ملخص
رفعت إيران طوال أعوام شعار مواجهة إسرائيل، لتبرير تسليح أذرعها في المنطقة، ولكن حين اشتدت المواجهة اتجهت صواريخ الحوثيين نحو مدن عربية، وامتد تهديدهم إلى سفن تعبر البحر الأحمر، وهكذا تكشف طهران وجهة سلاحها الفعلية، إذ تُبقي إسرائيل في خطاب "الممانعة"، وتستخدم اليمن للضغط على دولة عربية، لدفعها إلى قلب حرب لم تخترها.
بات جلياً أن "حزب الله" في لبنان لم يعد قادراً على أداء الدور الذي اعتادت إيران تكليفه به داخل الإقليم، بخاصة بعد الهزائم التي أصابته في مقتل، فذلك الحزب الذي كان يسند حلفاء طهران، بات يحتاج إلى من يسنده، وتحول تدريجاً من ورقة قوة إلى عبء عسكري وسياسي، مما دفع طهران إلى تعزيز رهانها على الحوثيين في اليمن، كذراع مسلحة في الخليج، وتحديداً على حدود السعودية، وكتنظيم يطل على البحر الأحمر ويستطيع تهديد الملاحة في باب المندب، وهكذا لم يعد النظام الإيراني يكتفي بالضغط على الحدود الإسرائيلية، بل بات يملك وسيلة لنقل كلفة المواجهة إلى قلب الأمن الخليجي.
سفير إيران لدى الحوثيين
بطبيعة الحال، لم يبدأ بناء هذه الورقة اليوم، فمنذ أعوام وافر "فيلق القدس" الإيراني للحوثيين التدريب والسلاح وشبكات التمويل والتهريب، وفي عام 2020 عيّنت إيران حسن إيرلو ممثلاً لها في صنعاء، ولم يكن تعيينه سفيراً لإيران لدى الحوثيين في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 خطوة دبلوماسية عادية، فقد عرّفته وزارة الخزانة الأميركية بأنه مسؤول في "فيلق القدس"، واتهمته بالمشاركة في تزويد الحوثيين بأسلحة متقدمة وتدريبهم. أما الحكومة اليمنية فاتهمته بالدخول إلى البلاد متنكراً بقصد التجسس والمشاركة في إدارة العمليات العسكرية للحوثيين، وحوكم أمام المحكمة العسكرية في مأرب، التي أصدرت بحقه حكماً بالإعدام في أغسطس (آب) 2021، وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، أُجلي إيرلو من صنعاء إلى طهران للعلاج، حيث أُعلنت وفاته في الـ 21 من الشهر ذاته.
وأحاط الغموض بوفاة حسن إيرلو، القيادي في "الحرس الثوري" الذي قدمته طهران سفيراً لها في صنعاء، فيما عُد صاحب النفوذ الإيراني الفعلي لدى الحوثيين، وفي الـ 18 من ديسمبر أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده نقل إيرلو إلى طهران للعلاج، بعد إصابته بفيروس كورونا قبل أيام، وسط تكهنات حول ظروف مغادرته صنعاء، والسبب الحقيقي لتدهور صحته، واستبعدت مصادر سياسية في صنعاء حينها صحة الرواية الإيرانية، نظراً إلى ما كان يتمتع به إيرلو من رعاية خاصة، وإجراءات احترازية صارمة للوقاية من الفيروس، ورأت تلك المصادر أن الإعلان الإيراني بهذه الصيغة فضيحة سياسية بحق ميليشيات الحوثي، ودلالة على استهتارها بأرواح اليمنيين، ليبقى منصبه شاغراً إلى أن عيّنت طهران علي محمد رمضاني، الذي قدّم نسخة من أوراق اعتماده لسلطات الحوثيين في الـ 27 من أغسطس 2024.
وفي السياق، أعلنت "القيادة المركزية الأميركية" (سنتكوم) في يوليو (تموز) 2025 ضبط شحنة قالت إنها إيرانية متجهة إلى الحوثيين، وتضم 750 طناً من الذخائر والمعدات، بينها صواريخ ومكونات للمسيّرات.
طهران تشارك في توجيه العمليات الميدانية
أما التطور الأشد دلالة فهو ما نُشر عن انتقال الدور الإيراني من بناء القدرات إلى المشاركة في توجيه العمليات الميدانية، إذ يصف برنامج "مكافآت من أجل العدالة" الأميركي، عبدالرضا شهلائي، القيادي في "فيلق القدس"، بأنه متمركز في صنعاء، ونقلت وسائل إعلامية عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر في سبتمبر (أيلول) الجاري جرى بتوجيه مباشر من "الحرس الثوري"، ونقل كذلك عن عن مسؤولين ومقاتلين أن مستشارين إيرانيين شاركوا في إدارة المعركة ميدانياً، وبأن شهلائي كان داخلاً فيها مباشرة، وعليه يبرز السؤال: هل تعمل إيران على صناعة "حزب الله" جديد في اليمن؟
الحوثيون يرثون وظيفة "حزب الله"
بين اليمن وجنوب لبنان، قد لا تتطابق الجبهتان لكن الوظيفة تتضح أكثر فأكثر، عبر تحويل أرض عربية في الخليج إلى منصة صواريخ ومسّيرات، وربط أمن دولة مجاورة وممر تجاري دولي بحسابات طهران، وبعدما تراجع نفوذها على حدود إسرائيل، وجدت في الحوثيين فرصة للضغط على السعودية والخليج والعالم من باب المندب، بينما يُدفع اليمن مجدداً إلى حرب تخدم المشروع الإيراني أكثر مما تخدم شعبه، وبطبيعة الحال فليس المقصود هنا أن الحوثيين نسخة مطابقة من "حزب الله"، بل أنهم باتوا يؤدون لإيران الوظيفة المشابهة في موقع أشد حساسية للخليج، فطهران دعمت بناء قدراتهم الصاروخية والمسيّرة، وأصبح تصعيدهم من اليمن أداة لتهديد أمن المنطقة والملاحة في البحر الأحمر، كلما احتاجت إلى توسيع دائرة المواجهة.
وقد يملك الحوثيون حساباتهم داخل اليمن، لكن هذه الحسابات لا تلغي موقعهم في الإستراتيجية الإيرانية، ولا تحجب الجهة التي تستفيد من تحويل اليمن إلى منصة ضغط على الخليج، وبعد إنهاك "حزب الله" على حدود إسرائيل طوال الأعوام الثلاثة الماضية، وجدت إيران في الحوثيين ذراعاً قادرة على نقل التهديد إلى قلب الخليج والبحر الأحمر، ولم تُسلّحهم طهران ليحسموا صراعاً يمنياً وحسب، بل تحوّلت صواريخهم ومسيّراتهم ورقة في صراعها الإقليمي، فيما يدفع اليمنيون ثمن الحرب التي تُخاض من أرضهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الحوثيون "حزب الله" الجديد لإيران
لم تعد طهران تحتاج إلى فتح جبهة مع إسرائيل كي ترفع كلفة الحرب على خصومها، إذ بات بإمكان الحوثيين تهديد مدن عربية ومنشآت طاقة وممر بحري يهم العالم كلّه، وهنا تكمن خطورة التحول، إذ لا يقتصر أثر إطلاق الصواريخ من اليمن على مواقع سقوطها، بل يمتد إلى أمن دول أخرى واقتصاداتها، ويدفع بها إلى قلب المواجهة.
وكانت هجمات حوثية استهدفت بداية سبتمبر الجاري مدناً جنوب السعودية، وأكدت الرياض حقها المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها، وصون مقدراتها الوطنية، وأمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها، حيث أصابت الاستهدافات الحوثية منشآت مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وأسفرت عن إصابة 73 مدنياً، بينهم نساء وأطفال.
ودانت وزارة الخارجية السعودية استهدافات الميليشيات الحوثية، إضافة إلى استمرارها في مهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر، وتهديد حرية الملاحة البحرية الدولية، وجددت السعودية رفضها القاطع لما وصفته بـ "النهج العدائي والسلوك الإجرامي" اللذَين تنتهجهما ميليشيات الحوثي، في تهديد أمن واستقرار اليمن ومحيطه العربي والإسلامي، ورفضها المستمر جهود السلام، وأعلنت أنها "لن تتهاون مع أي اعتداء يستهدف أراضيها ومقدراتها"، مؤكدة أن ما تتخذه من إجراءات للدفاع عن سيادتها وأمنها يأتي بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي، ومحذرة من مغبة استمرار الحوثيين في استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، مطالبة بالوقف الفوري لجميع أشكال التصعيد والتهديدات المتواصلة لأمن الملاحة البحرية.
من جهتهم، دعا وزراء خارجية "مجموعة السبع" في الـ 22 من سبتمبر الجاري إيران إلى وقف تسليحها ودعمها لميليشيات الحوثي في اليمن، ورأوا أن استمرار هذا الدعم يمثل "نمطاً خطراً من التصعيد"، وينذر بتفاقم النزاع وتقويض التجارة الدولية، وزيادة حال عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي، وقال وزراء خارجية بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة، في بيان صدر عقب اجتماع على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن "تصرفات إيران المستهجنة تمثل نمطاً خطراً من التصعيد، وتنذر بتفاقم النزاع أكثر"، عادين أن ذلك يمثل انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن الدولي.
من حدود إسرائيل إلى أمن الخليج
طوال أعوام أدى "حزب الله" وظيفة متقدمة في الإستراتيجية الإيرانية، عبر قوته المسلحة على الحدود مع إسرائيل، تلك القوة التي منحت طهران القدرة على التهديد والضغط من الأراضي اللبنانية، لكن الضربات الإسرائيلية التي أصابت قيادة الحزب وبنيته العسكرية، ضيقت هامش حركته، وهذا لا يعني أن إيران استبدلته تنظيمياً بالحوثيين، ولكنه يعني أن الجبهة اليمنية اكتسبت وزناً أكبر في توزيع الضغط الإيراني على المنطقة، والفارق في الجغرافيا حاسم، فالحزب يستطيع تهديد إسرائيل انطلاقاً من لبنان، أما الحوثيون فيستطيعون تهديد السعودية من جوارها الجنوبي، والاقتراب من باب المندب، وتعريض السفن العابرة للبحر الأحمر للخطر، وبذلك يتجاوز أثر هجومهم الدولة المستهدفة لتتأثر التجارة والتأمين والشحن، وتدخل عواصم أخرى في حسابات الأزمة.
أما لماذا الخليج؟ فلأن أمن الخليج يجمع كل ما تريد إيران التأثير فيه في وقت واحد، أمن المدن العربية، والطاقة، والملاحة، ومواقف الدول من الحرب والتفاوض، وكلما اتسعت دائرة الخطر ازدادت قدرة طهران على القول إن استمرار الضغط عليها ستكون له كلفة تتجاوز حدودها، وبعد أن أضعفت الضربات والهزائم "حزب الله"، إحدى أهم أدوات إيران على جبهة إسرائيل، وتراجع فاعلية الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، أصبحت الجبهات الأخرى أكثر أهمية، ولا سيما الجبهة القادرة على تهديد ممر تجاري دولي.
وكذلك فإن السيطرة على الساحل اليمني الغربي تزيد قدرة الحوثيين على التأثير في باب المندب، وقد حذّرت مواقف خليجية وأوروبية في مجلس الأمن من اقتران الهجمات على السعودية بتوسّع الحوثيين على ساحل البحر الأحمر، وما يحمله ذلك من تهديد للملاحة، وهنا تتحول الحرب اليمنية من نزاع على الأرض والسلطة، إلى وسيلة ضغط على أحد شرايين التجارة العالمية، ووفق هذه القراءة، فإن إيران لا تنقل الحرب من جبهة إلى أخرى بقرار واحد معلن، بل تستفيد من تعدد الجبهات كي توزّع الكلفة، إذ يُستنزف لبنان عندما يقاتل "حزب الله"، ويُدفع اليمن مجدداً إلى الحرب عندما يصعّد الحوثيون، وتُهدد الملاحة عندما تحتاج طهران إلى ورقة ضغط أوسع.
ورقة إيران الأخيرة!
وسط هذا الواقع، تطرح تساؤلات عدة أبرزها: هل باتت إيران تعتمد على قدرة الحوثيين لنقل ثمن مواجهتها إلى الخليج والبحر الأحمر؟ فإذا كانت إيران تنقل ثقلها إلى اليمن فذلك لأن "حزب الله" لم يعد قادراً على حمل العبء الإقليمي الذي حمله قبل هزائمه، واليوم تحاول طهران أن تجعل من الحوثيين ورقتها الأكثر فاعلية، عبر رفع كلفة المواجهة، ويكشف التقدم الحوثي الأخير على ساحل البحر الأحمر، الذي جرى بتوجيه مباشر من "الحرس الثوري"، حجم الرهان الإيراني على هذه الجبهة، فهل هي ورقة إيران الأخيرة؟
ربما لا، لكنها بالتأكيد من أثمن أوراقها الباقية ولذلك تدفع بها إلى الواجهة الآن، غير أن طهران تخطئ إذا اعتقدت أن بإمكانها استخدام اليمن لابتزاز السعودية، ثم العودة للتفاوض وكأن شيئاً لم يحدث، فالرياض أعلنت بوضوح أنها متمسكة بالحل السياسي في اليمن، وأن التزامها بالتهدئة لا يمنعها من اتخاذ ما يلزم لحماية أمنها ومواطنيها.
وفي المحصلة، رفعت إيران طوال أعوام شعار مواجهة إسرائيل لتبرير تسليح أذرعها في المنطقة، ولكن حين اشتدت المواجهة اتجهت صواريخ الحوثيين نحو مدن عربية، وامتد تهديدهم إلى سفن تعبر البحر الأحمر، وهكذا تكشف طهران وجهة سلاحها الفعلية، إذ تُبقي إسرائيل في خطاب "الممانعة"، وتستخدم اليمن للضغط على دولة عربية لدفعها إلى قلب حرب لم تخترها، وقد تنجح إيران في فتح جبهة جديدة، لكنها بذلك تعيد كشف مشروعها نفسه، فكلما خسرت أحد أذرعها بحثت عن بلد عربي آخر لتحمّله كلفة حروبها، واليوم وبحسب الوقائع، أصبحت الورقة الحوثية شديدة الأهمية بالنسبة إلى النظام في طهران، والثمن الأول يدفعه اليمنيون الذين يعود بلدهم ساحة حرب، فيما تُستخدم أرضهم لتهديد جيرانهم وممرات العالم.