحذر منه ولكن تحذيره ـ هو وعدد قليل من أمثاله ـ  "نادراً ما أحدث فارقاً".

ويرى أنه "خلال ربيع عام 1994، بعث أحد أرفع المسؤولين السياسيين في السفارة الأميركية لدى موسكو برقية طويلة إلى واشنطن، بلغت حججها من الوضوح أن جعلته منبوذاً داخل مؤسسة السياسة الخارجية". ذلك هو وين ميري وهو ليس بالراديكالي وفق أي تعريف لكنه قضى في موسكو سنتين فشاهد بعينيه التحول بين عشية وضحاها من "اقتصاد مخطط إلى كازينو للقمار" في ما عرف بسياسة "العلاج بالصدمة" التي فرضتها واشنطن على حطام الاقتصاد السوفياتي. حكى ميري لجونز "أنه كان يعبئ جيوبه بالنقود ليعطيها للعجائز المتسولات في الشوارع ’لأنهن يتضورن جوعاً‘".

ويضيف، "نبهت برقية ميري إلى أن ’القوى الديمقراطية في روسيا تمر بأزمة جسيمة‘ وإلى أنه ’ما من سبب للاعتقاد بأن الاقتصاد الروسي قادر على إصلاح سريع للسوق‘. ولو اختارت الولايات المتحدة ’دور المبشر الاقتصادي بدلاً من الشريك الحقيقي‘ فإنه يتنبأ بأنها سوف تقوي المتطرفين وتحيي ’علاقة الخصومة بين روسيا والغرب‘" فما كان من واشنطن إلا أن نبذت ميري "وبقيت البرقية سرية لثلاثة عقود، ثم لم يفرج عنها في صمت إلا في نهاية 2024. وبحلول ذلك الوقت قدرت إحدى الدراسات عدد الوفيات الزائدة عن المعتاد في روسيا خلال فترة التحول بـ12.2 مليون".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يكتب جونز أن الذين تجاهلوا ميري كانوا يرون أن "على روسيا أن تمضي باتجاه ’أسلوبنا في العمل‘ كما قال ستروب تالبوت، مستشار الرئيس بيل كلينتون للشؤون الروسية" وهذا هو ما يمثل في رأي جونز المشكلة الهيكلية الجذرية التي لم تختف قط من نظام ما بعد الحرب الباردة وهي أنه "مهما بلغت قوة الأدلة الكامنة وراء أي تحذير، فقد كان التحذير يتلاشى كلما اصطدم بمصالح السلطة".

يحكي جونز أيضاً عن واحد ممن استشرفوا الانهيار القادم هو المبعوث الأميركي إدموند مكوليمز الذي نبه في عام 1988 إلى أن السياسة التي تتبعها واشنطن في أفغانستان "تمضي في مسار سيئ، سيئ جداً"، محذراً من الاستمرار في "تدفق الأسلحة الأميركية على المتطرفين. لكن في ظل سيطرة هاجس الانتصار على الاتحاد السوفياتي، تجاهل أصحاب القرار مكوليمز، وجمدوه ووصموه بالخبل وإدمان الخمر والمثلية، حتى استقال. وكان خبراء الاستخبارات المركزية الأميركية أنفسهم قد حذروا خلال عام 1987 من أن النظام الإسلامي المنتصر قد يرث ’جبالاً من الأسلحة‘ ويستعملها في تسليح أو تدريب عصابات إسلامية في أماكن أخرى. ومع ذلك ظلت الأسلحة تتدفق".

ويمتد سقوط الغرب إلى السياسة الداخلية وإلى الاقتصاد الذي يرى جونز أن النزعة الانتصارية لأفكار السوق الحرة قد استولت عليه هو الآخر، فـ"الاقتصادات الغربية لم تعان بسبب الافتقار إلى الثروة، وإنما لأنها كانت تقوم على استخلاص الثروة لا على استثمارها... فقد أصبحت الاقتصادات الغربية متزايدة البراعة في مكافأة الملكية، لكنها أصبحت متزايدة الرداءة في إقامة الأسس الإنتاجية التي يعتمد عليها الرخاء".

واستمراراً لبحث جونز عمن حذروا من الأزمات قبل وقوعها فلم تلق تحذيراتهم آذاناً مصغية، وهنا ينقل عن عالم الاقتصاد البريطاني هاجون تشانغ أن مديراً تنفيذياً في البنك الدولي حكى له في بدايات عام 2007 "أن أزمة ضخمة في الطريق. وكان دليله على ذلك عاملة نظافة لديه يشك أنها تعمل بغير أوراق رسمية، ومع ذلك فقد كان عليها قرض عقاري بقيمة 300 ألف دولار. فقد جرى التحايل على ركود الأجور بالقروض الرخيصة، بل إن عالماً اقتصادياً قال ما يعد تلخيصاً للنموذج المتبع: ’فليأكلوا القروض‘ ـ وأوشك النموذج على الانهيار. ولما انهار هذا النموذج الاقتصادي الفاشل كان ينبغي أن ينهيه الانهيار، لولا أن جرى إرغام عوام الناس على دفع ثمن إنقاذه من خلال تقليص الخدمات الاجتماعية".

يكتب باريكات أن كثيراً مما يتناوله جونز في كتابه قد "جرت تغطيته بإسهاب، فلن يجد القارئ العام حسن الاطلاع فيه جديداً، لكن المثير هنا هو أن تركيز جونز على أصولية السوق الحرة يوفر للكتاب خطاً رابطاً مقنعاً، يصل بنا إلى أن إدارة دونالد ترمب الثانية، بكل ما فيها من فساد، هي ’نقطة النهاية‘ لتلك الفلسفة".

لكن ما الشكل الذي سيكون عليه الغرب بعد السقوط؟، يكتب جونز أن "الوجهة التي يمضي إليها هذا السقوط مريعة. فالإبادة الجماعية التي نفذتها إسرائيل جعلت الانحطاط بلا حدود أمراً مستساغاً، والترمبية أعادت توظيف خطاب "الحرب على الإرهاب" ومؤسساته، لكنها باتت تستعملهما في استهداف المعارضين في الداخل. ومن ثم فإن الاستبدادية والبربرية هما المستقبلان المحتملان أكبر الاحتمال".

عنوان الكتاب: The Fall of the West: How They Really Lost It

تأليف:   Owen Jones

الناشر:   Allen Lane

اقرأ المزيد

المزيد من كتب