احتجاجات لبنان تزيد المخاطر المالية... ارتفاع سعر الصرف غير الرسمي وخفض التصنيف يلوحان في الأفق

تراجعت حدة الطلب على الدولار مع توقف كل المؤسسات عن العمل دون انخفاض في الأسعار

فاجأت الاحتجاجات الشعبية التي عمت مختلف المناطق اللبنانية من الشمال إلى الجنوب الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان كما أربكت النظام المالي والمصارف والبنك المركزي. ففيما كانت الحكومة تسابق الزمن لإقرار موازنة تحفظ ماء الوجه أمام المجتمع الدولي وبينما كان "المركزي" يصارع لتأمين الدولار للمستوردين، أقله لتأمين المواد الأساسية، انفجر الشارع الجائع أمام سوء الإدارة الجائر الذي أفرز ارتفاعاً في معدلات البطالة والفقر.
6 أيام من الاحتجاجات الشعبية التاريخية التي عمت لبنان من شماله إلى جنوبه، شُلَّ معها البلد بتوقف كل مؤسساته عن العمل.
6 أيام أُقفلت خلالها المصارف كما أُقفل قسراً المصرف المركزي في ظل قطع الطرقات الرئيسة في مناطق مختلفة جعلت من تحرك العمال والموظفين شبه مستحيل.


المصارف مقفلة حتى إشعار آخر

وتحت عنوان "الحفاظ على سلامة الموظفين"، تصدر جمعية مصارف لبنان بيانات يومية تعلن خلالها استمرار التوقف عن العمل. وبحسب معلومات مصرفية لـ "اندبندنت عربية" قد لا تفتح المصارف أبوابها قبل نهاية الشهر الحالي.
فالمخاوف من تهافت الناس على سحب أموالها كبيرة، بخاصة أن الأيام الماضية شهدت إفراغاً للصرافات الآلية وعدم قدرة المواطنين على الحصول على النقود لتأمين حاجاتهم اليومية، ليسارع المصرف المركزي اليوم وبعمليات أتمها في الصباح الباكر واستباقاً للاحتجاجات بتأمين النقد، فأُعيدت تعبئة الصرافات الآلية ولو مع وضع سقف للسحوبات، ليبقى التهديد قائماً على الرغم من احتواء حدته، في ظل تهافت على سحب للدولار من السوق.
كما لجأت بعض المصارف إلى اتمام عملياتها الخارجية مع الأسواق العالمية والبنوك المرسلة عبر مكاتب تابعة لها غير قائمة في فروعها الرئيسة، تُرجمت بفتح مصرف لبنان "مديرية القطع" المسؤولة عن بيع وشراء الدولار وإجراء التحويلات من لبنان إلى الخارج. ومن المخاوف الكبيرة أيضاً، خطر حدوث موجة تحويلات لودائع بالدولار إلى الخارج، ما يضع مزيداً من الضغط على ميزان المدفوعات واحتياطات المركزي بالعملات الأجنبية. فعند استلام المصرف التجاري لأي وديعة بالعملة الصعبة واردة من الخارج، يعمد إلى وضع نسبة مئوية منها كاحتياطي في مصرف لبنان، وبالتالي عند خروج أي وديعة، يُسحب احتياطها من المركزي أيضاً، ليؤثر بذلك  نزف الدولار إلى الخارج في احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية وعلى هامش تحرك الدولة بالعملة الصعبة.
 

 

السوق السوداء: رماد فوق جمر

 

خفت حدة الطلب على الدولار مع توقف كل المؤسسات والشركات عن العمل، لكن تراجع الطلب لم يترافق مع تراجع للأسعار كالعادة. فالصرافون وفي معظمهم يشترون من البائع  الدولار ولكنهم لا يبادرون إلى بيعه تحت حجج كتوقف سوق القطع وعدم توفّر الدولار وغيرها. وفيما يبقى سعر الصرف الرسمي والمحدد من قبل مصرف لبنان عند 1515 ليرة للدولار، عمد صرافون مع بداية هذا الأسبوع إلى شراء الدولار بسعر 1620 ليرة لبنانية للدولار وبعضهم الآخر بسعر 1640 ليرة للدولار، فيما عمليات البيع وإن توفرت، وصلت إلى 1750 ليرة للدولار الواحد. ويرى خبراء ومتابعون للشأن الاقتصادي أن ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء قد يشهد مزيداً من الارتفاع لكنه سيكون تدريجاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

تراجع متوقع ولا ارتدادت آنية

مع انفجار الاحتجاجات، تراجعت سندات لبنان الدولارية في الأسواق العالمية فوراً مع نهاية الأسبوع الماضي لتعود وتسجل مزيداً من التراجع مع بداية هذا الأسبوع، في رد فعل يصفه المصرفيون بـ"الطبيعي والمتوقع".
فالسندات المتداولة في الأسواق العالمية تتأثر مباشرةً بأي مخاطر طارئة على الدولة المصدِّرة للسندات، كما أنها تعود إلى الارتفاع عند تراجع المخاطر. وشهد لبنان في المرحلة الماضية كثيراً من التذبذب لأسعار السندات بين الارتفاع والهبوط، ما خفف حدة التأثير المباشر لتراجع أسعار السندات في المالية العامة داخلياً.
كما تشكل الحصة الصغيرة للدين الخارجي بالعملات الأجنبية عاملاً إيجابياً في الحد من تعرض لبنان لمزاج المستثمرين الدوليين.
فالدين الحكومي في لبنان يتوزع بنسبة 40 في المئة على المصارف التجارية اللبنانية و35 في المئة تقريباً على مصرف لبنان و9 في المئة على المؤسسات العامة كالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و16 في المئة للدائنين الأجانب كجهات خاصة ودولية.
أما لجهة ارتفاع الفوائد مع تراجع أسعار السندات، فلجأت وزارة المالية بالتعاون مع مصرف لبنان إلى عدم طرح أي سندات جديدة بفوائد مرتفعة، ما خفّض من تعرض مالية الدولة إلى مزيد من الاستنزاف مع إصدار ديون بفوائد ترهق الخزينة وتكبدها خسائر إضافية.

خفض التصنيف

وتكثفت الضغوط على الحكومة اللبنانية الرازحة تحت خطر الانهيار المالي، فاحتجاجات الشارع والمطالبة بإسقاط الحكومة الحالية وتصريحات الأمين العام لحزب الله المهدِدة بالفراغ وعدم الاستقرار، كفيلة برفع مستوى المخاطر في دولة خُفِض تصنيف سنداتها الى مستوى CCC (سي سي سي) أي غير استثماري.
ويعني ارتفاع المخاطر مزيداً من نزف الودائع إلى الخارج والتهافت على تحويل الودائع من الليرة الى الدولار. ومع ارتفاع نسبة الدولرة وفق بيانات رسمية، إلى مستوى تخطى 70 في المئة، فيما كان المصرف المركزي يردد دائماً بأنه قادر على تغطية 80 في المئة من الكتلة النقدية في السوق بالليرة، يُطرح السؤال التالي "هل وصل المركزي إلى الخطوط الحمراء؟"
يُشار إلى أن مصادر مطلعة كشفت لـ "اندبندنت عربية" أن وكالة ستاندارد أند بورز Standard and Poors  ستلجأ إلى خفض تصنيف لبنان حتى قبل انقضاء مهلة 6 أشهر تمنحها عادةً لمراجعة تصنيفاتها.

المزيد من اقتصاد